القلم النقدي

 

توليفة السرد في النص الشعري

زيد الشهيد



توليفة السرد في النص الشعري
بقلم زيد الشهيد / العراق


يشيَّد النص السردي من أجرات لقص متدارّك يتخذ موضوعةً من حادثةٍ قٌدمَّت جرّاء
فعل تنبأ الناص بوقوعهِ ، أي رسم له مبرّرات الحدوث ليتجاسد مادةً قرائية بثَّ
فيها فنَّهٌ ومقدرته ، أو من موقفٍ انبجس بغتةً فوجد الناص نفسه – كرؤية حرفية
– حيال أمر يستدعى التوقف إزاءه .. يمارس فعل التقليب والمحاورة ( التحليل ) ..
الاستدارك والترجمة ( الاستنتاج ) ، وصولاً لمخرَجٍ يٌشكلّ إنفراج الأزمة (
الإنتهاء من الواقعة ) ، واكتمال القص الذي سيغدو موضوعاً يتوخىَ احتواء
مبرّرات الشد والإقناع .

ومن المتعارف عليه أنّ النص في مسارات الشعر الجاهلي – وما بعده – يٌعتبر حاضنة
لموضوعات متفاوتة ينتقلٌ فيها الباث من موضوع – غرض – لآخر فيتمظهر النص شكلاً
أقرب إلى الفسيفساء ، ينمقه الوصف وتسربله الحماسة .. يعطره الغزل ويوشيّه
المدح .. يؤسّيه الرثاء ويعكره الهجاء .. إلاَّ أنّ نص الخطِيئة قيد التناول
حوىَ موضوعاً واحداً بٌنيَ على أساس درامي / قص .. لكن هذا لا يميزه إذا توخينا
التصنيف أو الريادة باستخدام وحدة الموضوع ، لأنَّ نصوصاً وفيرة حوتها مفازة
الشعر العربي القديم تناول موضوعاً واحداً لعل نص عروة بن الورد الذي يبتدئ بـ
:-

أمليِ علىّ اللوم يا أبنة منــذرٍ

ونامي فأنْ لم تشتهي النوم فاسهــري

يؤشر ذلك .. والنص يتالف من ( سبعة عشر بيتاً تدور حول فكرة واحدة وموضوع واحد
هما أنّ إمرأة الشاعر كانت تلومه لأنّ رزقه قليل ، فيبدي هو لها عذره .. ويقول
لها أنه يود إلاّ يطلب الغنىَ إذا كان في الغنىَ مذلة )(1) كما أن نص الخنساء
في رثاء أخيها صخر لا ينأىَ عن ذلك :

أعينـىَّ جـوداً ولا تجمـدا

ألا تبكيان لصخـر النـدىَ

ألا تبكيــان الجـريَ الجمـيل

ألا تبكيان الغـنىّ السـيدا


غير أنَّ ما يميز نص الحطيئة هو حسن القص في حومة الشعر ، والقدرة العالية في
التصوير المؤرخ بعطر الاختلاجات ، وصدق الانفعال الذي يقود إلى العفوية في
الطرح والابتعاد عن ربقة التكليف .

إنّ الحطيئة – بالنص الذي نقاربه – أستبق إدراك حرفيات القص الحديث التي جاءتنا
من أقاصي الإنتاج الغربي .. بنيَ أشتغاله على التتابع الموضوعي الناجح ، حيث
الاستهلال الذي يبنى عليه إغراء وإغواء المتلقّي بغية الولوج إلى ثرىَ النص
لاغتراف ثراء حدث هو أساس الموضوع .. ينشر شذاه علىَ الامتدارات التفصيلية إذ
يلفي المتلقي نفسه مسحوباً بطاقة سحرّية تجرجره معايشاً ومسايراً لمجريات هذا
الحدث متناغماً علىَ إيقاع موسيقىَ البحر الطويل ،، ثم صعوداً تتماهىَ معه وفيه
اللهفة والتوق لما هو مجهول يستقر علىَ قمّة يسميها المحترفون في بناء القص
الحديث " الذروة " CLIMAX > " آنْ اللحظة المتأزمة الفاصلة بين تنامي الاحتدام
، وبلوغ ومضة الانفجار ، وبين تكشف ما وراء تلك اللحظة ، إذْ الانفلات من ربقةٍ
القلق والإرهاص ، إطلالا علىَ الأفق المغمور بطيوف الانشراح والتحليق بأجنحة
الإشراق الحادية نحو مثابة التنوير ،، وصلاً لمرفأ الانتهاء العذب .


وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مرمـلٍ
ببيداءَ لم يعـرف بها ساكن طعمــا (1 )

أخي جفوةٍ فيه من الأنسِ وحشــةٌ
يرىَ البؤسَ فيـه ، من شراستهِ نعمىَ (2 )

تفرّد في شعبٍ عجوزاً إزاءهــا
ثلاثةٌ أشخــاصٍ تخالـــــهمٌ بهـمــــا (3)

حٌفاةٌ عٌراةٌ ماً اغتذوا خبزَ مَـــلـــــةٍ
ولا عرفوا للبـٌرِّ – مٌـذ خلقوا – طـــعما (4)

رأىَ شبحاً وسط الظلامِ فراعهٌ
فلّما رأىَ ضيفاً تشمرَّ واهتمــــا (5)

تروّىَ قيلاً ثم احجم برهـةً
وإن هو لم يذبح فتاهٌ فقد هما (6)

وقالَ أبنه لما رآه بحــــيرةِ
ايا أبتِ ، اذبحني ويسر لهم طعـــــما (7)

ولا تعتذر بالعٌدمِ ، علَّ الذي طـرا
يظنٌّ لنا مـــــالاً فيوسعنـا ذمـّا (8)

فقال : هيا رّباه ، ضيف ولا قِـرىَ ؛
بحقِكَ لا تحرمٌه تا الليلةَ اللحمـــا (9)

فبينا هٌمٌ عنّت علىَ البٌعدَ عـانةً قـد
انتظمت من خلفِ مسحلها نظمـا (10)

ضماءً تريدٌ الماءَ فانسلَ نحــرٌهـــا
ألاّ إنّه منها إلى دمها أظما ! (11)

فامهلها حتىَ تروّتِ عطاشهــــا
فأرسل فيها من كنانتــهِ سهمـــا (12 )

فخرَّ نحوص ذات جحشٍ فتيـــة
قد إكتنزت لحماً وقد طبقت شحمـــــا (13)

فيا بشرهٌ إذْ جرّهــــا نحو أهلـــــهِ
ويا بشرهم لما رأوا كلمهـا يدمــىَ (14)

وبات أبوهمٌ مــــن بشاشتـــهِ أبــاً
لضيفهمٌ ، والأمٌّ مـن بشــرهـا أما (15 )

وباتوا كرِاماً قد قضوا حق ضيفهم
وما عرفوا غٌرماً وقد غنموا غنمــا (16 )


يعرض النص موقفاً يتجلىَ فيه الإحساس بالحيرة ، والغرق في جملة تساؤلات مبنية
علىَ كيفية آيلة إلى خلاص ، وقصدية تتوخىَ كسر معادلة المعضلة القائمة .. إنها
اللحظة السالبة التي يقف عند تخومها العقل البشري حائراً / مكبلاً خسر كل وسائل
فضّ الاشتباك ؛ متحنطاً لا تنقذه إلاّ الُهنيهة الإيجابية / الحل الغيبي
المتمخض من هيولي المعجزة أو هٌلام الاسطورة .

والتوجه السردي في تخطيّه الشعري يدرك الذروة – تفاقم الحال ممتزجة بذروة تاجج
النص – عندما يعلن السارد بتوصيف يغلب عليه التنميق اللغوي افتضاض لحظة الجحود
وتهاوى السلبية ، اعتماداً علىَ استجابة القوة الغيبية لفك عقدة حيرته.

هذا التواصل السردي يمر بحالات متتالية يتم فيها التنقل من موقفٍ لاخر ،
بتجميعه تتداخل مفاصل النص وتتشكل وحدة القص وفقَ ابجديةِ : " إستهلال / حدث /
تفاصيل / ذروة / إنفراج " وكل هذا يأتي وفق التفصيل التالي :-


إستهلال :-

وصف اجتماعي لعائلة تعيش الفقر المدقع ، يتطرف التوصيف في إعطاء صورة اشد قسوة
من الواقع ، حتى لكأن المتلقي يرىَ إلى مخلوقات نحيفة / ضعيفة يجلدِ وعظم وقد
فقدت مباعث القوة على أداء الحركة البشرية التي يؤديها أقران لهم بذات العمر
لانّ ثلاثة ايام مرت والبطن معصوبة برباط تنده بمن يشبعها ؛ والصحن فارغ ليس
إلاّ الرمل يملأه ، (يأخذ هذا التوصيف : الأبيات من 1 – 4).


حدث :-

انتقال الصورة إلى مشهدِ آخر يتولى السرد دوره في القص .. وفيه يٌفاجأ ربّ
الأسرة بما يخلق لديه حالة من الإحراج يقوده إلى قلقِ ما حسب له حساب الوقوع
رغم أنّ الظرف الحاصل كثيراً ما يتكرر في حياةٍ ملؤها الصحراء ، والساري لا بد
له من بصيص ضوء يلتجئ إليه ضيفاً ، طلباً لمأكل يقضٌّ قضيض الجوع ، ومأوى يأتمن
فيه من عاديات الوحوش والمجاهيل لقضاء ليلةِ ورّبما ليال وإذْ يكون الحدث في
طور تناميه وتازمه تكون الافتراضات في حالة توالد وانشطار لا يحسمها في موقف
عسير غير أهاب التضحية التي تأتى على حساب الخسارة الوجدانية وتهديم جزء ثمين
من جدار حياتي حفاظاً على ملكوت السمعة وإحاطة بحسن القول القادم ..فيأتي قرار
التضحية ذبحاً للابن لئلا يُظن ، والظنّ يتيح لتقولات اللسان مدّاً من الذم ..
كما أنّ الابن لا يتراجع بل يميل مندفعاً إلى التقدّم واجداً التضحية لافتة
حقّةً ، من مبررات فعل الأب [ يأخذ الآبيات من 5 – 8 ] .



حالة ثالثة تحوصل بلوغ الذروة ، واستهلالا لانفراج الوضع الذي زُرع بالقلق
وسُقيَ بالحيرة .. وطالما أنّ حاجة الضيف غذاءً فأنّ الانفراج يأتي من باب
الإطعام .. ولأنّ الصحراء تفتقد – بل و تنعدم – لقطعان الغابات وبساتين الأشجار
فأنّ الغذاء يكمنْ باللحم الذي هو قابل للتوفير حيث مهنة البدوي تربية الماشية
جمالاً وأغناما ؛؛ وبهما تتجلىَ شفرة الطعام .. لكنّ الحطيئة لم يكن يملك من
هاتيك الحلول ، فقدمّت القوة الغيبية حلاً أبعَدَ عقرَ الابن وأفرج عن انقباض
النفس عندما ظهر وبلا وعد قطيع من الحمير الوحشي ، جاء ليرد من بركةِ ماءٍ ..
إذاً سيتعشىَ الضيف لحماً ، وليس غير اللحم .. وهذا ما جعل السهم يتوجه صائباً
نحو نحرِ إحداها ليستحيل بشرىَ للأهل وليلةَ إشباعٍ للضيف . [ الآبيات من 9 –
13 ] .


إنتقالة إلى خاتمة – مساحة الانفراج – وهو عرض موقف جُبل عليه العربي كسلوك
يعطى تواصلاً لعلائق اجتماعية ووقائع يومية بنيت على أساس الكرم طبقاً لاستقبال
ضيف ، وتحقيقاً لحيازة سمعة – لا بد أنّ تكون حسنة – سينالها المضُيّف في دوحة
قومهِ وبين مضارب الأقوام التي سيدركها الضيف في حركته الرحلوية .. فالكرم هو
المحك الـذي يقاس عنده إباء النفس ، وتعرف عند نواصيهِ العزّة ، ومما بعده
ترتفع العقيرة بالحماسةِ والفخر ويغدو العربيٌ علماً يشار إليه .


وإذا كانَ الحطيئة قد اعتمد حادثة جسدت تفاصيلها على أرض الواقع أو انتشالها
مـن براثن الخيال ليصنع نصاً ناجحاً يستقبله المتلقي بانشداد ولذاذة رائقة فانّ
السياب اعتمد أسطورة " إرم " ذات العماد وإتكا على تناصها فانطلق يبث رسالته
النصية مرتكزاً على حرفية درامية إتبعت الخطوات التراتبية الآنفة ، وأنتجت هي
الأخرى نصاً ناجحاً تجاسدت بُناه وأنساقه على تواصلية لها قدرة شدّ المتلقي
وخلروجه بنتيجة إقرار تأثير النص الفاعل وهيمنته على الذائقة .. فالصورة
الشعرية التي جاءت على لسان راوية آتٍ من ثنايا الأسلاف [ حدثنا جدّ أبي ، فقال
] شبحاً بالرؤى / مزدحماً / بالتجارب / مشحوذاً بالأحلام ليتحدث .. والحديث
يأخذ طابع الحدّوتة / الحكاية ، يقولها راوٍ يستمع له منصتون ( صغار ) تذكّرنا
بحكاية شهر زاد الراوية وشهريار ( الطفل ) المنصت بالجوارح المستنفرة ..
والتلقي في القص لا كما هو في الشعر . فالقص يجعل المتلقي حياديّاً مسلوب
الإرادة لا قدرة له على المشاركة . على عكس الشعر حين يندفع المتلقي ليغدو
مشاركاً أما بالتصفيق أو بطلب إعادة الترديد ، أو استباق الشاعر في ترديد
نهايات الأبيات. (2)


و تتدخل في نص السياب تتداخل فيه الذات الساردة ( حدّثنا جدُّ أبي فقال : يا
صغار ) مع الذات الراوية ( مقامِراُ كنتُ مع الزمان ) التي سرعان ما تُحيّد
الذات الأولى – الساردة – فتجعلها مُستمعة / مُنصتة لا تظهر الاّ بإنتهاء مادة
القص ، لا تتداخل في السؤال أو تدخل حديث المحاورة بل لتكملة ما يقوله الجد (
وقال جدُّنا ولجَّ في النشيج ) .

إن الذات الراوية تهيمن في نص ( آرم ذات العماد ) فتعرض حياة تؤول إلى معادلة
فلسفية يمكن استشفافها من خلال مراودة النص والدخول في ثناياه . فالجد الراوي
كان يمتهن الصيد والمغامرة ؛ يتناص مع " سانتياكو " بطل رواية الشيخ والبحر
لهيمنكوي وهو يقص للصبي الذي يعاونه في تدبير الكوخ ويخرج معه بعض المرات للصيد
عن مغامراته وفضوله ، وآماله ، والآلام .. وصياد السياب يتخّذ من " خور الرميلة
" جنوب البصرة ميداناً للصيد .. في الليل تكتنف "الخور " الظلمة وتسوده
المجاهيل تاركة لمجسات السحر الانبثاق ، تحاور مخلوقات البحر .. تتصادم مع
النجوم وايماضات الأقمـــار .

من خَـــلَلِ الدُّخان من سيكاره،

من خــــلل الدخـانْ

من قـــدح الشاي وقد نشَّر ، وهو يلتوي ، إزاره

ليحـــجب الزمان والمكانْ

حـــــدثّنا جدُّ أبي فقـال : (( ياصغار ،

مُقامراٍ كنتُ مـــع الزمــــانْ

نقـوديَ الأسماك ، لا الفضّةُ والنُّضار ،

والـــورق الشبـاك والوِهــار .


يُقدِّم هذا الاستهلال شريحة صورية تتماس مع واقع السرد القصصي – تنأى عن
الذهنية – تتحفّز الصورة على جدار التصور ، ويشكل دخان السيكارة ساتراً زمنياً
تنتقل من خلاله الملامح من حرفيات اللحظة الواقعة / الحاضرة إلى أبجديات الزمن
الهارب / البعيد ، فيستحيل الصوت الراوي صوراً ، والزمان مكاناً .

يشرع الحدث ، الأساس الذي منه يندفع البناء ، ويبدأ الشد والتوتر لدى المتلقي .
فالحدث يأخذ حيزه الوسيع في المسار الدرامي ، ومن توالياته يتم التشبع والرغبة
في القبض على تداخلات خيوط الانطلاق حيث يغدو الراوي منبع القص ، ومفرداته
الشفهية " نوتات" صوتية يعتمد تأثيرها سلباً أو إيجاباً على مهارة الراوي إذ
الصغار منصتون لـ "جدّ جدهم " ..والجد كالحالم ، كالمحلقّ في هُلام الذكرى
ينقلهم إلى ميدان الشغف وحومة الفضول .. يرسم الأجواء ممهّداً للولوج إلى خور
الحكاية عبر نفق الإثارة ، فالسماء كامدة دكناء لونها الصدأ والقار . وهو على
سطح قاربه يمارس المغامرة / الصيد في "خور الرميلة " العميق ، مثير الهواجس في
العتمة ، وباعث الرهبة في الإنحاء والجد كـ (سانتياكو) يفضل الصيد في الأماكن
النائية ، التي لا يصلها الذين يرجحون العقل على العاطفة .. إن لهفة الطفولة
ورغبة الصبابة تتأجج في النفس كأنه يحنٌّ إلى غبارها ، وكأنا به يٌعلن ويبوح
بعد أيفاء الطفولة حقها معه ، ،، مرٌهفاً السمع يروح إلى المحار الزاحف في
أعماق البحر ، يحاور الحصى ويفشي بسرّ اللؤلؤة الفريدة .. لؤلؤة منح السعادة
الأبدية وفتح أبواب الحظ الضاحك بلا انغلاق ( هابطاً بالمتلقين الصغار /
المنصتين / متّسعي العيون / فاغري الأفواه / مواربي الدواخل على أرض غريبة /
غامضة ) .. وهناك وهو على زورقه تدبٌّ في جسده رعشة من ندىَ الخريف وبرودة من
سدف الليل فيسحب الدثار ، ويرسل بنظراته إلى السماء .. ومن بين ثنايا الغيوم
تلوح له نجمة وحيدة :

وكنتٌ ذاتَ ليلْـــه

كأنمـا السمــــاءٌ فيهــا صَــدَأٌ وقــــارْ ،

أصــــيدٌ فـــي الـــرميلـــة

في خورها العميق ، أسمـــعٌ المحـــار

موسوساً كأنما يبوحٌ للحصىَ وللقفـــارْ

بموطنِ اللـــــؤلؤةِ الفــريــدة،

فأرهفٌ السَّمعَ لعِّلي أسمع الحـــوارْ

وكانَ من ندىَ الخريف في الذجىَ بروده

تدبّ منها رعشةٌ في جسدي فأسحبٌ الدّثارْ

وأنفرج الغيمٌ فلاحتْ نجمــــةٌ وحــــيدة .

يمارس السياب في النصّ فِعلَ نقلنا من صورة تنوجد داخلها صورة ، ثم صورة ثالثة
تولد داخل الثانية ،، وهكذا من المتوالية التي تجعل الحدث متَّسعاً ومتناسلاً
دون الخروج عن الفحوىَ أو الهرب من المضمون وهذا يشبه الهدية الروسية المكونة
من صندوق مزخرف ، ما أن نفتحه حتىَ نجد داخله صندوق آخر ، فاذا فتحت الثاني
فأياك بصندوق ثالث وهكذا .. فنص " إرم ذات العماد " يبدأ بالسارد الجمعي – صوت
الصغار – فيسلمنا إلى الراوي الجالس معهم – صوت الجد – يرسم لنا صورة خروجه
المألوف للصيد في الخور العميق ثم ينقلنا لموقف آخر حيث تتبعه نجمة يٌظهرها
تباعد الغيوم .. تنقله هذه إلى حلم فحواه سرد صوري لا يمت للواقع بشيء ينتج
شغفاً من لدن السامعين وسؤالاً : وماذا بعد – ثم رسم التوقعات من قبل الصغار
المنصتين – نحن القراء المتتبعين .. توقعات قد تتطابق مع مجريات القص لديهم /
لدينا تتنافر عنه .. ومن التداعي الذي يثير الذاكرة وينده بالذكرى للقدوم
والتجسد ، إلى الحلم الذي يمنح الذاكرة حرية صنع الأشياء – مواقف وأحداثا – أي
تحويل حلم اليقظة إلى يقظة حلم تهب المتعة ولو لحين .. فينطلق عالم الحلم يبني
فحواه ، وتشكل مفاصله حركة على إيقاع الموروث المترسب في قاع الذاكرة الجمعية
البشرية ، إذ يجد الحالم / السارد نفسه يطير إلى النجمة المبتغاة وسط مطبّات
الخفوت أو التألق لحركة الضوء المشع كحركة الشراع في تلاطم الموج مؤرجح زورق
الرجل البحار ( لا يأتي التعبير من خارج حدود التجربة .. ولا تعرض الصور آتية
من ما وراء سواتر اللامعرفة .. الراوي بّحار ، والتشبيه ينبّجس من رحم العمل ،
فنرىَ إلى " الشراع " و "الصراع " و " الرياح " تشبيهاً .. وهنا يكمن ذكاء
السياب في التناول الحكائي وعدم وقوعهِ في دائرة خطأ التشبيه ) .. والسير
رحيلاً في مفارق الحلم هو الهدف الماثل الذي يتجلّىَ زمناً ويغدو الأمنية سيما
وأنّ السارد قد منح نفسه حرية التخيّل وأمسك بصولجان رسم الأحداث إرتكازاً علىَ
المفاجأة فجعل نفسه مسيراً هو الآخر بموجة دفع الحلم وقبضة السحر لم يفقه إنْ
كان مشىَ آلف خطوةٍ في رحيلهِ السماوي أم آلف ميل :

ذكرتٌ نجــمتي الــــبعيــــدة

تنامٌ فوق سطحها وتسمع الجــــرارْ

تنضحٌ ( يا وقعَ حوافرٍ على الـــــدروب

في عالم النعاس ؛ ذاك عنترٌ يجـوب

دجىَ الصحاري إن حيَّ عبلةَ المزارْ )

فسرتٌ والسماءٌ وجـهتي ، ولا دليــل ،

أرقبٌ نجمها الوحيد ، والشعــاعْ

يخفتٌ أو يؤجٌّ مانعاً ومانحاً ، وكالشراع .

ترفعٌ أو تحطّهٌ الرياحَ في الصــراع .

أسرتٌ آلف خطوةٍ ؟ أسرتٌ آلف ميــلْ ؟

لم أدرٍ إلاّ أنني أمالني السَّحَــــرْ .

إنْ السرد الذي يبني جسد هذا النص ، واللغة التي تتسامق في توصيف الحدث ينعمان
بشعرية متعالية ورغاوي لذاذية ترتفع كالهالة في دواخل المتلقي ، باعثة علىَ
الإثارة ، دافعة إلى التحفيز ، ، ، مضافة لهما الصورة المستلة من الواقعية
السحرية دافعة كيانات المنصتين إلى الانكماش والالتصاق ، جاعلة العيون متصالبة
علىَ حركة شفاه السارد ؛ تلتقط مخارج الكلمات لتحيلها رسوماً متفاعلة علىَ
محفاّت المخيلة خصوصاً عندما يصل السرد الذي هو ذات الراوي إلى جدار القلعة
المهجورة ، تلك المحاطة بالمجاهيل والأسرار ، ولم يتبين بوابتها إلا بعد بحثٍ
مُضنٍ / جهيد :

إلى جدارِ قلعةٍ بيضــاءَ مـــــن حجَـرْ ،

كأنما الأقمارٌ مـنذٌ آلفِ عـامْ

كـــانت لــــه الطّـِــلاءْ ،

كأنمّا النجـــومٌ فـــي المســـــاءْ

سلْنَ علْيه ثّم فاض حوله الظــلامْ .

وسرتٌ حولَ ســـــورها الطـويل

أعدٌّ بالخطىَ مداه ( مـــــثل سندبـــادْ

يسيرٌ حولَ بيضةٍ الرّخِّ ولا يكاد يعود حيث أبتدأ .

حتىَ تغيبٌ الشمس ، غشىً نورهـــــا ســــواد

حتىَ إذا ما رفعَ الطرفَ رأىَ .. ومــــا رأىَ ؟ )

حتىَ بلغتٌ في الجدارِ مـــوضع العمــــادْ




إذاً هى الأسطورة / اللحظة المنبثقة من تلافيف الذاكرة لتصنع عنصر الذروة في
جسد الحكاية ..

والأسطورة " اللحظة لا تتغير .. التاريخ يتغير ؛ القرون تتغير ، الأفكار .. كلّ
هذا يتغير ولكن اللحظة أبداً هي دائماً ماثلة لنفسها .. هي النافذة الوحيدة
التي تتوفرِّ لنا الأبصار الجانب الآخر من الزمن . " (3) يشير السيّاب خارج متن
النص إلى أن ( عند المسلمين أنّ شدّاد بن عاد بنىَ جنّةً لينافس بها جنّة الله
، هي " إرم " .. وحين أهلك الله قومَ عاد إختفت " آرم " وطلعت تطوف ، وهي
مستورة في الأرض لا يراها إنسان إلاّ مرةً في كلّ أربعين عاماً .. وسعيد من
أنفتح له بابها ) (4 ) ، ومن هنا وظف السياب فحوى الأسطورة لتتوازىَ والموقع
الذي أدركه السارد في مسار حلمه اليقظوي – " إرم " :

تقومٌ فيه كالدجىَ بوابةٌ رهيبة

غلّفها الحديدٌ ، مدَّ حولَها نحيبــــه

أراه بالعيونِ لا تٌحسٌّهٌ المسامـع .

وقفتٌ عندها أدقٌّ .

يا صـدىَ أراجـــعٌ

أنتَ من المقابر الغربية ؟

أحــسٌّ في الصــــدىَ

بـرودةَ النــدىَ ،

أشمٌّ فيه عَفَنَ الزّمان والعوالمِ العجيبة

مـــن إرم وعـادْ .

وحـــينَ كلَّ ساعـــدي

وملنّي الوقـوفٌ في الظــلام

( كناسكٍ كعــــابــدٍ

يرفضه إلاله في معبده ، يظـــلٌّ لا ينام

ولا يريــــدٌ الماءَ والطــعام ،

يصبحٌ : " كنْ علىَ الــهوىَ مساعـــدي

يا رافــع السّماء ، يا مــوزع الغمـــام )

جلسـتٌ عند بابها كســـائــل ذليـــل .

جلستٌ أسمع الصــدىَ ، كأنه العويـل ،

يلهثٌ خلفَ حـــائطٍ مــن حـــجرَ ثقيـل .

كأنَّ بينَ دقـــةٍ يمرٌ ألــف عـام

ومــا أجــابَ العدمٌ الــــخـــواء .

وحــين أوشك الصباح يهمسٌ الضيـاء

نعسـتٌ ، نمتٌ .. وإستفقت : مر آلفٌ جيل !!

تتبدىَ الاستفاقة كانفراج لشحنة الحدث الذي تعالت فرقته وتناثرت شظاياه بعد
اجتياز قطار الخيال توالي المحطات ، فشاهدت العين / الباصرة إنشاءات التضاريس
بصورٍ تصنعها مخيلة المتلقي ( لكل متلقٍّ صورة تخصٌّه ؛ لا تتفق وصورة الآخر
المرافق له في الجلوس والاستماع ) .. تتبدىَ الاستفاقة كبؤرة تنوير تؤدي فعلَ
انسلاخ السفر البعيد ونقل المنصت / المهٌيمن عليه إلى جادات الواقع المتكرس ،
فتركه رداً هلاميّاً .. وعاد بهم إلى حيث زورقه .. إلى حيث "الرميلة " وسوارها
المياه ..

واستفقت : مرّ آلف جبل .

الشمس والفلاه

والغيمٌ والسمــاء

وكــل مــــا أراه ..

هناك حيثٌ كان سوارها المياه

تشـــعٌّ في الـخلــيج .

مرّةٌ أخرى نقول هي – إذاً – الاسطورة المنبثقة من تخوم الذاكرة – بعدما كانت
دفينة – وظِّفت بأسلوب مؤتمرٍ ومقنع ، وسخرت لتتبارىَ نصّاً فاعلاً .. إن
المبدع الفذ هو من يتألق في توظيف الصورة وتسويق المفردة خلقاً لحياة إبداعية
نابضة لأن (( الطحانين ، وهم لصوص الريح يصنعون دقيقاً جيداً من العواصف .)) (5
) كما يصرح باشلار .. وتوظيف السياب لأسطورة "إرم " جعل من نصه مبرراً للنجاح ،
مستحقاً الدراسة والتتبع بحثاً عن الدلالات المبثونة داخل رفلَ النص ، خروجاً
بالمدلولات الكبيرة ، والتي تتجسد حكماً تؤول إلى ماّل حركة تاريخ البشرية ..
تلك الحركة المتمايسة علىَ غيوم الضياع ، فيمر العمر من إولى إنطلاقات الولادة
حتىَ إنتهاءات الوجود العابث بلا جدوىَ .. إلاّ أن الأمل الذي هو أدنىَ صكوك
البقاء يستحيل بيد الشيخ الراوي إلى وصية أزلية تقولها النار الآيلة للخفوت إلى
الإنسان المنطلق في المضمار .. يسلمها الجدّ الخائب إلى الحفيد الدائب لتبقىَ
البشرية المعذبة تستقيَ كينونتها من منهل رغبة التواصل بانتظار " إرم " جديدة :


وقالَ جــَدٌّنا ولجَّ في النشيـــــج
.

" ولن اراها بعـدٌ ، إن عمـــري إنقضـــــىَ
وليس يرجع الزمانٌ ما مــضىَ
سوفَ أراها فيكمٌ ، فأنتم الاريـج
بعد ذبولِ زهـــرتي فـــأن رأىَ إرم
واحدٌكم فليطــرق البـــابَ ولا ينمْ إرمْ …
في خاطــري مــــن ذكــــرها ألمْ ،
حٌلَمٌ صبايَ ضاع .. آه ضاع حين تم وعمري انقضى . "

وكانَ إنْ نحا السياب صوب حكايا قديمة مستلّة من طوايا الأساطير الأخرىَ تدعيماً للسرد لتبقىَ مرادفة لأسطورة " إرم " وللمغامرة التي تلتهب في دواخل الجدّ السارد ؛ وأيضاً حالة كشف للنزوع الضارب في مفازات فضوله الإنساني للتوصل إلى آفاق الأهداف التي قصدها . فالنجمة التي بزغت بغتة من بين الغيوم المفتضةً ذكرّته بالحبيبة ؛ والذكرىَ قرّبت إليه حكاية " عنتر " مع " عبلة " وهو ولهٌ متبادل ، وشوق مشتبك يجده رديفاً لولههِ وشوقه :
( يا وقع حوافـرٍ على الدروبْ
في عالم النعاس ، ذاكَ عنترٌ يجــــوب
دجىَ الصحاري إنْ حيَّ عبلة المزار . )
ثمَ أنّ مغامرة البحث والمفاجأة غير المحسوبة وضعها السياب في رحيل الجدّ الحكائي تعميقاً للحدث ، وتوازياً مع تفصيلات المغامرة فأفعمها بما جرىَ لسندباد مع بيضة الرخ الهائلة لينقل مخيلة المنصتين علىَ كفّ الفضول إلى حكايا آلف ليلة وليلة التي ستمر كفلم سينمائي يتذكرون من خلال إطلاق ومضة الذكرىَ تهافتات القصص آن فاهت بها شهرزاد فينتصب " علاء الدين " ومصباحه ، ويتقدّم إليهم علي " بابا" ، وتتوجه صوبهم "دليله




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home