القلم الفكري

 

اتفاق مكة الفلسطينى...أهميته وكيف نحميه.

زياد ابوشاويش



اتفاق مكة الفلسطيني...أهميته وكيف نحميه ؟

بقلم : زياد ابوشاويش

خرج الناس الى شوارع غزة والضفة مبتهجين،  وأطلقت الزغاريد كما الرصاص تعبيراً عن شوق طال انتظاره لوحدة الصف، وأهدر في سبيله عشرات بل مئات الليالي من الجهد والدعاء بأن تنتهي الفتنة ونعود لنواجه معاً أزماتنا وعدونا موحدين .

إن  الطريقة التي عبر بها الشعب الفلسطيني عن فرحته  داخل الوطن وخارجه تظهر الى أي مدى يعرف الناس أهمية الوحدة الوحدة الوطنية وضرورتها ، وكم هم متفوقون في عمق هذا الفهم على قياداتهم التي أهدرت الدم كما الوقت والأعصاب للوصول الى لحظة التوقيع على اتفاق منجز منذ مدة طويلة . وقد آثر الطرفان أن لا يبيعوه سوى للسعودية كوكيل حصري في هذا الشأن عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك مفاتيح المرور من البوابات الضيقة ، ضاربين عرض الحائط بكل تمنيات قوى الرفض والممانعة العربية بان يكون الاتفاق برعاية سورية أو على أراضيها ، وربما كان ذلك ممكناً لو كانت علاقة سوريا بأمريكا جيدة أو حتى غير عدائية. وربما يلفت الانتباه أن الاتفاق لم يتم على الاراضى المصرية أيضاً .

ولمن أراد تفسيراً لما جرى وكيف تم الاتفاق،  فلا بد أن يتم سؤال الحركتين عن ذلك وأن يتحلى طرفا الخلاف الدامي بالشفافية والجرأة اللازمين لتوضيح كل شيء ولماذا الآن وليس قبل مدة ، كان يمكن أن  نوفر فيها ما أهدر من دم أبنائنا وأموالنا وثقتنا ببعضنا البعض ؟ ومع هذا فان توقيع الاتفاق اليوم أفضل من تأخره ولو ليوم واحد . إن أهمية هذا الاتفاق بالإضافة لوقف النزيف الداخلي يتمثل في أنه يجمع للمرة الأولى منذ فترة طويلة امكانات وطاقات النسبة الأكبر من الشعب الفلسطيني ، كما يمثل ركيزة هامة لاتفاق يشمل الخارج ، ويؤسس لعودة الروح لوحدة شعبنا في كل أماكن تواجده بما يعنى حشد قواه في مواجهة عدو موحد وقوى ، وفى ظل ظروف محلية ودولية غاية في الخطورة والتعقيد . وحتى نفهم الاتفاق ونجد تفسير معقول لتوقيت إنجازه أو إجازته لابد أن نتحلى بالشمولية في النظر الى محيطنا الجغرافي والإقليمي ،ومجمل الصراع الدائر فيه ، وآفاق تطوره واحتمالاته المفتوحة على كل الاتجاهات.

إن اى تفكير منطقي ينتج عن رؤيا شاملة لأوضاع المنطقة لابد أن يذهب الى المعركة المحتدمة في العراق والاستراتيجية الأمريكية الجديدة باعتبارها محور الاهتمام الامريكى ، أو ما نطلق عليه " الحلقة المركزية" في ترتيبات الشأن الإقليمي للإدارة الأمريكية ، ويتوقف عليها الكثير من الأشياء والمواقف ، كما السلوك تجاه الاتفاق المذكور ،سواءً من أمريكا أو من "إسرائيل.

وما كان لهذا الاتفاق أن يمر بدون الورطة الأمريكية ، أو ما أسماه بوش باستراتيجية"النصر" والتي أنتجت سقوط ست طائرات عسكرية، ناهيك عن عشرات القتلى خلال اقل من شهر من إعلانها ، والتي تعتبر معركة بغداد مفصلها الرئيسي وعلي نتيجتها  يتوقف كل السلوك الامريكى في المنطقة لاحقاً ، ولهذا تعتبر الأشهر الثلاث القادمة اختباراً جدياً للاتفاق الذي أبرمته حركتا فتح وحماس مساء الخميس 8 / 2 / 2007 بحضور الملك السعودي وأركان حكومته ....إن ما كتب حول أهمية الوحدة الوطنية باعتبارها العامل الذاتي الأبرز في سياق مواجهة تاريخية كالتي يخوضها الشعب الفلسطيني ضد عدو من طراز "إسرائيل" وحلفائها لا يحتاج لإعادة تأكيد مرة أخرى، بقدر ما يحتاج الآن لرؤيته ضمن سياقات الحركة السياسية الراهنة وتفاعلات الواقع العربي المأزوم والمتردي مما يمنحه ثقل اكبر في ميزان الحسابات المفترضة لمستقبل تخيم عليه علامات الشك وارتباك الرؤية وضبابيتها . وربما لخصوصية المرحلة واتساع رقعة التناقضات يجب أن يتوفر على حماية هذه الوحدة وتحصينها خيرة مفكرينا وكتابنا لإنارة الساحة بما يكفى من الإضاءة لكي يرى قادة الشعب الفلسطيني حجم الخلل وخطورته في ظل غياب هذا العامل،  واحتضان هذا الاتفاق  للحفاظ عليه وحمايته .

إن"نداء" أولمرت العلني للرئيس الفلسطيني بالعدول عن إبرام أي اتفاق للوحدة مع حماس يظهر الى أي مدى يشكل هذا العامل دعامة أساسية للمشروع الوطني كنقيض تاريخي للكيان الصهيوني ،والى أي مدى يمكن أن تصل وقاحة هذا العدو إذا ما تعلق الأمر بوحدة الشعب وقيادته في مواجهته . وبغض النظر عن توزيع الحقائب الوزارية وغير ذلك من فرعيات الاتفاق،  فقد كان الأهم برأينا التأكيد والقسم على عدم العودة الى لغة العنف والاقتتال لحل المشاكل أو الأزمات تحت أي ظرف، والتي لا بد أن تظهر في مجرى العمل الوطني المشترك وفى ظل ما يحاك ضد القضية الفلسطينية من مؤامرات وضغوط لتصفيتها .

إن تحصين هذه الوحدة يجب أن يأتي على أرضية المواجهة مع العدو وليس التمسك بأهداب الحل الامريكى غير المنصف ، ولعل تجربة الثورة الفلسطينية على هذا الصعيد غنية بتراث يشير بوضوح الى أن فترات الخلل والتمزق كانت دوماً في ظل السلوك الواهم تجاه ما يطرح علينا من حلول أو مشاريع تسوية . وان فترات الوحدة والتماسك كانت باستمرار في مجرى النضال والمجابهة بكل إشكالها وفى مقدمتها المعارك بشكليها العسكري والجماهيري .

إن المواجهة مع العدو لا تعنى انقطاع الصلة بالحركة السياسية بما فيها الاقتراحات الدولية لحل المشكلة وإحلال السلام ، لكن ما قصدناه هو ذلك التساوق الأرعن مع هذه الحلول ومترتباتها الداخلية ، والتي تعنى تغليب الطابع التساوقي وقمع المعارضة أو المساهمة في تخريب الوحدة لحساب أوهام تسوية  نعرف جميعاً أنها لن تكون بغير تغير نوعى في موازين القوى ، الأمر غير المتاح في هذه الفترة المظلمة من تاريخ امتنا العربية ، وبكل أسف .

إن قراءة متمعنة في الوضع الراهن لابد أن ترى بأكبر قدر من الوضوح أهمية الصمود في وجه الضغوط والحصار لأطول فترة ممكنة ، والرهان على المقاومة بالقدر الذي يتناسب مع الظروف المحيطة والمستجدات ويتدرج ارتفاعاً وانخفاضاً بشكل قصدي ومدروس .

إن الرعاية السعودية للاتفاق الفلسطيني ومع تواصل معلن مع الإدارة الأمريكية يعطى الفرصة بشكل اكبر للنجاح ، ولعل حديث الرئيس عباس في دمشق عن ضرورة الموافقة الأمريكية كشرط لنجاح أي اتفاق وموافقته الشخصية عليه، قد فهمه الأخوة في حماس جيداً ، وباستثناء الاعتراف العلني بالعدو الاسرائيلى ، فقد قدمت حماس كل المرونة المطلوبة لإنجاحه وهى تحمد على ذلك ، وان كنت ومعي النسبة الكبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني نتمنى أن تعود حماس لأصولها البرنامجية المقاومة وتكف عن التحول لفصيل يتوهم السلطة ويخادع نفسه .

إن التحول في مجرى الوضع الفلسطيني لن يستقر ويتعزز عبر الرعاية الأمريكية أو غيرها من الرعايات التابعة ، كما سيبقى الأمر مرهوناً كما قلنا بنتائج ما يجرى فوق الأرض العراقية ، ولارتباط كل المعركة التي تجرى في الوطن العربي بساحاته المختلفة بعضها ببعض فقد كان لزاماً على كل القوى العربية المجابهة للمشروع الامريكى في المنطقة استنفار قوتها واعتبار ما جرى في مكة مشروعاً خاصاً بها ، ومن هنا فقد مثلت عودة حزب الله الى الجنوب اللبناني في شكل علني ، وتهديده برد العدوان وضرب إسرائيل مجدداً ، أفضل ما يمكن تقديمه من دعم لوحدة الصف الفلسطيني الذي عبر عنه اتفاق مكة ، والذي كنا نتمنى جميعاً أن يشمل كل الفصائل بمعنى المشاركة والمساهمة في صياغته كما في توقيعه ، ولعل الأخوة في الفصيلين يتداركون الأمر ، فيعرضوه على باقي القوى لتوقيعه وإدخال ما يلزم عليه من تعديلات أو إضافات لا تعيدنا لنقطة الصفر أو تساهم في توتير الأجواء من جديد .

إن رايات حزب الله وصور شهدائه التي ارتفعت خلال الأيام الماضية على الحدود مع العدو الاسرائيلى وتعززت اليوم بتصريحات الحزب حول استعداده للقتال، تمثل الهدية الأهم والدعم الأجدى لوحدة الساحة الفلسطينية ، كما لمجابهة العدوان المتمادي على المسجد الأقصى .

لقد آن الأوان لتعميد الاتفاق بجملة من المواقف المشتركة ورص الصفوف خلف معركة الأقصى ، ومجابهة الحصار ، وإعادة الأمور الى نصابها الصحيح لترميم سمعة الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والتي تضررت كثيراً جراء المجابهة العبثية والمدانة بين حركتي فتح وحماس ، ونأمل أن توضع الآليات المناسبة حالاً، لمعالجة أي إشكال أو حادث سواء كان بقصد أو بغير قصد ، ذلك أن كل اتفاقات العالم وعبقريته لن تفيد إذا لم توضع هذه الآليات موضع التطبيق العملي ، ويتم توحيد أدوات المعالجة ، مع ترسيم أمر في غاية الأهمية بين جميع الفصائل ، ذلك المتعلق بتوحيد معايير المحاسبة، ثوابا أ وعقاباً ،  وهو الأهم ، وتطبيق القانون والنظام على الجميع بلا استثناء وعدم إعطاء اى غطاء للمخل بالأمن العام ، أو المعتدى على أرواح الناس وحرماتهم مهما كانت صفته أو موقعه .

إن هذا الترميم الذي أشرت إليه يجب أن يشكل ورشة العمل لكل الفصائل وخصوصاً حركتي فتح وحماس ، ولعل هذا الاتفاق يشكل مناسبة بل رافعة من اجل إعادة الروح لنظام فتح الداخلي وعقد مؤتمرها العام ، وتخليصها من الكثير من نقاط الضعف التي أصابتها خلال السنوات الماضية كما تخليصها من مراكز القوى والفساد التي تنخر عظامها وتحولها الى مجموعات غير متجانسة ولا موحدة ، وتؤدى حتماً الى ظاهرة النفاق والاستزلام المقيتة .

كما يمثل الاتفاق فرصة لحماس لترى بشكل أوضح حجم خسائرها وإمكانية وضع نظام داخلي علني يحولها الى أحد حاضنات المشروع الوطني في محدداته الفلسطينية ، وليس كجزء من مشروع عالمي اسلامى يناط به معالجة أوسع وأطول عمراً لقضايا الأمة الإسلامية ، والتي قد لا تكون على تماس مباشر مع معطيات الراهن وتشابكاته الإقليمية والدولية ، وفى هذا السياق فان جردة واقعية للمرحلة السابقة ربما تقود لمعرفة حجم الخسائر التي لحقت بالحركة وكيفية تعويضها كما لعودة مجيدة ومرغوبة للصراع مع العدو الرئيسي  وامتداداته الخارجية ، وتأكيد حضورها المقاوم ،والذي منحها الشعب ثقته على أساسه .

لقد علق شعبنا كل آماله على إنهاء الاحتراب الداخلي والتوجه نحو وحدة القلوب كما البنادق، وحذاري أن يتلاعب أي طرف بهذه الآمال ، لان الناس لن تتسامح في هذه الحالة ولعل من فقد ابنه أو أي عزيز عليه في صراع الإخوة سيسامح في حالة واحدة فقط ، هي ترسيخ الوحدة وحفظ دماء باقي أبناءنا ومقاتلينا . ولمن فقدناهم يجب تقديم الاعتذار. ولكل الأمة التي وثقت بنا يجب تقديم الاعتذار... وربما يكون منصفاً لشعبنا أن تمضى الحركتان وكل الفصائل قدماً الى الأمام دون أن تنظر الى الخلف ، وأن يشمر الجميع عن ساعديه لإعادة بناء ما تهدم داخل النفوس والعقول ، ومن ثم المؤسسات ،  وفى مقدمها منظمة التحرير الفلسطينية . آملين أن يتم تغليب التناقض الرئيسي على تناقضاتنا الثانوية ، لتحقيق النصر ولو بعد حين .

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home