القلم الفكري

 

كسر حاجز الخوف من الإعلام

ماجدة ريا



أي بيت لا يوجد فيه وسيلة إعلامية أو أكثر؟

ماجدة ريّا

حتى البيوت البسيطة تجد فيها الصحيفة والراديو، وصولاً إلى التلفزيون وما يحمله من جنون الفضائيات، إلى الكمبيوتر وما يحمله من ثورة معلومات.

وهكذا، فإن الوسائل الإعلامية في أيامنا هذه باتت تشكل واقعاً يفرض ذاته بقوة على الناس، ويرخي بتأثيراته الإيجابية منها والسلبية في كل مكان، وهو بقوّته يمثّل السلطة الرابعة في البلدان الديمقراطية.

والإنسان عدو ما يجهل، وبالتالي فهو يخاف هذا العدو على مقدار جهله بالأمور، وكلّما خطا داخل بيت المعرفة خطوة، انقشعت من أمامه غمائم وخطوات، ويسّرت له مزيداً من الجرأة في الإقتراب أكثر، لمحو ظلمة الجهل قدر ما يستطيع.

ولمّا كانت الوسائل الإعلامية، خاصة في عالمنا العربي، تحلّق بعيداً عن الناس، فلا تتواجد بينهم إلاّ في حالات خاصة، فإن هذا الأمر يمكن أن يخلق حاجزاً بينها وبين هؤلاء الأشخاص الذين تريد التواصل معهم لسبب من الأسباب، ويزيد من درجة الخوف عندهم وجود الكثير من المحاذير التي تجعلهم يفكّرون ألف مرة قبل أن ينطقوا بأي حرف.

فالوسائل الإعلامية حتى في الدول الأكثر ديمقراطية في العالم، هي ممسوكة لحساب جهات معينة. ويؤكد المفكر الأميركي روبرت ماكنزي في دراسة حملت عنوان "مشكلة الإعلام في القرن الحادي والعشرين" وجود ممارسات عشوائية مقلقة هدفها استغلال الحريات الإعلامية واستخدامها لخدمة أفكار ومصالح الشركات الضخمة، والمصالح المالية الكبيرة، والمتنفذين السياسيين في السلطة. وفي ألمانيا مثلاً تعمل أكثر من خمسين بالمئة من الوسائل الإعلامية لحساب جهات وشركات معينة.

 هذا في الدول التي يقال إن وسائل الإعلام "حرة" فيها، فكيف يمكن أن تكون حال الوسائل الإعلامية في البلدان العربية؟!!

إن الناس يخشون من التعبير عن آرائهم في معظم الأحيان، يخشون من السلطة التي يمكن أن تحاربهم، إما في لقمة العيش من خلال طردهم من الوظائف إن وجدت، وإما بأبواب السجون التي سرعان ما تفتح لكل محتجّ، وإما بتهديد قد يكون أكبر من ذلك.

إضافة إلى ذلك هنالك المحرمات التي تتعلّق ببعض جوانب الحياة والتي لا يمكن بحثها أو التعرض لها كيفما اتفق.

ويمكن أن يكون الخوف من المثول أمام أي وسيلة إعلامية نابعاً أيضاً من عامل نفسي مردّه الخجل، وعدم الثقة بالنفس.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن تتكسّر حواجز الخوف عند الوقوف أمام أي وسيلة إعلامية؟

إن الخوف الذي يكون مردّه الخجل وعدم الثقة بالنفس، أي أنه ناتج عن أمور نفسية داخلية، غالباً ما يكون مردّه إلى مراحل الطفولة التي أسَّسَت له، وهذا يعني أنه يجب الإلتفات إلى كيفية تربية الأطفال من خلال تعويدهم منذ الصغر على إبداء رأيهم، ومناقشتهم في مدى صوابيته من دون قمع أو تسلّط ، كما يمكن للمدارس أن تلعب دوراً مهماً في هذا المجال عندما تقيم بعض الإحتفالات في المناسبات ويؤدّي فيها الأطفال عروضاً مسرحية وإلقائية أمام الجمهور المشكّل من الأهالي، وهكذا يتعوّد الأطفال منذ الصغر وعلى امتداد مراحل تعليمهم على التحدث والظهور أمام جمهور كبير، ليصبح الأمر لديهم اعتيادياً لا يهابونه.

كما أنه لا بدّ من العمل على رفع مستوى الوعي بين الناس في تناول كافة القضايا التي تهمّهم والتي تواجههم في حياتهم، ومعالجة أسباب الجهل كي يمتلكوا ثقافة تمكّنهم من الإدلاء بآرائهم بكل ثقة.

ومن المفيد هنا أن تكون وسائل الإعلام أكثر قرباً من حياة الناس، ومن مشاكلهم وهمومهم، حتى يستطيع هؤلاء أن يعبّروا عن آرائهم ومتطلباتهم بكل ارتياح، ولكن مثل هذا الأمر يصطدم بواقع ارتباط معظم الوسائل الإعلامية بالسلطة لتمثل صورتها بكل ما تمثّل من فساد مستشرٍ، وعدم إدراك المسؤولين في المؤسسات الحكومية لمعاناة الناس والإلتفات إلى مصالحهم الشخصية ومصالح الحكّام بدلاً من الإهتمام بهموم هؤلاء وتأمين الرعاية اللازمة لهم وإعطائهم المجال للتعبير بحرية عن واقعهم.

فالمؤسسات الحكومية تخشى دائماً من كشف المستور من خفاياها وارتكاباتها بحق المواطنين، وتهاب الإعلام الذي يستطيع أن يشكّل الرأي العام، فتزداد نسبة قمع هذه المؤسسات لحرية الرأي والتعبير كلما ازدادت عندها نسبة الخوف، ويضع المتنفذون فيها اليد على الإعلام بكل أقسامه.

وإن لم يستطع هؤلاء التحكم بالإعلام فهم يسايسونه، ويعمونه عن متابعة الحقائق كي لا ينغّص عليهم تقاعسهم وروتين حياتهم السائر بهم بعيداً عن مصالح الناس، فيتخلّصون بذلك من أية محاسبة ممكنة من قبل الشعب.

أمّا السلاح الذي يمكن أن يكسر هذا الحاجز بين الناس والوسائل الإعلامية فيكمن في امتلاك جرأة وقدرة متلازمتين مع وعي ومعرفة بحقائق الأمور. 

فعلى مر التاريخ كان هنالك دائماً من يخرج من قلب المعمعة، ليشهر سيفه ويقول لا للظلم والإستبداد، ويعبّر عن رأيه متحدياً الخوف، ومتحملاً كل النتائج.

فعندما يمتلك المرء فكراً، وإيماناً بالحق الذي يحمله، وإدراكاً لما يحيط به، ووعياً كاملاً لدوره، فإنه عندها يتخلّص من خوفه ويمضي في طريقه أيّاً تكن الصعاب.

ومن هنا تبرز أهمية بث الوعي في صفوف الناس، ليس المثقفين فحسب والذين يمكن أن يتلمسوا طريقهم، وإنما الناس العاديين، وتوجيههم وتوعيتهم بحقيقة الأمور، لأنه عندما يتسلّح الناس بالوعي والمعرفة، سيكون بإمكانهم بناء مجتمع سليم يعطي المرء الحق في التعبير عن رأيه دون خوف أو تهديد.

وتبقى الوسائل الإعلامية اللاعب الأهم والأبرز في توعية الناس والتأثير على توجهاتهم، وفي تحريك الرأي العام ووضعه أمام مسؤولياته، ويمكن للشعوب عندما تتحلى بالوعي والإرادة أن تقول كلمتها التي ضمنتها لها المادة 19 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" والتي تنص على أنه "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق اعتناق الآراء دون أي تدخّل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية". وانطلاقاً من هذا الحق تسعى هذه الشعوب باتجاه الإصلاح والتغيير بجرأة وعزم ووعي وإدراك لكيفية قول هذه الكلمة، عندها نقول ما قاله الشاعر العربي الكبير "إذا الشعب يوماً أراد الحياة                           فلا بد أن يستجيب القدر".

ماجدة ريا




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home