القلم السياسي

 

حكومة الوحدة والاستراتيجية الفلسطينية القادمة

نهاد عبد الاله خنفر- بريطانيا



حكومة الوحدة والاستراتيجية الفلسطينية القادمة

 نهاد عبد الاله خنفر- بريطانيا

في مكة، حيث ودع الفلسطينيون مرحلة هي من اقسى مراحل نضالهم على الصعيد الداخلي ( العلاقة الفلسطينية الفلسطينية)، وفي ذات المستوى على الصعيدين العربي والاقليمي، وهو ما تمثل طبعا في الاستضافة الكريمة والجهود المشكورة التي بذلتها المملكة العربية السعودية في سبيل ايقاف النزيف الفلسطيني على كل المستويات، ايذانا بولادة مفهومين جديدين للعمل الوطني الفلسطيني،

اولهما: صناعة المناخ الفلسطيني المواتي داخليا ضمن اليات العمل السياسي بين الفرقاء الاساسيين على الساحة الفلسطينية من حيث المشاركة الفعلية في تسيير الامور الحيايتة للفلسطينيين داخل المناطق المحتلة، او ما يعرف مجازا بمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني التي لم تعد كذلك في ظل اعادة الاحتلال الاسرائيلي لها ،

اما ثانيهما: فهو المتمثل في الصياغة الجديدة لاسس العلاقات الفلسطينية العربية الذي ظهر بشكل جلي من خلال التعاطي السعودي المسؤول على المستوى العربي برمته في احترام الخصوصية الفلسطينية بعيدا عن التدخلات المباشرة او غير المباشرة، في سنة حميدة ابدعت السعودية في صناعة حيثياتها من خلال الاعتناء بتوفير الاجواء الايجابية الملائمة للقادة الفلسطينيين للاستفراد بانفسهم ومصارحة ذواتهم في تمثيل مستقل للمصالح الفلسطينية التي تعكس بعدا فلسطينيا متعدد الزوايا والرؤى ولكن داخل الاطر الفلسطينية الخالية من الابعاد الاقليمية او العربية التي قد تلقي بثقلها السلبي على اجواء التوافق الداخلية ومن ثم تعطيل الوصول الى ما تم الوصول اليه كما حصل في بعض المرات من قبل، مما يعني فيما يعنيه ان الفلسطينيين عندما تحرروا من الاملاءات الفصائلية الحزبية الضيقة، وما يقابلها من ضغوطات اقليمية تبرز من هذا الجانب او ذاك، استطاعوا التوصل الى اتفاق وطني شامل يرضي جميع الاطراف، بل ويحقق الرغبة الفلسطينية الساعية الى تحقيق المصالح الوطنية العليا.

فقد لا حظنا ان توفر النية للتوصل الى اتفاق وطني شامل بعيدا عن التشنجات التي قد تفرضها الطموحات الحزبية لكلا الفلصيلين، او تلك التي قد تتطلبها بعض الاجندات الاقليمية – عربية وغيرها- قد حملت القادة الفلسطينيين الى تجاوز عقبة الحقائب الوزارية التي كانت تبدو وكأنها عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها باي حال من الاحوال، الى درجة ظن فيها الفلسطينيون بان الحقيبة الوزارية اكثر اهمية من القضايا الفلسطينية الرئيسية مثل القدس والمستوطنات والجدار العنصري والاسرى والفقر والبطالة وغيرها من القضايا المصيرية والحاسمة،بل وان في الفترة القياسية التي بادر القادة الفلسطينيون فيها الى التوقيع على الاتفاق اكبر دليل على ان هؤلاء القادة كان بامكانهم انجاز ما انجز قبل اشهر طويلة من ذلك، ودون الاضطرار الى الانزلاق الى حواف الحرب الاهلية التي ادمت قلوب الفلسطينيين في كل مكان.

 اذا بات من الواضح الان بان هناك تعقلا فلسطينيا بارزا في ادارة الازمة التي لا زالت في اشدها، وبات من الواضح ايضا في ذات المقام وبنفس المستوى نية عربية خالصة لدفع الفلسطينيين الى التصالح مع ذواتهم دون حسابات تخص هذه الدولة او تلك، وفي هذا اثبات على ان العرب وخصوصا الدول القيادية في المنطقة العربية ( السعودية ومصر وسورية والاردن )، يمتلكون مفتاحا مهما من مفاتيح القضية الفلسطينية، فكلنا شاهد الرعاية السعودية غير المشروطة لاتفاق مكة الفلسطيني الذي اتمنى ان يكون يوما ومناسبة تاريخية لكل الفلسطينيين، وخصوصا باقتران الاتفاق بتبرع سعودي سخي ( مليار دولار )، في اشارة واضحة ولا ريب بانها قوية، على ان الدول العربية قادرة على دعم الفلسطينيين دون ان تؤثر على استقلال قرارهم او استغلال معاناتهم وقواهم الحية بطريقة تتمثل بالسلبية في غالب الاحيان. الحقيقة الواضحة الان ايضا هي ان امام الفلسطينيين الان فرصة تاريخية عظيمة ومهمة في اعتبار هذا الاتفاق عبارة عن الاساس الجديد للاستراتيجية الفلسطينية القادمة وفي الاعتماد عليها للدفع بالوضع الفلسطيني الى الامام، وبمعنى اخر، فان على الفلسطينيين الان ترسيخ المباديء الاساسية التي انطلق منها الحوار في مكة، ولكن هذه المرة بطريقة ابداعية واضحة، وهو تكتل الخيارات وصهرها بطريقة مدافعة الكل عن الجزء ومساندة الجزء لهذا الكل، اذ اننا الان امام برنامجين سياسيين اقتربا من بعضهما البعض الى درجة انتجت حكومة موحدة ستعمل في برنامج موحد لا خيار فيه لاي الحزبين في تجاهل الحزب الاخر، أو في تجاهلمهما للاطراف والقوى الاخرى من الاحزاب والمستقلين، سواء على صعيد التعاطي مع الملفات الداخلية اليومية التي تمس مواطني الوطن المحتل، او على صعيد ادارة ملف العلاقات الخارجية، عربيا واقليميا ودوليا، مما قد يتيح للكثير من الدول العودة عن مواقفها المتصلبة في عدم التعاطي مع حكومة حماس المنفردة، اي ان الفلسطينيين الان ومن خلال المبادرة والمثال السعودي يستطيعون العمل بدون اي نوع من الضغوط التي قد يحاول البعض فرضها من هنا او هناك، وبالتالي الانطلاق براحة اكبر للتحرك على الصعيد الدولي على اساس البرنامج الشامل الذي يتطلب من الفلسطينيين تسويقه والعمل الجاد على استخادمه بطريقة فعالة تضمن حسن نتائجه وتحديدا على الصعيد الاوروبي الذي بدأ يتململ من الموقف الامريكي، ولا شك بان الترحيب البريطاني بتشكيل حكومة الوحدة قد يشكل بادرة في هذا الاتجاه( كسر الجمود مع الاتحاد الاوروبي)، ولا شك بان استحقاق البرنامج الحكومي وانعكاساته على السياسة الخارجية الفلسطينية سيفتح المجال ايضا امام الفلسطينيين في بناء الاسس الجديدة للعلاقات الفصائلية الداخلية بدءً من الملف الامني ( الانفلات وتوابعه)، وانتهاءً بالملفات الساخنة الاخرى، وحتى نكون محددين اكثر فانني ارى بان حكومة الوحدة سيكون معظم تاثيرها الايجابي في اعادة ترميم العلاقات الفلسطينية على مستوى النسيج الاجتماعي والوطني، مما يكفل قدرة على تخطي الازمات التي قد يسعى البعض لفرضها على الفلسطينيين من الخارج، وهذا قد يفيد في اعادة الصورة الفلسطينية بطريقة ايجابية لتجاوز البروبوغندا الامريكية الاسرائيلية الجديدة التي بدأت بتسويق فكرة التشكيك بعدم صلاحية الفلسطينيين في حكم انفسهم، كما جاء على لسان وزيرة الخارجية الامريكية قبل ايام، او من خلال ما نشرته اجهزة الامن الاسرائيلية من تخمينات تتحدث عن استعداد الاسرائيليين للتدخل في منع صبرا وشاتيلا جديدة في قطاع غزة. بالمحصلة النهائية، اذا استطاع الفلسطينيون الان في االتواصل الخلاق ما بين استراتيجية اتفاق مكة، وما سيعقبه من تنفيذ للسياسات الفلسطينية داخليا وخارجيا بطريقة استراتيجية ايضا، فانني اعتقد بان الامور الفلسطينية ستكون على الاقل اكثر وضوحا في التعامل مع مختلف الملفات، وخصوصا اذا ما استطاع الفلسطينيون تسويق الحكومة على انها حكومة ذات برنامج واحد موحد غير قابل للتجزئة او القسمة او الاختلاف على طرق واليات تطبيقه مما يمكن الفلسطينيين من الدخول في مرحلة جديدة وبصورة مطلقة، فقد رفض العالم حماس وبرنامجها السياسي في الحكومة الفلسطينية التي شكلتها منفردة، ولكنه سيكون في وضع محرج اذا ما قامر في رفض برنامج الحكومة الذي يمثل برنامجي حماس وفتح وما يرافقها من برامج الشعبية والديمقراطية والشعب والمستقلين، وبالتالي برنامج الشعب الفلسطيني، وهذا ما قد يضع العالم او بعض الدول حول العالم في موقف لا تحسد عليه اذا ما رفضت الان ان تتعامل مع سلام فياض على سبيل المثال وهو من الشخصيات المستقلة التي طالما طبل الغرب وزمر لشفافيتها وقدرتها على الادارة المالية النزيهة، وهو الحال بالنسبة للخارجية التي ستكون لشخصية غاية في الاستقلالية البعيدة عن البرامجية الحزبية والتي لم يسبق لاحد الاعتراض على وجودها في الهيكل السياسي الفلسطيني. الان، على القادة الفلسطينيين ان يكرسوا استراتيجية ممتدة بين مكة وما بعد مكة، اي ان يكون اتفاق مكة قاعدة اساسية للاستراتيجية الفلسطينية القادمة، في بناء منظمة التحرير قولا وفعلا، وبالتالي انهاء اشكالية الازدواجية والمنازعة الدائمة التي اضعفت السلطة واضعفت المنظمة، مع اعتماد الانفتاح على العالم في استراتيجية سياسية تعتمد على استعداد الفلسطينيين في الحديث مع كل العالم، ان لم يكن من خلال السلطة فمن خلال المنظمة التي يعترف بها كل العالم بما فيهم اسرائيل، مع التركيز على تاكيد صلاحيتها السياسية والوطنية في تمثيل الفلسطينيين اينما كانوا، للخروج من مأزق البرامج الحزبية التي قد تقبل او ترفض الاعتماد على المفاوضات مع هذا الطرف او ذاك. وللحقيقة فان البرامج الاستراتيجية التي يجب على الفلسطينيين اتباعها كثيرة متعددة ولكن قد يكون من اهمها استراتيجية الثبات على حكومة الوحة الوطنية التي ستقدم الترجمة الحقيقة عن الحياة الفلسطينية في الداخل وعن صورتها وانعكاساتها في الخارج، مما سيقطع التقولات التي تساق من هنا وهناك في عدم قدرة الفلسطينيين على قيادة انفسهم، وبالتالي التشكيك في استحقاقهم للاستقلال والسيادة السياسيين، ولا بد من التذكير على ان نجاح الحكومة يعني نجاح البرنامج الوطني الفلسطيني في اثبات فعاليته في قيادة الشعب الفلسطيني ووضعه الدائم تحت مظلة الحوار الذي لا يقبل فتنة او فرقة او انقلابا على الذات الفلسطينية بمفهومها الوطني الواسع.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home