دراسات هامة

 

كيفيات شغل الفضاء الخاص : جدلية الداخلي والخارجي

د. شهاب اليحياوي



كيفيات شغل الفضاء الخاص : جدلية الداخلي والخارجي
 
  د.شهاب اليحياوي : تونس   
 
 
   تستدعي مقاربة إشكالية العلاقة بين الفاعل المديني وفضائه تعقّل كيفيات تعاطي الذات الإجتماعية لفضائها الخاص الذي هو المنزل بإعتباره قناة تواصل ثقافية ومجتمعية أي تواصل مع الذات المستعملة ومع ذاكرتها وتصوّراتها وتمثّلاتها للفضاء الخاص من ناحية ومع المجتمع أي الفضاء الإجتماعي من ناحية أخرى . فواجهة الدار مثلا تشكّل مجالا لرسم صورة عن الفاعل ، معطاة للآخر ، لا تتماهى بالضرورة مع صورته لذاته كما تفهم وتؤوّل من الإستعمال الذي يقيمه للداخل .  تفضي هذه الفرضية إلى أخرى وهي أنّ تعاطي الفاعل للداخل / الخاص يخضع للتمثّل وللذاكرة { رمزية الفضاء } في حين يمظهر الظاهر منه ـ واجهة الدار ـ البعد القصدي والعقلاني في فعله ، أي إستراتيجية إندماجه في فضائه العام { عقلانية السلوك الفضائي } .  وقد إتّجهنا في مقاربة جدلية الرمزي والعقلاني في السلوك الفضائي للفاعلين الإجتماعيين متغيّرات الجنس والأصول الفضائية والمستوى المادي مثلما أقدمية التواجد في الفضاء ، في صلة تحليلية بتمثّلات الفاعلين لفضائهم الخاص .
        إذا أخذنا مثلا شرفة المنزل ذو الطابق العلوي أو شقّة بعمارة ، ينتهي بصر المارّة { الآخر/ الشريك في الفضاء } بأنهج وشوارع الأحياء القديمة أو الجديدة من منطقة الحفصية بحاجز بصري من قماش أو حصير أو بلاستيك أو الخشب المشبّك في أوجهها الثلاثة . وقد خلق ذلك مظهرا يتّصف بكونه خليطا لامتجانسا من الأشياء والمواد والألوان (1) . إنّنا أمام فعل في مظهر أو هيئة الفضاء الخارجي يتجاوز بعده المادي أو أسبابه المادية الظاهرة . يلاحظ هذا السلوك الفضائي ضمن أنماط مختلفة من السكن : أي الدور التقليدية أو الحديثة وداخل الأحياء التاريخية أي التقليدية أو الجديدة منها . وقد سجّلنا تزايد هذا السلوك أو هذه النزعة كلّما تدرّجنا نزولا في سلّم التراتب الإجتماعي : من الأكثر إلى الأضعف حظّا ماديّا ، في مقابل تراجع تواتر هذا السلوك كلّما إنتقلنا من الفضاء التقليدي إلى الفضاء الخليط { تجاور وتداخل التقليدي والحديث } إلى الفضاء الحديث . تتمثّل هذه النزهة في تحويل هذا الفضاء { الشرفة } المتخارج عن الداخل والمكشوف بدرجات مختلفة على الخارج إلى فضاء داخلي في وظيفيته لا ماديته ، أو هو ملحق بالداخل عبر صياغة حاجز إدراكي أو فاصل ماديّ يعزل شاغله ومستعمله عن مدى إدراك الآخر ، يحوّله من ظاهر إلى مخفيّ ومن معلوم إلى مجهول . يؤهّل هذا الفعل { فعل الإستعمال } الشرفة ماديّا لإحتواء مضمون وظيفي مسقط عليها ، يماثلها وظيفيّا مع داخل تقليدي موجود أو غائب في نمط السكن العمودي أو هو ملحق به في الفضاءات التقليدية ذات الوسط الفارغ { حوش أو وسطيّة } .
       تمارس ، في هذا الفضاء الضيّق ، المرأة وهي جالسة أو منحنية الجسد أعمالا تكميلية : غسل الثياب ونشرها أو الجلوس طلبا للراحة أو لتبادل الحديث مع البنت أو الجارة في قطيعة مع مدى إدراك الآخر الأليف أو الغريب . يمارس هذا الفعل ذو الأساس الثقافي المتّصل بالقيم والمثل الأخلاقية المصنّفة لحركة جسد المرأة إلى مباح ومنبوذ ، مسموح ومرفوض بالنظر إلى المكان أي الفضاء ، فعلا ماديا أوجماليّا لكنّه رمزيّا على الفضاء الحديث بالذات . فهو من ناحية يؤنّث غير المؤنّث في الأصل ، يعيّن غير المعيّن ، يخصّص
1ـ اليحياوي ( شهاب ) : دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع الفضاء المديني والتغيّر الإجتماعي : أطروحة دكتوراة 2001 ، كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس , ص : 212 .
غير المخصّص أو هو يعيد ترتيب الداخل والخارج من الفضاء  لاماديّا بل رمزيّا عبر فعل الإستعمال وتمظهراته الماديّة والجمالية على الفضاء الخاص . فالشرفة تظلّ في مكانها المتخارج ماديا ولا تتبدّل لكنّ الذي يتغيّر ويغيّرها من خارج إلى داخل هو الممارسة أي الإستعمال الذي يتغاير بين الجنسين ومنه يتّخذ مظهرين متغايرين . وقفنا ، عند تعمّدنا زيارة الأنهج التي لاحظنا فيها هذه الظاهرة في أوقات مختلفة من اليوم لمدّة طويلة ، على ظاهرة هامّة جدّا : مظهر متحرّك لا ثابت للفضاء . إنّنا أمام فضاء ثابت ماديّا لكنّه متغيّر . تتغاير هيئته أو مظهره بالنظر إلى متغيّر الزمن : هذا التغاير لا يستجيب لعوامل المناخ بقدر ما يستند إلى فعل الإستعمال والمستعمل بالنظر إلى الزمن . وتتخّذ الشرفة مظهرين مختلفين في زمنين متباعدين من اليوم . تنتقل من الإنفتاح { إزالة الحاجز المادي } إلى الإنغلاق { إعادته } ومن الظهور إلى التخفّي ، من المعلوم إلى المجهول ومن الإمتداد الأفقي إلى العمودي . حينما تنشغل المرأة بالداخل في أوّل النّهار تكون الشرفة منزوع حاجزها ومفتوحة نوافذها وحين تتّجه إلى أعمال تكميلية أو طلب الراحة في مكان مهوّى ومشمس { الإنتقال من الرطب إلى الجاف من الفضاء } . يكتسي هذا المكان مظهرا مغايرا وينتقل من الظاهر إلى المخفيّ ومن الإنفتاح إلى الإنغلاق.
          يصبغ هذا السلوك الذي يطوّع المكان والفراغ إلى قيمه ومعاييره ومثله أي ثقافة المستعمل ، المظهر الجمالي لواجهات الأبنية العمودية وذات الطوابق العلوية وبالتالي المظهر الجمالي للفضاء المديني اليومي . فلو أخذنا الأحياء الجديدة { ما بعد 1973 م } التي أريد لها أن تكون نموذجا موحّدا للسكن والمعمار والمورفولوجيّة ومظهرا جماليّا متجانسا على صعيدي التخطيط والإنجاز ، نجد أنّه يتّخذ بفعل الإستعمال مظهرا مغايرا . فالفئة الإجتماعية المحظوظة ماديا تنزع إلى مظهرة تميّزها ورتبتها الإجتماعية عبر واجهة المسكن ـ التي منها الشرفة ـ حينما يتّصل وجودها بالفضاء التقليدي أين تتعدّد وتتقابل دور تقليدية وأخرى حديثة ، قديمة وأخرى مرمّمة أو تتعدّد الأصول الفضائية والرتب الإجتماعية لشاغليها . 
                                                 
     لكنّ ما يلاحظ هو نزعتها في الغالب إلى المزج بين الأصالة والحداثة ، التقليدي الأصيل والجديد المستحدث ، على مستويي المواد والفنّ التزويقي للواجهات . أمّا إذا إتّصل وجودها بالبناءات الفردية أو الجماعية الجديدة ، فإنّ ما نلاحظه هو إتّجاهها الى إعادة إنتاج الموحّد والمشترك معماريا وجماليا أي الحفاظ على المظهر ذاته ، في سياق يعيد إنتاج تجانس ووحدة معمارية وجمالية . فكلّما تواجدت الفئة المحظوظة ماديا في فضاء تختلف معه تنزع إلى مظهرة إختلافها ورتبتها الإجتماعية على واجهة الدار ، في حين تتّجه إلى التماثل مع الآخر المجاور أو المقابل والمساوي لها إجتماعيا .
           تستحيل بهذا المعنى واجهة الفضاء الخاص ، عنوانا للمكانة الإقتصادية ـ الإجتماعية مثلما هي معطى لقراءة وتأويل إندماج شاغليه في فضائهم المديني { العام } . تستعيض الفئة الأقدم تواجدا بالمكان عن مظهرة تميّزها معماريّا أو جماليّا بالشرعية التاريخية لإنتمائها للمكان أو هي جزء من تاريخ هذا المكان . فهي لا تحتاج لأن تقول رمزيّا عبر الفضاء مكانتها الإجتماعية لأنّها ببساطة مرسومة في أذهان الناس . أمّا الأقلّ أقدمية في الفضاء المشترك والذين شغلوا دورا { معلميّة } أي دورا لبرجوازية المكان بالأمس والذين غابوا عن المكان ماديّا لكنّهم حاضرين في تاريخ المدينة المعلوم منه والمتداول ، الموثّق منه أو المروي ، فيعمدون الى بلورهذا الفضاء ليصبح خاصّا أو له مدلولا خاصّا   . هم لم يغيّروا المعمار ولا تاريخه بل أضافوا ما يحيل إليهم والى ذوقهم وتصوّراتهم والى صورتهم لدى الآخر التي يريدون رسمها فضائيّا أي دلاليّا . فحينما يضعف البعد الإجتماعي للإندماج الفضائي يقوى البعد الفضائي كجسر تواصلي ضمن فضاء المعاش اليومي . فالتستّر الفضائي عبر أي" فاصل مادي بين الخاص والعام  / الداخلي الخصوصي والمشترك ، هو فعل ثقافي رمزي . وهو فعل إفتعالي لكونه يفتعل المنتج لأنّه يغيّر القائم أو الحاصل في هيئة أو مظهر أو معمار الدار أو بعده الجمالي . فأن يمدّد الفاعل عموديا السور الأمامي للدار التي تسلّمها بإمتداد متوسّط للسور ، هو رفض لنوعية العلاقة المعطاة أو المملاة بين داخل وخارج متنافذين لصالح فكرة أنّ الداخل خاص وكلّ خاص مقدّس وكلّ مقدّس هو حرمة . هذه الحرمة للداخل هي ثقافة الشاغل التي تتعيّن ماديّا في هذا السلوك . فأن يتّجه الشاغل إلى خلق حاجز مادي / بصري للشرفة أو عبر تعلية سور الدار أو على الشبابيك المطلّة على الشارع هو سلوك ثقافي يحيل الى قيم ومعايير وتصوّرات وتمثّلات ولكنّه أيضا سلوك إجتماعي يحيل إلى أسلوب إندماج الذات الإجتماعية ضمن العام الذي هو الفضاء المديني ، يتداخل ضمنه الواعي باللاواعي .
         إنّ الفضاء المديني ، بهذا المعنى مسرح تزدوج وتتعدّد أدوار لاعبيه أو بعبارة أدقّ تزدوج أبعاد أدوار الفاعلين ضمنه(1) . فصورة الواجهة كمؤشّر على الصلة الدينامية والتبادلية بين الفضائي والإجتماعي وبين الداخل والخارج هي جدلية الذاتي والخاص والعام والمغاير . فأن نتغاير مع المغاير أو نتماثل مع المشابه أو نشابه المغاير ونتغاير مع المشابه عبر هذا السلوك الجمالي الممارس على واجهة الدار ومدلوله الرمزي ، هو أسلوب تواصل مع المشابه أو المغاير أو التكيّف مع الدائم أو الجديد . فالفضاء هو " صلة عينية بين وجودي والعالم الذي يحيط بي" (2)..     
                                                  - 1 - 
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 1 – Maffesoli ( M ) : La conquéte de present ; paris puf ; 1979 ; p 74 .
 2- Bouchrara Zanned ( T ) : symboliques corporelles et espaces musulmans ; cèrès prod ; 1984 ; p 11 .
 
 
 
    ثمّ إنّ الوحدات الفاعلة بعبارة ـ باتريس مانن ـ لا تتطوّر " داخل فراغ إجتماعي " (1) . فشلغل الفضاء هو لاعب ويحتكم سلوكه الى معايير ومنظومة قيم لا تتموضع ، في الفهم الفيبري ، خارج الفاعلين وفي معزل عن إختياراتهم (2) . فالفعل الإنساني لديه هو " بالأساس تعبير عن الوعي ومادة القيم ونتاج الدوافع " (3) . يقتضي فهمه " إدراكه ، في شكل ما ، من الداخل ، من الزاوية التي تحرّكه ، إذا فيما يجعله إنسانيّا على نحو ملائم " (4) وبالتالي عقلانيا . ويميّز بيكار ، ضمن سوسيولوجيا التأويل للفعل الإنساني ، بين شكلين من العقلانية : تتمثّل الأولى في عقلانية الوسائل أين يمكن إستخدام أو توظيف كل الوسائل أي أيّة وسيلة لتحقيق هدف أو غاية الفعل . أمّا الشكل الثاني  فيتعلّق بعقلانية الجزاء التي ينظر إليها على أنّها نموذج للتصرّف تشهد أو تدلّ على وجود مجتمع مقدّس أي وجود " شبكة من العلاقات ما بين شخصية أين تتمثّل الخاصيّة الرئيسيّة في تشجيع نفور أو لا قدرة من يشاركون فيها ، على قبول كلّ تجديد " (5) . والفعل الإنساني هو في الواقع نتاج ، قابل للملاحظة ، للدلالات الإجتماعية التي يسندها له الآخرين داخل المجتمع والتي يتمثّلها الفاعل ويتصرّف في فضائه ـ المعطى منه للآخر ـ بالنظر إليه وتجاهه . وهو ما يشرعن الصلة التي نوجدها دائما بين الفعل في الفضاء وتمثّل الذوات الإجتماعية ومواقفها من الآخر وبالتالي إستراتيجيات إندماجها وتواصلها مع الفضاء الذي تتواجد ضمنه وعبره في المكان والزمان .  
 
                                                     - 2 - 
 -------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 1- Mann ( P ) : L’action collective : Mobilisation et organisation des Minorités Actives ; éd Armond Colin ; 1991 ; p 29 .
 2- Aron ( R ) : Les etapes de la pensée sociologique ; éd gallimard ; 1967 ; p 523 .
 3- Bruyane ( P ) , Herman ( J ) , Schoutheeté ( M ) : Dynamique de la recherche en sciences sociales ; paris puf ; 1974 ; p 135 .
 4- dartigues ( A ) : Qu’est- ce que la phénoménologie ; toulouse prévat ; 1972 ; p 53 .
 5- Gurvitch ( G ) : La sociologie Au XXème siécle : ART : La sociologie Interprétative et la typologie constructive ; par : Haward beker ; paris puf ; 1947 ; T :1 ; p 83 . 
 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home