مقال

 

الفنّ العربي ؛ من ، إلى ..

اسامه طلفاح



المطلع على تأريخ الفنّ العربي الحديث (خصوصاً الأغنية العربية)  يجد مفارقات عدة و تناقضات كثيرة  ترتبط ارتباط وثيق بمجريات ما نعيش ، من كل الجوانب  سياسيةً كانت أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية و غيرها .

بشكل عام لو أردنا سؤال أي شخص من كبار السّن و من أولئك الذين شهدوا فترات النكبة و النكسة و الحروب و الفقر المدقع و غيرها من الأمور ، لو بادرنا بسؤالهم عن تعريف الزمن الجميل ،  لأجاب بلا تردد ، يوم من تلك الأيام بكلّ ما فيه أجمل و أفضل من كلّ أيامكم هذه .

يتبادر إلى الذهن فواصل كثيرة و نقاط تعجب عديدة ، زمانهم ذاك كان رغيف الخبر صعب المنال ، حتى أن مكوناته تخلو من القمح  ، عاشوا بدون إضاءات تلمع ، بدون كهرباء ، بدون بيوت مشيّدة ، بدون إنترنت و تقنيات حديثة علميةً كانت أو عملية ، بدون سيارات ، لم يكن لديهم أي معنى من معاني الترفيه  ، بل كانت حياتهم كلها عناء ومشقّة مع ما يعيشونه من فقر ، معاناة ، كلّ هذا و يوم من أيامهم أفضل من كلّ أيامنا التي نعيش؟

الزمن الجميل الذي يتحدث عنه الكثيرون لم يتجسد يوماً بسيارة أو بيوت مشيدة أو إنترنت أو أقمار صناعية و أجهزة خلوية ، لم يكن مفهوم الراحة و الرفاهية و الترفيه كما نظنه نحن الآن ، على العكس مما نتصور ، و بالرغم من كلّ ما كان الواحد منهم يعانيه من فقر و صعوبة في العيش إلا أن أيامهم كما يقول الكثير " أبرك من هذه الأيام" فكلها بركة و خير و محبة.

أخذ الفنّ مجراه في هذا الإطار أيضاً من التغيّر ، فكلامهم لم يخلوا يوماً من نبرة حزن ، يتحدث عن حياته ، آهاته و ذكرياته ، يقرنها بكل الأحداث التي حدثت لهذه الأمة من محيطها إلى خليجها و ما يلبث إلا أن يردد  كلمات من أغنية لأم كلثوم أو عبد الحليم حافظ و تارةً لفيروز  ، يلخص فيها كلّ أيامه و ساعاته ، احزانه و آهاته ، آلامه و أماله ، يجسد فيها  يوم أي عربي كان يعيش في زمن جميل ، جرّد الآن  من معانٍ كثيرة ، بل بات مليئاً بالإسقاطات التي ليس لها مثيل .

لو أردنا مقارنة الفنّ العربي و سرد تأريخه و إنجازاته إن صحّ التعبير في فترتين ، فترة ما عاشه أباءنا و أجدادنا (الزمن الجميل) و الفنّ في زماننا هذا ، لوجدنا أن عبد الحليم حافظ مثلاً كان جندياً من جنود الثورة حتى النصر و إن لم يتحقق ذلك النصر ، و كانت أم كلثوم فدائية عربية ذات طابع مميز ، جعلت من صوتها رصاصاً يخترق جسد الأعداء ، لو عدنا لوجدنا أن فيروز حصنٌ يطوّق مدينة القدس ، و أن سيّد مكاوي أنطق الأرض بلغة الضاد و جعل كلماته هواء عليل يتنفسه كلّ عربي.

كان الفنّ قديماً يتحدث عن واقع ، يعالج مشكلة أو يطرح قضية معينة ، كان الفنّ قديماً  يلازم الجندي في معركته أين ما ذهب ، كان يحكي واقع ما عاشته الأمة بكلمات جميلة ، عذبة ، مؤلمة و حالمة.

في زماننا هذا جُرّد الفنّ من كل معانيه مثل كثير ٍ من المعاني التي تربينا عليها صغاراً إذ و هي الآن على خلاف ما تعلمنا ،  و انقلبت الموازين رأساً على عقب فبات الفّن الآن سلاحاً بيد الأعداء في الوقت الذي كان الفنّ قديماً سلاحاً ضدهم ، فما عاد عبد الحليم حافظ  جندياً من جنود الثورة أو ابناً للثورة مثلاً بل أصبح "س" في هذه الأيام يرقص على أوتار دماء كلّ عربي أو مسلم ، و ما عادت أم كلثوم فدائية عربية بل أصبحت "ص"  من "بنات الليل" لكشف الغمّة عن أبناء هذه الأمة!!  و ما عادت فيروز حصن ٌ يطوق القدس و ما عاد صوت سيّد مكاوي يدوّي قائلاً " الأرض بتتكلم عربي" .

رسالة من عبد الحليم و أم كلثوم و فيروز و سيّد مكّاوي إلى: س ، ص ، ع و هـ  .. 

حلّوا عنّا !!!




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home