القلم النقدي

 

معارضة "الدواجن"

علي عبد العال



معارضة "الدواجن" السياسية في مصر

بقلم : علي عبدالعال

 
ليستميحني القاريء عذراً إن استعرتُ له مصطلح "الدواجن" من حظائر الدجاج والمواشي، كي اسقطه على الحياة السياسية في مصر، حيث تطلق الكلمة ويراد بها كل طير أو حيوان تمكن الانسان من ترويضه، لينتفع به في طعامه وشرابه ويستخدمه في شئون الحقل والزراعة.

ففي إطار حركة تكسير العظام التي يخوضها النظام الحاكم في مصر لمواجهة جماعة "الإخوان المسلمون" ــ أقوى جماعة معارضة في البلاد ــ يبدو المشهد أكثر دراماتيكية حينما تتأمل إلى اللاعبين الأساسيين على هذا المسرح، سواء أكان النظام بأجهزته الأمنية والإعلامية، أم الإخوان كجماعة سياسية لها نوابها المنتخبون، وكوادرها المنتمية إلى كل فئات المجتمع المصري وشرائحه.

وقد دارت بين الجهتين معركة ــ لاشك ــ غير متكافئة، كان النظام السياسي صاحب المبادرة فيها والمهيمن على طول الخط ، وكان الإخوان "مفول به" لا حول له ولا قوة، يتلقى الضربة تلو الضربة لا يملك إلا أن يتوجع، حتى الشكوى حرم منها لأنه لا يوجد من باستطاعته سماع شكوى تلك الفئة من الناس التي قال "الباب العالي" إنهم باتوا خطراً على أمن مصر، حالهم تقريبا كحال إسرائيل إن لم يكن أشد خطراً، على اعتبار أن معاهدة السلام لازالت تحول بيننا وبين بطش الكيان الصهيوني.

وأمام أحداث هذا المسلسل المخيف، بقي لاعب أساسي ــ لازال بعيد عن مساءلة الرأي العام ــ وإن كان دوره ثانوي، ثانوية الجلاد في تنفيذ الحكم، يتمثل في "القوى السياسية" المعارضة والمستقلة في البلاد (أحزاب ، ونقابات ، وجماعات سياسية ، ومؤسسات إعلامية ، وقادة رأي ، وحقوقيون ، وأكاديميون)، الذين اختاروا دور "الشاهد" الذي أبى إلا أن يصمت على هذه الجريمة، بل و"يتفرج" مستمتعاً بما يرى.

وقد انقسموا حول هذا الدور انقسام الاتجاه الفكري ــ يمين ، ووسط ، ويسار ــ وأحياناً الاتجاه المصلحي ، وأيضاً الاتجاه المرحلي.. فكان منهم المصفق للنظام، المهلل لبطشه، المبارك لجرائمه ــ ممن وقعوا في أسر نظرته الإقصائية للجماعة ــ  المحرض على توحشه بحق حركة سياسية أصيلة في المجتمع، وكان منهم من فضحه ثياب ــ زعم أنها ــ "الحياد" حيث لا حياد أمام هزلية وهي تضرب في صميم مستقبل مصر وأمنها واستقرارها. وكان منهم المقر في دخيلة نفسه وحبسه حابس "الخوف" إثاراً ــ لما حسبه ــ السلامة.

فمنذ أن حصد "الإخوان المسلمون" عدد 88 من مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة ــ حيث كان من الممكن أن يحصدوا مقاعد أكثر ، لولا الممارسات الأمنية التي استهدفتهم ــ شعر النظام السياسي بالخطر على مستقبله وبقائه من هذه الحركة الفتية, ذات الشعبية الجارفة في الشارع المصري، ما جعل البعض يرى في الحركة بديلا موضوعي لهذا النظام ، وقد تصل بسهولة ويسر إلى سدة الحكم ، في حال أجريت انتخابات محايدة، سواء على مستوى البلديات والمحليات أو على مستوى الانتخابات النيابية أو الرئاسية، ومن ثم شرع النظام في شن حملات ــ أمنية ، وإعلامية ، واقتصادية ، وتشريعية ــ من أجل القضاء على الجماعة.. لكن ما أثار الاستغراب هو أن يتحالف مع هذه الممارسات القمعية الإقصائية، مثقفون وأحزاب ومستقلون، بل ويحرضون بقوة في سبيل المزيد منها ، وهو ما ينطوي على نوع من "النفاق السياسي" ــ لاشك ــ يمثل خطر جثيم على الحياة السياسية في البلاد.

أحد كتاب اليسار وهو رئيس تحرير صحيفة حكومية، وتربطه علاقات قوية بوزير مشبوه، كتب يقول : "جنة المتخشبين ــ يقصد النظام السياسي المصري ــ ولا جنة الأصوليين" ويقول الدكتور ضياء رشوان ــ الباحث بمركز "الأهرام" للدراسات السياسية ــ   : إذا كان من الطبيعي أن تكون الصحف الحكومية طرفاً في الحملة الإعلامية ضد الجماعة، فالغريب هو مشاركة الصحف الأخرى (معارضة أو مستقلة)، حيث انتهز البعض الفرصة ليُـصفِـي حساباته مع الجماعة، وبدأت الحملة من جريدة "نهضة مصر" – المستقلة - عندما صَدَّرَت "المانشيت" الرئيس لأحد أعدادها بعبارة "دولة الإخوان"، بعدها فتحت صحيفة "الوفد" ملفاً كاملاً بعنوان "إمبراطورية الإخوان الاقتصادية" وجعلت شعاره المنشور على الصفحة الأولى، ورقة مالية بدولار أمريكي مرسوم عليه صورة مهدي عاكف مرشد الإخوان".

وإذا كان منطقياً أن يرفض الحزب الحاكم فكرة الحزب، فمن غير المنطقي ولا المفهوم رفض قوى "ليبرالية" وحزبية ومستقلة للفكرة، بل والتبرع بمحاربتها.

وفي هذا الإطار، فإن الدور الذي كان منوطاً ب"مثقفين" وأحزاب معارضة وباقي أطياف الخارطة السياسية ــ إزاء هذه القضية المصيرية في متقبل المصريين ــ كان من الأهمية بحيث ساهم مساهمة فعالة في عملية التخدير الكبرى التي وقع تحت تأثيرها المجتمع، ذلك أن عملية الاستئناس التي جرت ــ من قبل الحكومة ــ على النخبة السياسية خلقت منها "مسخ" أصبح عالة على نفسه قبل أن يكون عالة على المجتمع.

وقد أصبح مستقبل العلاقة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين مفتوحا على كل الإحتمالات، بحيث أن ما تشهده مصر الآن يأتي في إطار إعادة ترسيم للخارطة السياسية في البلاد، بحيث يدور كل من فيها في فلك الطغمة الحاكمة، بشرط أن يقبل بالتصفيق ليس إلا ، ولاشك فإن مصر ــ مع هذا الواقع ــ مقبلة على خطر جثيم لا يعلمه إلا الله ، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home