مقال

 

قيمة السكوت ... من ذهب ؟!

زين العابدين الأنصاري



قيمة السكوت ............ من ذهب ؟!

 

 زين العابدين الأنصاري

السكوت ليس من ذهب ، بل هو من اسوأ انواع المعادن ، وذهب السكوت المزعوم هو الرشوة التي اعطيت لمن قبلنا وتعطى لنا لنصوم ونمسك عن الكلام. قائل هذا القول او المثل السائر هو اول شاهد زور في التاريخ.

 

فقد قبض الذهب مقابل سكوته ، اي ان سكوته كان معادلا للذهب ثم صار هذا السكوت مثلا شائعا واجب الاحتذاء لكل شهود الزور من بعده. اما تأويلاته العقلية اللاحقة والتي تدّعي جميعها الحكمة فهي لذر الرماد في العيون وديمومة المكر  والخديعة ؟!

 

 فهل اسكت لكي اتحاشى سلطة الاخر وغضبه ووجوه اتباعه التي تطوق المداخل والمخارج ؟ وهل اسكت من اجل تمرير وجودي في الحياة ؟ وهل انا مرتهن به الى درجة تستلب خياراتي ولماذا تضيق مساحة الوجود الى هذا الحد ، وهل انا طرف في ترسيخ هذا التضييق ؟ ولماذا اغض الطرف واغمض عيني عن الرؤوس المتدحرجة ومستنقعات الدم التي تحيط بي ؟ أوليس الساكت عن الحق شيطان اخرس..

 

 

ان ثنائية السكوت والكلام لا تحل معادلة الوجود المتغيرة الاطراف دائما ؟! واذا كانت الحياة عندنا فرصة يحكمها منطق الاهواء! فلماذا ذهب السكوت هو المعيار امام فضة الكلام؟ ولماذا غرسوا في اذهاننا ان كلامنا هو الاقل قيمة دائما وان السكوت افضل منه ؟

 

 هل لاننا ادمنا الثرثرة ام ان كلامنا عاطل عن العقل والاتيان ؟

 

 والى متى يبقى هذا السكوت عبدا ذليلا خانعا للخوف احيانا ولبريق الذهب وسحر لمعانه في معظم الاحيان؟

السكوت ليس في تجنب الكلام فقط وانما تبرير لفداحة القول الذي يخرقه ..

 

 انت ساكت اذن انت بمنأى عن العقوبة ، تلك هي وصيتهم .

 

 انت اذن رقم ميت في سجلات القول وسيان وجودك او عدمه.

 

وهكذا تمتد عدوى السكوت لتتضخم مقبرة ارقام الساكتين من حولنا وهذا يقودنا الى سؤال مفاده : ما الفرق بين مقابر البشر المتحركة وبين مقابره الساكنة اذا كان السكوت هو الدالة التي تميز كليهما ؟

 

 

 السكوت هو المؤازرة في اقصى جوانبه تطرفا ، استبدال اللغة بالايماءات واشارات القبول المطلق وتعليق راية الاستسلام الى الابد.

 

 ان تعادل اللغة بالذهب يعني ان تقودها الى منطق التجارة والبورصة والمضاربات ، ان تحيّدها وفقا لاشتراطات السوق واسهم التداول، ان تجعل منها مسرحا للعبة.

 

لم يكن الذهب الا العلامة المتحققة للثراء الذي يؤدي الى الاشباع الجسدي ولجم جوع الحواس المتطرفة فهو مظهر خارجي من مظاهر الجسد الا ان السياسة جعلت منه مظهرا من مظاهر العقل والروح ايضا !!

 

 

 فكل ما تراه وتعيشه يستحق السكوت فبالسكوت وحده تبلغ الحكمة التي يرضى عنها الاسياد !

 

 فبمقدار سكوتك تحوز الذهب سواء الذهب كمعدن او ذهب الوجود ، اي البقاء حيا على سطح الارض وفرصتك الذهبية في ان تتنفس!

 

 اصبح الذهب وفق هذا المنطق مرادفا للحياة ، فلانسان متطلباته وللذهب بريقه وفي النقطة الفاصلة بين عواء المتطلبات وغواية البريق تصنف العقول وتحدد الاتجاهات وترسم حدود المصائر المغلقة .

 

ثمة معادلة من طراز اخر وهي ان يكون الكلام من ذهب لا السكوت ، هنا ذهب الكلام يختلف عن ذهب السكوت لانه من معدن الحكمة النادر ، فمثلما الذهب نادر في الطبيعة كذلك تلك الحكمة! فالذي شرع مقولة السكوت من ذهب هو وحده الذي كلامه من ذهب ! وحتى يستقيم طرفا الحكمة : فسكوتنا الذي هو من ذهب  يرقى الى مرتبة وجوب الامتناع عن القول وكلامه الذهبي يرقى الى مرتبة وجوب الانصات والخشوع والطاعة والتأمل !

 

اصبح هذا القول –  ايام الطاغية  - مثل الطُعم المفروض الابتلاع ومثل مفردات الحصة التموينية ، فلكي تزدردها على مهل لابد ان تلتقط اسماعك وحواسك - من ابواقه التي لا تكف عن الزعيق - وانت في حالة من الذهول والشرود :

 يمحبوب الشعب يبو حجي الذهب مية هلا بيك .. وهلا بيك هلا وبجيتك هلا !!

 اما اليوم فقد تغيرت الاسماء وتبدلت المسميات فاولو الامر عندنا يتحدثون ذهبا ويبيضون ذهبا وافكارهم مناجم للذهب على امتداد التاريخ..

 

ونبقى نحن الفقراء ابناء المعادن الخسيسة او ابناء – الجينكو –  كما يسموننا ، ساكتين بلا ذهب ، ولا نمتلك حتى حق ان نحلم به ، ولكننا نتلبس الوهم في جميع الازمان ونتزيا بالدرر الذهبية المتناثرة من خطابات قادتنا السابقين واللاحقين!!

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home