قصة

 

القصة المكررة

سعيد سالم



القصة المكررة

قصة قصيرة..سعيد سالم

ظهر في حّينا فجأة. استأجر شقة صغيرة فى بيتنا يقيم بها وحده. نراه يوما بطوله جالسا إلى المقهى ويوماً آخر بالمسجد ويوما لا يفارق شقته، وحين تعبق رائحة البيت بالبخور فهذا ينبئ بوجوده.

دائما هاش الوجه وان كان لا يحادث أحدا إلا فيما ندر. ظن البعض أنه مجذوب وظن البعض الآخر أنه هارب من حياته لسبب غامض.

شديد الطول نحيف القوام وإن كان يبدو فى أتم صحة رغم تجاوزه الستين. كثر تهامس النسوة عنه. قلن انه فقد أسرته بكاملها فى حادث. قلن إنه مصدوم فى زوجته أو فى ذريته. ولم يخل الأمر من حديث عن وسامته وعن ذلك البريق الغامض الذى يشع من عينيه.

دفعنى الفضول إلى الاقتراب منه فى حذر. فتشت فى الظروف المحيطة وفى خفايا النفس عن موضوع يصلح كمدخل إليه، يليق بوقاره ولا يصطدم برغبته فى الوحدة، فلم تسعفنى القريحة بشيء ، ومما زاد من حيرتى أننى لم أوفق فى اختيار المكان الأنسب: أيكون المقهى أم المسجد أم شقته العبقة برائحة البخور؟!.

بدأت بالمسجد. تعمدت الصلاة بجواره. صافحته بعد الختام فابتسم فى وجهى وقال:

-         تقبل الله صلاتك يا بنى.

ثم انصرف عنى إلى تسبيحاته. ظللت انتظر لفترة طويلة حتى يفرغ من استغراقه الشديد فى عالمه ولكنى لم أطق صبرا فقلت إن المقهى سيكون أنسب.

حين أقبلت عليه كان يدخن النارجيلة فى شراهة أهل الدنيا. رحب بى ودعانى لتناول كوب من الشاى . تحررت قليلا من توترى وارتباكى وأعددت نفسى لاقتحام سره، لكنه فاجأنى بابتسامة واثقة وهو يسأل فى رقة واستكانه:

-         ماذا تريد منى؟

لم أدر ماذا أقول له على وجه التحديد. أجبته متلعثما ولكن فى صدق:

-         نحن جيران وأنا فى شوق للاقتراب منك.

-         لماذا؟

-         لست أدرى

-         كم عمرك؟

-         أربعون عاما.

-         ماذا تعمل ؟

-         أعمل مدرسا.

-         ما أقدسها من مهنة. لعلك تقدركم هى عظيمة مسئوليتك

-         نعم أقدر ذلك ولكن ما عملك أنت؟

-         أنا لا أعمل حاليا

-         فماذا كنت تعمل من قبل؟

-         لم أترك مهنة الا وخضت غمارها حتى أصابنى الملل.

-         وكيف تكسب قوت يومك؟

-         مستورة والحمد لله.

لم يكن مبالغا فى قوله إذ اسفرت رقابتى المكثفة لتحركاته عن اهتدائه الدائم فى يسر إلى فقراء الحى، حيث يغدق عليهم من خيرات ما لم يحلموا به. لكنى سألته متطفلا.

-         أبحاجة أنت إلى عمل جديد؟

-         لا، فقد انتهى عهدى بالعمل. أنا الآن أنشد الراحة والخلود والصفاء

ثم أشاح بوجهه عنى وكأننى لست جالسا بجواره.. هام فى شرود عميق ثم قام فجأة ودفع ثمن المشروبات للنادل، وحين تذكرنى قال فى هدوء:

-         السلام عليكم.

وانصرف مسرعا إلى شقته المواجهة لشقتنا مباشرة.

منذ سكن هذا الغريب بيتنا الحافل بالضجيج والشغب، حل به السلام وسكنته الطمأنينة فامتنع الشجار وانقطعت أسباب الخلاف وبات الناس يتساءلون عن سر المحبة التى ثملوا بنشوتها فى غفلة من الزمان.

فى المساء كنت أفكر فيه بعمق والحيرة متمكنة منى، ورغبتى فى النفاذ إلى سره قد تضاعفت، حين ترامى إلى سمعى عزف شجى على العود صادر من شقته.

كان أفراد أسرتى يغطون فى نوم عميق، بينما خيم صمت غير عادى على البيت بأكمله فى تلك الليلة لغير ما سبب.

جلست بكل حواسى أستمع إلى العود فى نشوة وسكنية وخشوع. لم أدر أن الدموع تنساب فى غزارة على وجهى إلا حين توقف العزف.

وجدت نفسى مساقا بقوة مجهولة أطرق بابه فى رجاء أصيل. فتح الباب وبدا أنه لم يفاجأ بزيارتى. قال بابتسامته المعهودة: 

-         أمازلت مصرا؟

-         بل إنى أتوسل إليك.

-         أدخل

قبل أن أجلس أمرنى بالوضوء فتوضأت ثم سألنى.

-         هل صليت العشاء؟

-         نعم عقب الأذان مباشرة.

-         إذن فلتصل ركعتين شكرا لله على قبولى لك

شعرت لأول مرة بشيء من الاعتراض على هذا الغرور العارم، فمن يظن بنفسه هذا الطويل المبتسم الغامض؟! لكنى حين صليت فما كان شكرى لله على قبوله لى كما طلب، وإنما على نعمه التى لا تحصى.. لمحت العود موضوعا على أحد المقاعد فقلت له بحرارة:

-         إن عزفك مؤثر للغاية.. هل أنت موسيقى؟

-         قلت لك إننى أمارس شتى الحرف.

-         لكن الموسيقا فيما يبدو هى حرفتك الأساسية.

-         الموسيقا ليست حرفتى وانما هى دنياى التى غرقت فى لجتها حتى اليأس

تأملت كلماته بحرص حتى أفهم مرماه بينما كان يرقبنى فى فضول، ثم سألنى.

-         هل مازلت مصرا؟

-         بل لقد ازداد إصرارى.

-         سوف أرهقك.

-         سأتحمل.

-         ولا تسألنى عن خصوصياتى مرة أخرى.

كلما ازداد استبداده بى وجدت نفسى أزداد خضوعا لسحره وسطوته. نسيت فضولى الطاغى لمعرفة سره وتنازلت عنه فى لحظة دون أن أعرف لذلك سبباً.

-         لن أسالك وسأكون طوع أمرك.

-         فلتبدأ بحفظ القرآن.

-         كله؟!

-         كله

-         قد يستغرق هذا سنين عديده.

-         ثم عليك بتعلم العزف.

-         لكنى أفتقد الموهبة

-         لو لم تكن موهوبا لما أتيتنى دامعا.

-         لو تفرغت لحفظ القرآن وتعلم الموسيقا فلن أجد وقتا لممارسة مهنتى التى أرتزق منها.

-         أحترس فى انتقاء كلماتك فلا أحد يرتزق من مهنته.

خشيت الاستمرار فى المجادلة حتى لا يحرمنى من مجالسته لكنى لم أستطع أن أمنع نفسى عن رجائه.

-         سؤال أخير لا أستطيع كتمانه.

-         اسأله.

-         ما الحكمة من وراء ما تطلبه منى؟

-         لن تستوعبها الآن.

-         لماذا؟

-         الطريق طويل رغم قصره والزاد قليل رغم وفرته.

-         أغثنى بها من فضلك وكرمك.

تفرس فى وجهى طويلا ثم قال بثقة شديدة:

-         الجميع يرحلون.. والقصة مكررة.

..ثم دعانى إلى مشاركته الطعام والشراب.

خ . ج

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home