دراسات هامة

 

في النحل والإنتحال والاستنحال

أحمد بلخيري



في النحل والإنتحال والإستنحال

                                      
أحمد بلخيري

  تختلف كلمات النحل و الإنتحال والإستنحال، سنتعرف على معنى هذا الأخير لاحقا، في التركيب الصوتي لكل منها وفي المعنى أيضا. وهي  جميعا منحدرة من جذر لغوي واحد. ذلك أن كلمة النحل، التي تخلو من حروف أو أصوات الزيادة، تحدد نسبة الشيء إلى من لايملكه أو لم يكن سببا في وضعه أوإنشائه أوكتابته من غير أن يكون المنسوب له سببا في هذه النسبة. وقد جاء في "لسان العرب":"نحله القول نحلا: نسبه إليه. ونحلته القول أنحله نحلا، بالفتح: إذا أضفت إليه قولا قاله غيره وأدعيته عليه"1. من خلال هذا التعريف يتضح أن هناك طرفين في عملية النحل هذه. الشخص الذي يقوم بعملية النحل والشخص المستفيد منها. ويشتق اسم فاعل من النحل بالنسبة للطرف الأول فيسمى الناحل. أما المستفيد فتسميته هي المنحول له. ولابد من موضوع منحول، حدده ابن منظور في القول فقط، كل قول أي بعموم اللفظ . غير أنه يمكن توسيع هذا الموضوع، بناء على معطيات معاصرة، ليشمل غير القول كاللوحة التشكيلية إذا نسبت لغير مبدعها، على سبيل المثال، أو اللحن الموسيقي. لاسيما وقد شاعت في عصرنا عملية القرصنة في المجال السمعي البصري.
 وتعتبر أصوات التاء في الإنتحال، والألف والسين والتاء في الإستنحال وحدات صوتية تمييزية بين هاتين الكلمتين  الأخيرتين؛ وبينهما معا من جهة، والنحل من جهة أخرى. ومعلوم أن كلمتي النحل والإنتحال موجودتان لغة في اللغة العربية، واصطلاحا بعدما صارتا مصطلحين نقديين متداولين ومعروفين في النقد الأدبي العربي منذ القديم؛ حيث يشير المصطلح الأول إلى ظاهرة أدبية محددة، تتعلق بنسبة شخص لأديب أو شاعر نصا أدبيا أو شعريا، أي قولا أدبيا، ليس هو مبدعه أو كاتبه. وقد أفاض طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي"2  في الكشف عن النحل الشعري الذي عرفته الثقافة العربية في العصر العباسي، حسب رأيه، لأسباب أسهب في شرحها أيضا.
    بينما يشير مصطلح الإنتحال إلى عملية يصير فيها الناحل والمنحول له واحدا، لذلك فعملية الإنتحال هنا ذاتية لسبب من الأسباب. لكن النحل و الإنتحال لايقتصران على الأدب وحده ومنه الشعر، ولكن كذلك بغير الأدب. هذه العبارة الأخيرة، أي غير الأدب، لاتغير من ماهية مفهوم النحل والإنتحال ولكن تؤدي إلى توسيع مشمولاتهما التي تتضمن القول الأدبي ( والقول الشعري جزء منه) وغير الأدبي، الفني وغير الفني. ومن هذه الجهة يشترك النحل والإنتحال.  
  إن صوت التاء في الإنتحال تجعل العملية ذاتية. ذلك أن فعل انتحل،  وصيغته الصرفية هي انفعل، يدل على من طاوعته نفسه على أن ينسب لنفسه ما لغيره. وعليه، فإن عملية الإنتحال فردية، يتطابق فيها الناحل والمنحول له فيصيران  واحدا. لذلك وجدت الكلمة التي تدل على هذا التطابق دون سواه، وهي الإنتحال. في هذا المعنى يختلف الإنتحال عن النحل، لأن هذا الأخير يتطلب طرفين وليس طرفا واحدا. بناء على ما سبق، يتضح أن النحل والإنتحال يتفقان في توسيع مشمولاتهما أي موضوعاتهما، ويختلفان في الفاعل والمستفيد. إن الفاعل في الإنتحال هو نفسه المستفيد. أما في النحل فهناك فاعل وهناك مستفيد وهما شخصان وليس شخصا واحدا كما في حالة الإنتحال.
  ولقد أدت عملية الإنتحال خصوصا، التي يطلق عليها أيضا لفظ القرصنة اليوم، إلى سن قوانين زجرية حماية للملكية الفنية والفكرية وصيانة للإبداع والإجتهاد من عبث العابثين. و يعاقب القانون المنتحل إذا عرضت عليه قضية من هذا النوع. فقد أدانت، على سبيل المثال، " محكمة مصرية أستاذ فلسفة هو الدكتور علي عبد المعطي محمد، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب بالأسكندرية، وعميد كلية آداب بيروت سابقا، ومقرر لجنة ترقية أساتذة الفلسفة على مستوى جامعات مصر، بالسرقة العلمية. لقد أقدم الدكتور علي عبد المعطي محمود، على سرقة رسالة ماجستير الدكتور علي حنفي محمود، التي نشرها تحت عنوان "تيارات فلسفية حديثة ومعاصرة". كما سرق أيضا كتاب أفوك اكليرك "هوايتهد فلسفته وميتافيزيقاه".
  وكان صحافي هو علاء عريبي قد نشر مقالات فاضحة لسرقات علي عبد المعطي محمد في جريدة "الوفد". وقد وصلت القضية إلى المحاكم. وقبل أن تصل إليها،  أحال وزير التعليم العالي بمصر القضية على جامعة الأسكندرية للتحقق من التهمة. لكن الطريف في الأمر، هو أن زملاء الدكتور علي عبد المعطي محمد شكلوا لجنة، وقرأوا "بروح علمية" ! الوثائق، وعقدوا مقارنات بين النصوص، فتوصلت هذه اللجنة "إلى تبرئة الدكتور علي عبد المعطي، وأكدت في تقريرها أن مؤلفاته علمية وأنه حصل بها على درجات علمية وجوائز على مستوى الجمهورية".
  بناء على رأي "اللجنة العلمية"، طالب وزير التعليم العالي المصري الصحفي بالابتعاد عن الموضوع. لكن يقين هذا الأخير، دفعه إلى مواصلة الفضح، دون اعتبار لرأي "اللجنة العلمية". هنا لجأ الدكتور علي عبد المعطي محمد إلى العدالة مسلحا برأي هذه الأخيرة، ومكانته الإعتبارية والإدارية، وجوائزه ووو... لكن القضاء المصري، المعروف بنزاهته، أكد، خلافا "للجنة العلمية"، السرقة، وألزم السارق بأداء مصروفات القضاء والمحاماة.
  وقد تولى الدكتور علي عبد المعطي محمد العديد من المناصب الجامعية، وأشرف على المئات من الرسائل الجامعية. وهو إلى الآن عضو في لجنة ترقية أعضاء هيئة التدريس على مستوى مصر، ومستشار في مكتبة الأسكندرية"3.
   وقد اهتم  بظاهرة الإنتحال النقد الأدبي العربي قديما وحديثا وكذلك البحث العلمي والصحافة و الإنترنيت في وقتنا الراهن. وسأقدم نموذجا واحدا على الأقل يبرز اهتمام كل مجال من المجالات الأربعة الأخيرة المذكورة بهذه الظاهرة. وقبل ذلك تستحسن الإشارة إلى أن علي بن عبد العزيز الجرجاني كان قد عقد فصلا في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه"4 يتعلق بالإنتحال. و عنوانه هو "السرقات الشعرية". وهو كتاب مؤلف في العصر العباسي. كما تحدث ابن رشيق في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده"5 في "باب السرقات وما شاكلها" عن السرقات الشعرية. وهو، حسب قوله، "باب متسع جدا، لايقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لاتخفى على الجاهل المغفل"6 . أشار في هذا الباب إلى إقدام الحاتمي في "حلية المحاضرة" على وضع مصطلحات، وبتعبيره ألقاب محدثة، ترتبط بالموضوع. و قدم في كتابه أمثلة من الشعر العربي لكل لقب أو مصطلح كالإغارة وهو "أن بصنع الشاعر بيتا ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرا وأبعد صوتا، فيروى له دون قائله"7. وكل مصطلح في كتابه يتناسب مع وضعية نصية محددة. فالنسخ مثلا ليس هو الإختلاس. ذلك أنه إذا "كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الإهتدام، ويسمى أيضا النسخ"8، أما الإختلاس فهو أن يعمد الشاعر المختلس إلى تحويل "المعنى من نسيب إلى مديح"9 .
    من دلائل اهتمام النقد الأدبي العربي القديم بالإنتحال الكتابان المذكوران آنفا. أما اهتمام النقد الأدبي العربي الحديث بالإنتحال المرتبط بالأدب العربي الحديث وليس القديم فيتجلى مثلا في اتهام محمد مندور إحسان عبد القدوس بكون هذا الأخير أخذ فكرة "قصته "دعني لولدي" عن قصة "السر المحرق" للكاتب العالمي استيفان زفايج وهي القصة التي علمت أخيرا أن الأستاذ فؤاد كامل قد سبق أن ترجمها في كتيب منفصل إلى اللغة العربية ونشرته دار "لاباتريه""10 . وقد رد إحسان عبد القدوس على محمد مندور، حسبما هو موجود في كتاب "معارك أدبية" نافيا الإتهام. لكن محمد مندور رد على رد عبد القدوس مؤكدا اتهامه ومبينا أن الأمر لايتعلق بانتحال تام ولكن باستيحاء "موضوع قصته من زفايج"11 ، و"استيحاء الإطار العام للقصة"12 ، ومعالجة إحسان عبد القدوس "الموضوع بأسلوبه القصصي الخاص وهو أسلوب من المعروف أنه يوغل في المشكلات الجنسية"13 . وقد توصل مندور إلى هذا الحكم بعد مقارنة بين القصتين.
  أما اهتمام البحث العلمي اليوم بالإنتحال فيتجلى مثلا في كشف الدكتور فاروق موسى عن انتحال (الدكتور) العربي حسن درويش، الذي أصدر كتابا هو "الإتجاه التعبيري في روايات نجيب محفوظ" (مكتبة النهضة المصرية. 1989). ذلك أن العربي حسن درويش نقل حرفيا ونسب إلى نفسه صفحات، حسب فاروق موسى، من كتاب "اتجاهات الرواية المصرية 1967- 1978" للدكتور شفيع السيد. نقل من صفحة 73 إلى صفحة 176، أي إلى نهاية الكتاب. ولتضليل القارئ لجأ المنتحل، وفق ما ذكر فاروق موسى، إلى الإشارة إلى الكتاب الذي نقل منه حرفيا فجعله من مصادره مع ذكر صاحبه، باعتبار هذا الكتاب الأخير مخطوطة في مكتبة دار العلوم- جامعة القاهرة. وكان الكتاب المسروق قد صدر قبل سنتين.
  ختم فاروق موسى مقالته بالإشارة إلى كثرة الإنتحال في الثقافة العربية اليوم. فقد قال هذا الأخير في خاتمتها: "وبعد فلدي نماذج كثيرة انتحلها بعض "أدبائنا" حرفيا ، ومنه ما نشره الأستاذ محمود أبو رجب في (الأخبار)، وهناك نماذج أخرى بتحريف هنا وهناك لطمس معالمها، ولا أعني البحوث الأكاديمية فقط، وإنما نصوص حسب سارقوها أن أعين كل القراء غافلة"14 .
 من هذا الإنتحال في مجال البحث العلمي أيضا ما كشفت عنه في كتابي "الوجه والقناع في المسرح"15.  في هذا الكتاب توجد الأدلة النصية القاطعة وكذلك اسم المنتحل المغربي. فقد اتكأ هذا الأخير على كتاب " Le masque du rite au théâtre"16، ثم شرع يترجم منه وينسب إلى نفسه. والملاحظ هو أن المنتحلين يلجأون أحيانا إلى محاولة طمس هذا الإنتحال كما ذكر فاروق موسى، وكما بينت في الكتاب الأخير المشار إليه.
   بدورها تكشف الصحافة أيضا عن هذا الإنتحال. من ذلك كشف حسن الوزاني عن السرقة التي تعرضت لها قصيدته الشعرية، حسب قوله، من قبل شاعرة فلسطينية تدعى منيرة مصباح17 . وهي، حسب حسن الوزاني، تدرس اللغة العربية بجامعة شيكاغو الأمريكية.عنوان قصيدة الشاعرة هو: "غيمة بلاوطن"، وعنوان قصيدة الشاعر حسن الوزاني هو"على مشارف الحياة". نشرت هذه الأخيرة في مجموعة شعرية سنة 1997. وقد قال الوزاني في مقالته تلك:"أشفق دائما على الكتاب الذين يتورطون في عمليات سرقات أدبية، لأن اكتشافها يمحو حتى الأشياء الجميلة التي يكونون قد أبدعوها، ثم لأن التهمة تظل خلفهم حتى لو كتبوا أجمل الأشياء"18.
  أما في الإنترنيت فهناك موقع قدمه الساهرون عليه بكونه "أول موقع عربي يرصد السرقات الفكرية"19 . في هذا الموقع هناك إثباتات نصية تخص الظاهرة المقصودة أي الإنتحال، الذي تورطت فيه أسماء عديدة ذكرها الموقع مع صور للمنتحلين وضحايا الإنتحال.
     إن المستفيد في حالة النحل، وليس الإنتحال، له صورتان. الصورة الأولى هي التي تستفاد من عملية النحل التي قام بها الناحل غير المستفيد أو غير المنسوب له لفائدة هذا الأخير. لكن المنسوب له لايعلم ذلك لسبب من الأسباب، مثل كون المستفيد أو المنسوب له مات قبل حدوث النحل أو لم يطلع على النص المنحول،أو كون طرفي النحل غير متعاصرين. في هذه الحالة، يسمى المستفيد أو المنسوب له المنحول له. وهذا التعبير الأخير لايحمله أية مسؤولية في عملية النحل.    
  أما الصورة الثانية،  فهي حينما يعلم المستفيد أو المنسوب له أن غيره نسب إليه ما ليس له، لكنه سكت وظهر منه ما يستحسن هذا النحل. لهذه الصورة الثانية وضعت كلمة الإستنحال، التي أقترحها باعتبارها مصطلحا جديدا لتحديد ظاهرة نصية ترتبط بمعطيات وأدلة نصية معاصرة. والمصطلح عموما لايسبق الظاهرة النصية التي يرتبط بها أو يشير إليها ولكن يعقبها. فهو شارح ومفسر لها، ولذلك يأتي دائما بعدها لاقبلها. ولما ظهرت هذه الحالة النصية فإن الضرورة اقتضت تحديد وتأصيل واشتقاق هذا المصطلح حتى يتم التمييز والفصل بين المنحول له والمستنحل. إن المستنحل (بكسرالحاء) استفاد من عملية النحل التي قام بها غيره لفائدته. وهو لايجهل ذلك، بل يعلمه. لكنه سكت، وربما استحسن هذه العملية بطريقة ما. وقد يكون من دلائل هذه الإستحسان السكوت نفسه مع العلم بالموضوع. والباحث في مجال العلم-أي علم- لايجب أن يسكت عن فعل من هذا النوع إذا علمه؛ وإلا عد، في هذه الحالة، شريكا للناحل في عملية الإستنحال. إن مشاركته قد تكون بسبب هذا السكوت بالذات. ولذلك تعتبر مشاركة المستنحل هنا مشاركة ضمنية، فما بالك إذا استحسنه. أما من نسب إليه نص ما من لدن غيره ولاعلم له به، لسبب من الأسباب كالموت مثلا أو عدم الإطلاع وعدم المعرفة، فلايطلق عليه مستنحل، وإنما المنحول له فقط. إن وضعية المنحول له في هذه الحالة تتطابق مع وضعية المنحول له في حالة النحل.
   يتفق إذن مصطلحا المستنحل والمنحول له في الإستفادة. ولكنهما يختلفان في المشاركة الضمنية أو عدمها في عملية الإستنحال وليس الإنتحال. إن المنحول له، في هذه الحالة، بريء من المشاركة الضمنية؛ أما المستنحل فليس كذلك، ومشاركته ليست نصية ولكن ضمنية. ذلك أن المعرفة والإطلاع و السكوت وعدم التصحيح أو التنبيه، التصحيح أو التنبيه المدونان والموثقان، و ربما الإستحسان، قرائن تدل على المشاركة الضمنية لهذا الأخير. إن البحث الذي يوصف بكونه علميا يجب لزوما أن يقف صاحبه ضد الإنتحال والنحل والإستنحال. كما بجب عليه لزوما أيضا أن يكشف عن ذلك، خدمة للعلم والحقيقة، حتى ولو كان هو المستفيد عن طريق غيره لسبب من الأسباب.
  هذا من الناحية النصية و الإصطلاحية. أما من منظوري لغوي، فإن أصوات أو حروف الزيادة، الألف والسين والتاء، حين تكون زائدة في الفعل الثلاثي، وهو هنا فعل "نحل"، فإن من معانيها "التحول من حال إلى حال"20. والتحول اصطلاحا يدل هنا على التحول من مترجم إلى "مؤلف"، وهي الحالة النصية الثابتة الموجودة حاليا، أو من حال غير منشئ النص إلى منشئه أي مؤلفه. ومنطلق هذا التحول في حال الإنتحال الذات، ومنطلقه في حال الإستنحال الغير. وعلى هذا الأساس، فقد تم الإنتقال من التحديد النصي الموجود والموثق في كتابي "نحو تحليل دراماتورجي"21 إلى التقعيد المفهومي والإصطلاحي هنا.
 يرتبط مفهوم الإنتحال بفعل انتحل، وفاعله يسمى منتحلا. بينما يرتبط مفهوم الإستنحال بفعل استنحل. ويمكن هنا أيضا اشتقاق اسم فاعل هو: مستنحل (برفع الميم وكسر الحاء)، واسم مفعول وهو: مستنحل. وعليه، فقد تم توليد واشتقاق أربع صيغ، هي الفعل: استنحل، والمصدر: استنحال،واسم الفاعل: مستنحل، واسم المفعول: مستنحل (بفتح الحاء)، وهو يتعلق بالنص موضوع الإستنحال. وهي صيغ لاوجود لها في "لسان العرب". وفي مثل هذا التوليد والإشتقاق يكمن ثراء اللغة العربية.
والجدير بالإشارة هو أنه لما اقتضت الضرورة في النقد الفرنسي التمييز بين الكتبة Les écrivants والكتاب Les écrivains ، حين وجدت عناصر نصية تميز بينهما، ظهر مفهوم الكتبة للتفريق بين الكتاب وأدعياء الكتابة. ذلك أن المفهومين يفرقان بين هؤلاء وأولئك. والمفهومان معا أي الكتبة والكتاب، في هذه الحالة، لايتعلقان بالنحل والإنتحال والإستنحال، وإنما بتوفر أو عدم توفر ملكة  وموهبة الكتابة. أما هذه المفاهيم الثلاثة الأخيرة، فلاتتعلق بالموهبة والملكة ولكن بنسبة الكتابة وليس بالكتابة ذاتها.
  أشرت سابقا إلى أن الإستنحال غير موجود في "لسان العرب". ولما رجعت إلى بعض المعاجم اللغوية الفرنسية لم أجد فيها أيضا ما يدل عليه، وفق ما تم بيانه هنا. ففي " Le Petit Robert "22المنتحل Plagiaire Le هو الشخص الذي ينهب وينسخ ويقلد ويستوحي إبداعات الآخرين. والانتحال  Plagiat هو فعل الإنتحال. وانتحل Plagier نقل ونسخ وقلد. أشار المعجم المذكور إلى اسم الفاعل والمصدر والفعل. ولم يخرج المعجم الموسوعي عن هذا المعنى23 وإن لم يذكر الفعل . وهناك كلمة فرنسية أخرى تفيد أيضا الإنتحال وهي Translation.
  في هذين المعجمين الفرنسيين لايوجد ما يفيد معنى الإستنحال، بل يوجد فيهما فقط مايفيد الإنتحال الذي يتضمن في ذاته معنى النحل. أما الإستنحال فربما لم تعرفه الثقافة الغربية، لذلك لم يوجد ما يدل عليه في المعجمين الفرنسيين المذكورين. وقد يعود الفضل في ذلك إلى أن البحث العلمي فيها قائم على أسس متينة منها الحرية والعقلانية وتقديم العلم والحقيقة النصية على الأشخاص، وعدم شخصنة البحث العلمي. وهذه كلها تتنافى وتتعارض مع تفكير الزاوية. وهو تفكير قد يؤدي إلى النحل والإستنحال، أي نحل المريد نصا من النصوص لشيخه. وإذا صح هذا، فإن الإستنحال مرتبط بالتقليد وليس بالحداثة. و قد يكون، من الناحية النظرية، هذا النحل والإستنحال خارج تفكير الزاوية لسبب من الأسباب.
  أشرت سابقا إلى حكم قضائي صادر بمصر يتعلق بالإنتحال. وهو حكم يفيد الإدانة، إدانة الشخص المنتحل وإدانة الإنتحال. لكن حكم البحث العلمي و التاريخ هو الأقسى. ولقد أحسن القول حسن الوزاني حين قال عن المنتحلين : إن" التهمة تظل خلفهم حتى لو كتبوا أجمل الأشياء"24. فما هو حكم البحث العلمي والتاريخ على الإستنحال؟. أما حكمهما على الإنتحال فقد بات واضحا ومعروفا منذ زمان.

 

-1  ابن منظور. لسان العرب. المجلد 11. دار صادر. ص 651.
2  - طه حسين. في الأدب الجاهلي. دار المعارف. مصر. ط/10.
3  - جريدة "الشرق الأوسط". الجمعة 9 أبريل 2004 . العدد 9264.
4 - علي بن عبد العزيز الجرجاني. الوساطة بين المتنبي وخصومه. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.  تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي.
5 - ابن رشيق. العمدة. في محاسن الشعر وآدابه ونقده. دار الرشاد الحديثة. الدار البيضاء. المغرب.
6 - نفسه ص/280.
7  - نفسه ص/284.
8 - نفسه ص/282.
9 - نفسه ص/282.
10  - محمد مندور. معارك أدبية. دار نهضة مصر للطباعة والنشر. الفجالة. القاهرة. مصر. ص/49.
11  - نفسه .ص/50.
12 - نفسه. ص/50.
13  - نفسه. ص/50.
14 - فاروق موسى. سرقات في الأدب. الموقع الإلكتروني "ديوان العرب".    www.diwanalarab.com
15  - أحمد بلخيري. الوجه والقناع في المسرح. البوكيلي للطباعة. القنيطرة. المغرب. 2003. إعداد وترجمة.
16 - Le masque du rite au théâtre. CNRS. Editions Paris. 1985. 1991. 1999. Réunis et présentés par Odette Aslan et Denis Bablet.
17 - حسن الوزاني. جريدة "الإتحاد الإشتراكي". الجمعة 24/6/2005. العدد 7971.
18  - نفسه.
19  -  عنوان هذا الموقع هو: www.bader59.com
20  شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. 3- 4. دار الفكر. ط/16. 1979. ص 264. من معانيها كذلك حسب ابن منظور:" الدلالة على الطلب، نحو: استغفرت الله، والدلالة على المصادفة، نحو: استكرمته واستسمنته، أو لاختصار حكاية المركب، نحو: استرجع، إذ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو لغير ذلك من المعاني".  من هاته المعاني التي يمكن أن تضاف إلى حروف الزيادة الألف والسين و التاء حين دخولها على الفعل الثلاثي، وهو هنا "نحل"، التمييز بين المنحول له الذي لايعلم بما نسب إليه والمستنحل الذي يعلم بما نسب إليه ولم يصحح الأمر أو لم ينبه إليه. كل ذلك وفق ما تم بيانه من أجل التدقيق والضبط المفهومي.
21 . أحمد بلخيري. نحو تحليل دراماتورجي. مطبعة رانو. الدار البيضاء. المغرب. ط/1. 2004.
22 -Le Petit Robert. 1991. p 1442.
23 - Dictionnaire Encyclopédique : 1998.p1214.  

- 24  حسن الوزاني. جريدة "الإتحاد الإشتراكي". الجمعة 24/6/2005. العدد 7971.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home