القلم الفكري

 

نظرة في تنمية فاعلية القراءة لدى الأطفال

محمد صوانه



نظرة في تنمية فاعلية القراءة لدى الأطفال

من قلم : محمد صوانه

يضطلع الآباء والأمهات بمسؤولية كبيرة تجاه أبنائهم نحو توجيههم للاعتياد على المطالعة وتنمية ملكة القراءة لديهم باستمرار منذ  سنواتهم الأولى، ولا يتحقق ذلك بكفاءة إلا إذا كان الآباء والأمهات أنفسهم مقتنعين بأهمية المطالعة وممارسين لها بشكل يومي في البيت على مرأى من أطفالهم، بل لعلهم يقومون أحياناً بمشاركة أبنائهم في قراءة بعض النصوص المختارة من كتب مفيدة وملائمة لأعمار أبنائهم، ومناقشة بعض الأفكار والمعاني في هذه الكتب .
فالمطالعة كنز ثمين لمن اعتاد عليها، بل هي معين لا ينضب يتيح وسائل وأدوات المعرفة لكل من يطلبها بين ثنايا الكتب النفيسة على تنوعها، فيحصل على نتاج ما كتبه العظماء من العلماء والمفكرين وكبار الأدباء والكتّاب والباحثين، الذين بذلوا جهوداً كبيرة استغرق بعضها سنوات عديدة، فيجنيها القارئ في عدة أيام أو ساعات وربما خلال دقائق معدودة استناداً إلى نوعية المعلومات التي يبحث عنها القارئ.  والقارئ الفطن يحرص دائماً على أن يُدلي دلوه في هذا المعين المتاح ليتزود في كل يوم بخبرات جديدة ومعلومات وعلوم لا غنى له عنها في حياته. قال أحد العلماء كنا في الصغر نقرأ كل كتاب يقع بين أيدينا لمجرد القراءة، نقرأ ثم نقرأ ثم نقرأ... وقال أحد الأساتذة الجامعيين كنت أقرأ في صباح كل يوم قبل أن أذهب إلى الجامعة سبعين صفحة، لأذهب وقد تزودت بمعلومات وثقافة جديدة ( المقصود غير المقررات الجامعية التي يدرسّها لتلاميذه )!
نحن أمة "أقرأ " ومتهمة بأنها لا تقرأ !! وقد يكون ذلك صحيحاً إلى درجة كبيرة، بشكل عام ! سألت طالباً في الجامعة: كم تقدر عدد الكتب التي قرأتها خارج المناهج الدراسية؟ فأجاب:  قرأت في حياتي كتاباً واحداً فقط !! تخيّلوا، كيف يصل طالب إلى مستوى المرحلة الجامعية ولا يكون للمطالعة نصيب ضمن اهتماماته أو نشاطاته الحياتية! إن ذلك بالتأكيد نتيجة عدم وجود أدنى اهتمام مبكر لدى أسرته بتعويده على المطالعة منذ الصغر، فضلاً عن دور المدرسة الهام في هذا المجال.
 ولعل من الحكمة أن نستدرك ما فاتنا، ونبدأ منذ الآن بتخصيص جزء من وقتنا - الذي يضيع معظمه هدراً - للمطالعة . وفي الوقت نفسه نبدأ بتعويد أبنائنا على القراءة منذ الصغر ونشجهم علـى ذلك ونختار لهم ما يناسبهم من الكتيبات الملائمة لأعمارهم والمفيدة لهم ، ونجري مناقشات داخل البيت بينهم لتذاكر ما يقرؤون، ويمكن أن نقدم لهم هدايا وجوائز على كل نشاط في هذا المجال. وستجد أنك بعد فترة وبناء على طلب أسرتك، ونظراً للحاجة الملحة لتنمية عادة المطالعة، ستقوم بتأسيس مكتبة صغيرة في البيت، تضم مجموعة متنوعة ومفيدة من الكتب؛ لتكون في متناول جميع أفراد الأسرة؛ فتترسخ مع الأيام هذه العادة الحميدة، ولكن ذلك بحاجة إلى الصبر والمثابرة.
ولا بد لكل أسرة من تعهّد أبنائها، فتحفزهم على المطالعة، باستمرار، دون أن تثقل عليهم، وعلى أن لا يكون ذلك على حساب المقررات والواجبات المدرسية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأوقات التي تضيع هدراً في الجلوس أمام التلفاز في مشاهدة برامج ومسلسلات قليلة الفائدة، بل قد تكون غير ملائمة لهم فضلاً عن عدم القدرة على التحكّم بها لكثرة الغث فيها، وصعوبة أن نتوقع محتواها بشكل دقيق قبل مشاهدتها من قبل أطفالنا، فأحياناً تعرض برامج تحتوي مفردات وعناصر رديئة المستوى ، أو ذات مضامين غير مرغوبة اجتماعياً داخل الأسر المحافظة.
وتضطلع المدرسة بدور هام في تنمية توجه الطلبة نحو المطالعة وذلك من خلال نشاطات وبرامج متنوعة؛ مثل إجراء مسابقات بين المطالعين، وتخصيص ساعة أسبوعية أو يوماً في الشهر للمطالعة داخل المكتبة بإشراف المعلم، وتشجيع الطلاب على قراءة كتيب أو جزء معين من كتاب وتلخيصه أمام زملائه في الفصل وإجراء مناقشة قصيرة حول الموضوع بمشاركة المعلم، ما يركّز ويرسّخ عادة القراءة عند الأطفال منذ سنواتهم الدراسية الاولى التي يتعرفون فيها على الكتاب ويعتادون على ممارسة القراءة. ويمكن في هذه المرحلة بسهولة، أن نجعلهم يدركون أن المطالعة ينبغي أن تكون من أهم وسائل المعرفة والتثقيف الذاتي، وأن ننمي فيهم القناعة بضرورة أن تصبح جزءا من نشاطاتهم اليومية.
إن القارئ يحقق ذاته كفاعل لا منفعل، إذ أن له دوراً يؤديه أثناء المطالعة، ولكل قارئ قراءته الخاصة به، وتحليلاته الذهنية أثناءها، ولو طلبنا من عشرة أشخاص قراءة نص واحد لخرج كل منهم بانطباعات ومعاني وتأثيرات متباينة عن الآخرين، بتباين الدور الذي قام به كل منهم أثناء قراءته.  فالقراءة عملٌ ينطوي على بذل جهد عقلي يستهلك مقداراً من الطاقة بقدر الجهد المبذول فيها، فيكون التحصيلُ والتأثّرُ بقدر الجهد المبذول، وبتأثير وتفاعل مع ما يختزنه العقل الباطن من معلومات سابقة تشكّل إطاراً مرجعياً لكل إنسان.
نصائح مهمة في مسألة المطالعة:
1. إعلم أنك إذا قرأت كتاباً فإنك تكون قد حصلت على خبرات سنوات طويلة لعقل مؤلف الكتاب بجهد قليل؛ فانظر كيف تستثمر تلك الخبرات في حياتك وتنمية معلوماتك ومهاراتك.
2. إن مطالعة الكتاب تعد رحلة مهمة في المعارف والخبرات توفّر الجهد والمال.
3. تحديد وقت (ساعة أو أكثر) في اليوم أو في الأسبوع للمطالعة.
4. حسن اختيار الكتاب، مع الحرص على التنوّع في كل مرة؛ حتى يتمكن القارئ من اكتساب ثقافة في مختلف المعارف والعلوم، إذ لا يخلو كتاب من فائدة. ومن حَرِصَ على تثقيف نفسه بالقراءة، أخذ من كل علم طَرَفاً.
5. النصيحة الذهبية للقاريء أثناء المطالعة، هي "اقرأ بأعين مفتوحة"، ولا تأخذ كل ما تقرأه كمسلّمات؛ فأحياناً تجد بعض المؤلفين يشتطون ويحيدون عن الصواب وخاصة في الكتب المؤلفة من قبل كتّاب غير متخصصين أو ذوي مصالح شخصية.
6. استثمار أوقات الفراغ الطارئة، بمطالعة ما ينفع من الكتب.
7. التنويع في المطالعة لتوسيع دائرة الثقافة العامة.
8. المناقشة مع أفراد الأسرة في الكتب التي يطالعونها.
9. اعتماد الكتاب إحدى الهدايا التي يمكن تقديمها للأصدقاء، لما يكتسبه الكتاب من فائدة وديمومة، بدلاً من بعض الهدايا ذات القيمة الأقل.

وخلاصة الأمر أن نتعلم كيف نقرأ وماذا نقرأ ؟ كما ينبغي أن نولي أطفالنا الاهتمام اللازم لكي يعتادوا القراءة منذ نعومة أظفارهم، ونرعاهم باستمرار، للترسخ لديهم ملكة القراءة وحب المطالعة. فضلاً عن تعليمهم كيف يقرأون وماذا يقرأون، فالقراءة صنعة يجب أن نمارسها يوميا وهي شرط أساسي من شروط الكتابة.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home