دراسات هامة

 

الجغرافيا الشخصية : مورفولوجيا حركة وانتشار الجسد في الفضاء

د.شهاب اليحياوي



الجغرافيا الشخصية : مورفولوجيا حركة وانتشار الجسد في الفضاء 
                        
  د.شهاب اليحياوي : تونس   
 
 
  
        مثّلت صورة الفضاء موضوعا لعلوم عدّة على غرار السيميوتيك وعلم النفس : نظرية بياجي بالأخصّ والتي تحيل المفاهيم التي تحملها الذوات الإجتماعية حول الفضاء الذي تشغله وتتحركّ ضمنه وداخله ، الى مرحلة الطفولة . فهي تتعلّم منذ الطفولة ويشكّل إطّراد الأفعال أساسا ينضاف إلى الإدراك البصري لتشكّل وتبلور صورة الفضاء لدى الذات الإجتماعية . ويترجم إطّراد الأفعال في مفهوم تجربة الذات بعبارة { كابال } (1) أو الممارسة الفضائيّة أو المعاش الفضائي  بعبارة لوفافر (2)  ومافيزولي (3) وشعاع إنتشاره على فضاء المدينة في الإتّجاهات الأربعة إنطلاقا من مركز أو محور هو الفضاء الخاص أو هو الزقاق أو النهج أو الشارع أو الحيّ . تستجيب هذه الدروب بعبارة { لينش } التي يسلكها المديني روتينيّا ، لجدول زمكاني غير إختياري في الجانب الذي يتّصل بالعمل أو الدراسة أو التزوّد أو التسوّق ، وموقفيّ فيما يتعلّق بنمط من الفضاءات والحارات والأنهج والأمكنة : كالمتخصّصة في الدعارة مثلا أو على العكس بالشعوذة أو بطقوس دينية منبوذة أو لا مرغوب فيها . يترتّب عن هذا الموقف من الفضاء سلوك فضائي ينزع الى تحاشي أو الإمتناع عن تعاطي وحدة أو وحدات من الفضاء المديني . يقتطع هذا السلوك من المورفولوجيا ومن الجغرافيا الفعلية للمدينة زوايا تغيّب من الجغرافيا الشخصية التي تستقلّ عن الواقع الذي تشكّلت ضمنه ومنه لتصبح متن الفاعلين في التواصل مع الفضاء المديني ومواقفهم منه .
        يتأسّس الموقف من الفضاء على صورة الذوات الإجتماعية الذهنية وجغرافياتهم الذاتية . وتتّصف جغرافيا الفضاء الذاتية بالثبات بما هي تجسيد أو إرتسام لجغرافيا حركة الجسد ، على إعتبار أنّ " صلة أيّ عضو بجماعة ومجتمع بالفضاء تعني صلته بجسده والعكس بالعكس " (4) . ذلك ما يصيغ مفارقة إضافية بين المدرك والمتصوّر من فضاء الجسد كحقل رمزيّ ، يتجسّد في عدم خضوع الجغرافيا الذهنية  للتغيّر الآلي تبعا للتغيّر الإجتماعي أو العمراني أو المعماري أو المديني أو المورفولوجي : كظهور أحياء جديدة وبعث فضاءات جماعية أو تشييد مجمّعات سكنيّة حديثة في زوايا أو أحياء هذه المدينة . على أنّ وقوع هذه التحوّلات خارج دائرة اليومي لدى فاعلين دون آخرين لا يستجيب كليّا الى متغيّر موقع الفاعلين من المعلومة ، بل أيضا الى خارطة حركة الجسد في الفضاء الممارس من المدينة . تجسّد خارطة حركة الجسد في الفضاء المديني خارطة إجتماعية ترسم حدود ومورفولوجيا العلاقات الإجتماعية للفاعلين ، التي تعطي لتنقّل وحركة الجسد عبر وضمن الأزقّة والأنهج والأحياء والفضاءات المقد<سة والمدنّسة اليومية والإحتفالية شكلا ما يبرّرها . فنتحدّث مثلا عن جغرافيا يومية لدى الجيل الثالث من بلدية الحفصية { فئة عمرية بين 15 و 24 سنة يزاولون تعليمهم داخل منطقة الحفصية } كجغرافيا ذاتية أو خارطة ذهنية تكشف عن حضور غالبيّ للمورفولوجيا اليومية لحركة الجسد إنتقالا بين المنزل الواقع في زقاق أو نهج والمدرسة أو المعهد من ناحية وبين المنزل وفضاءات التزوّد اليومي ( العطّار ، الحمّاص .... ) الواقعة داخل
                                                            - 1 -
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1-       Horacio ( c ) : L’image de la ville et le comportement spacial des citadins ; per ; L’espace gèographique ; N° 1 / 1975 ; jan – mars ; p 77 .
2-       Lefebvre ( H ) : Critique de la vie quotidienne ; ed l’arche èdiyeur ; paris 1961 ; pp 218 – 220 .
3-       Maffesoli ( M ) : La logique de la domination ; paris puf ; 1976 ; p 20 .
4-       Lefebvre ( H ) : La production de l’èspace ; ed Anthropos ; 1974 ; p 50 .
 
 
النهج ذاته لمكان الإقامة أو النهج المجاور أو الساحة التي يفضي إليها الزقاق أو النهج . إذا كان المحور الأوّل يفضي بهذه الفئة العمرية الى خارج الحومة بمعناها الضيّق المقتصر على زنقة أو مجموعة أزقّة محدودة متفرّعة من ذات النهج أو مفضية الى بعضها بفعل المورفولوجيا اللولبية للفضاء التاريخي للحفصية ، فإنّ المحور الثاني يحصر حركة الجسد في دائرة ضيّقة قد لا تتجاوز لدى البعض بضعة أمتار من النهج أو زنقة أو إثنين لدى شاغلي الأزقّة خاصة الضيّقة جدّا والحادّة أي التي ليس لها منفذ بل مدخل يشبه الفراغ الفاصل بين الغرف في عدد كبير من المنازل في الحيّ الأوروبي { العمارات } أو الأحياء التخومية الجديدة . فيكفي غلق مدخل الزقاق حتّى تتحوّل أبواب المنازل المتلاصقة والمتقابلة الى أبواب غرف لمنزل واحد .
        
        تكشف أجوبة هذه الفئة عن نمطين من مورفولوجيا حركة الجسد . تشكّل الدار ضمن النمط الأوّل نقطة تقاطع بين محورين : ينطلق الأوّل من المنزل إلى مكان الدراسة سواء الواقع داخل المدينة أو خارجها وينتهي إليه من جديد لينطلق المحور الثاني منه نحو الفضاء الإجتماعي اليومي الذي هو الزقاق أو الأزقّة المتفرّعة عن ذات النهج في شكل متجاور مفضي لبعضه البعض أو مقابل أو هو النهج ، يتحرّك ضمنه الجسد تحقيقا لحاجيات بيولوجية { شراء الغذاء ومستلزماته } و إجتماعية { التلاقي والإجتماع مع أولاد الحومة أو زملاء الدراسة } ، وهي ذات النتيجة التي إنتهى إليها التحليل السوسيومورفولوجي لبروكوب للجغرافيا الذاتية للمدينة . فالفضاء لديه ينتهي أين تقف التفاعلات الإجتماعية للأفراد والجماعات (1) . تمارس هذه التفاعلات تأثيرا في الخارطة الذهنية للمدينة من زاوية كونها تحدّد مسارها وإتّجاهها الى الأمام أو الخلف ، الى اليمين أو الى الشمال نقطة إرتكازها  على أنّ المحور الفضائي لحركة الجسد ومنها شكل الخارطة الذهنية هو اليومي . ويقصد بذلك المنزل أو الزقاق أو النهج . فالخارطة الذهنية لهذه الفئة رغم تعدّد أشكال رسومها الرياضية عند رسم دروب حركة وإنتقال الأفراد في وعبر فضاء الحفصية ، هي جغراقيا اليومي التي تنشأ عن فعل إطّراد تعاطي ذات الفضاء أو ذات الدروب . وهي كما إستنتجنا من سؤال هذه الفئة حول أسماء أ زقّة والأنهج المتفرّعة عن الدروب اليومية ، جغرافيا الخطوط الكبرى أو خارطة الوجه العام . فالإمتداد الفضائي لصورتهم الذهنية للحفصية كما تنعكس في ذاكرتهم الفضائية لا تتعدّى شعاع إنتشار حركتها ونشاطها اليومي .
         إنّ ما يشكّل صورة الذوات لفضائها هو الإستعمال وهو ما يثبت الفرضية الكبرى للبحث (2) التي تعتبر أنّ الفضاء المديني يتّخذ دلالاته الفعلية من الإستخدام الذي يقيمه شاغليه . فالمدرك من الفضاء المعاش الذي هو نتاج الممارسة الفضائية أي التعاطي المطّرد واليومي لكلّ جماعة إجتماعية ، يشكلن صورة المدينة لديها . فلكلّ جماعة إجماعية صورة ذهنية (3) أو خارطة ذهنية للجغرافيا اليومية لنشاطها الإجتماعي أي مورفولوجيا حركة وإنتشار الجسد في الفضاء : الخاص والعام ، المقدّس والمدنّس ، المباح والمحضور ، الروتيني والإحتفالي . لكن تظلّ هذه الصورة مفتوحة على المعلومة أي نصر الإخبار أو المعرفة اللا مباشرة بالفضاء . لا يشكّل في منظورنا هذا البعد عاملا محدّدا بل هو عامل ضمنه موقع الجماعة من مصادر المعلومة مدى إجرائيّة الصورة الشخصية أي مدى مطابقتها لواقع المدينة , على أنّ التموقع الفضائي للذوات الإجتماعية ضمن جغرافيا المدينة بالنظر إلى الفضاءات المستوعبة للتغيّرات المعمارية والعمرانية ، يلعب دورا لا يمكن للتحليل أن يغفل عن مقاربته في بلورة الجغرافيا الذاتية للمدينة للفاعلين في إتّجاه إستيعاب الجديد المديني وإنعكاس ذلك على علاقة الذوات الإجتماعية بالفضاء وموقعه منه .
                                                            - 2 -
------------------------------------------------------------------------------------------------------------

        1- Horacio ( C ) : Op CIT ; p 77 .
2-         هي الفرضية الكبرى للبحث المنتقى منه هذه المقالة التلخيصية، ضمن أطروحة دكتوراة في علم الإجتماع بعنوان : دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع  الفضاء المديني           والتغيّر الإجتماعي ، للدكتور شهاب اليحياوي ، صاحب المقال .                                                                                                                                            3 - Horacio ( C ) : Op CIT ;  77  
      
          يحتكم كلّ فاعل مأخوذ كفرد أو كجماعة على خارطة ذهنيّة (1) للمدينة أو الفضاء المديني الذي يحيا ضمنه ، لا تتطابق دائما مع الخارطة الفعليّة . وينسحب الواقع ذاته على مورفولوجية الفضاء . وتؤسّس كلّ خارطة ذهنيّة فردية أو جماعية لجغرافيا مغايرة في كلّ الحالات للجغرافيا الفعلية لمكان عيش الناس . نتحدّث إذا عن جغرافيا شخصية أو ذاتية هي صورة لمورفولوجية وجغرافية حركة وإنتشار الجسد في الفضاء  التي ترسم تمفصلات وحدود الفضاء الفعلي . حا لما تتشكّل صورة الفضاء الجغرافية تطرح نفسها على الفاعل كصورة حقيقية عن الفضاء المعاش تؤثّر على تصوّر وموقف الفاعل من فضائه . يستحيل ، من هذا المنطلق ، موقف الذوات الإجتماعية من المدينة التي يحيون ويتحرّكون ضمنها ، لا يشكّل غاية البحث في حدّ ذاته بل منطلق التحليل نحو تعقّل درجة إندماجها في محيطها المدينيّ . ثمّ إنّ أيّ موقف لا يحتمل تأويله دون تمثّل أو إستدعاء أكثر من ضروري لجغرافية الفضاء الذاتية للفاعل وحدة البحث . فكلّ فاعل يحتكم إلى وعلى تمثّل لما يحيط به لإطار فعله وحركة جسده وحقل تفاعلاته . ثمّ إنّ الفضاء هو " وسيط بين النشاط الذهني الذي يخلق والنشاط الإجتماعي الذي يحقّق " (2) . إنّ ما نسميه بالجغرافيا الموازية أي التي يستبطنها الفاعل وتؤثّر في صورته للفضاء وموقفه منه ، ليست نتاج موقعه من المعلومة حول المدينة أو هي نتاج معرفة إخبارية . هذه الجغرافيا الشخصية هي تحصيل للممارسة الفضائية اليومية للفاعلين والمعلومة حول الفضاء والذاكرة الفضائية الجماعية . على أنّ تشكّل الجغرافيا الشخصية للفضاء المديني على عكس الجغرافيا الفعلية غير نهائية تظلّ معطاة للتبلور والتبدّل الذي لا يسبقه بالضرورة ودائما تبلور الفضاء المدرك . على أنّ التغيّر المساحي والمورفولوجي للفضاء اليومي هو المعطى الذي يشكّل إلى جانب شبكة علاقات وتواصل الفاعل ذاته مع فضائه المديني مرجعية تحليلية لبلورة الجغرافيا الشخصية للفاعلين الإجتماعيين .
      يعتبر هوراسيو كابال هذا التباعد بين صورة الفضاء والفضاء ذاته مردّه عدم كفاية أدوات المعرفة وتقبّل المعلومة الصحيحة حول الفضاء المديني . وهو يردّ هذا الحيد إذا صحّت العبارة إلى تفسيرات فيزيولوجية وسوسيولوجية في الآن ذاته . فالإنسان يستتقبل المعلومة عبر مصفات وهي العقل الذي يمارس فعل مراجعة وترجمة أو إعادة تركيب وفق منظومة القيم التي يختزنها . وبما أنّ منظومة القيم والمعايير تتغاير بالنظر إلى شخصيات الأفراد وثقافة الجماعة ، فإنّ صورة الفضاء تتعدّد . ومثلما أنّ إحتلال الفضاء الخاص الذي هو الدار أو المنزل يستجيب لقيم ومعايير ثقافية تميّز جماعة إجتماعية بعينها ، فإنّ فعل إختيار التموقع أو إستمرارية التواجد ضمن الفضاء المشترك الذي هو " الحومة " أو الحي أو المدينة ذاتها يستجيب لذات المنطق . من هنا فإنّ تواجد أو تواصل تواجد الفاعلين ضمن الفضاء الذي يشغلونه جسدا وذاكرة ولكن أيضا عقلا ، يملك تبريرا عقلانيا لسلوكهم الفضائي : تموقعهم ضمن قضاء المدينة وتواجدهم أو إستمرارية وجودهم ضمنها .
     تتلقّى ، إذا ، صورة المدينة التي يحتكم إليها وعليها شاغلي الفضاء المديني تأثيرات وتحديدات واعية ولا واعية فردية وأخرى جماعية نفسية وإجتماعية لتجعل منها ظاهرة معقّدة يبطل معها موقف كابال من كونها لا يصعب تعقّلها . ويستدعي فهم هذه الظاهرة تمثّل متعدّد أبعادها في التحليل السوسيولوجي .
                                                             - 3 -
 ----------------------------------------------------------------------------------------------------------

1 – Horacio ( C ) : op cit ; p 75 .
2 – Lefebvre ( H ) : La production de l’éspace ; éd Anthropos ; 1974 ; p 39 .
 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home