كتاب العدد

 

فن الذات

د. محمود عبدالغني




  الدكتور محمود عبدالغني شاعر وباحث ومترجم وأكاديمي من المغرب صدرت له مؤلفات عديدة منها في مجال الشعر ديونا حجرة وراء الأرض وعودة صانع الكمان، وفي الترجمة السيرة الذاتية إشكالية المفهوم والتاريخ وكيف تحلل نص سيرة ذاتياً والكتابات الذاتية الوظائف والأشكال ورواية محمد يحبني وكتاب فن الذات: دراسة في السيرة الذاتية لابن خلدون الذي صدر هو موضوع هذا العرض.
 

يتألف الكتاب من مقدمة وخاتمة وثلاثة أقسام يتوزع كل قسم منها على عدد من الفصول يهتم القسم الأول بالقضايا النظرية الخاصة بمفهوم السيرة والجنس الأدبي وعلاقتها بالضمير النحوي والتخييل الذاتي والأيديولوجية المضادة للسيرة الذاتية، بينما يهتم القسمان التاليان بموضوع البحث المتعلق بدراسة السيرة الذاتية عند ابن خلدون من حيث الكشف عن سياقها الأدبي والتاريخي ونصية السيرة الذاتية وغياب الطفولة عنها.
 

يشير الباحث في مقدمة الكتاب إلى التحول الذي شكله اهتمام التحليل المعاصر للأدب بجنس السيرة الذاتية في النظرية النقدية المعاصرة والذي ترافق مع عملية إحياء السياقات الذاتية للنص الأدبي الذي يجعل من الذات والأنا منطقاً للكتابة. ثم يوضح طبيعة فهم ووصف أسئلة السيرة الذاتية تنظيراً وتطبيقاً باختلاف الطبيعة اللغوية والسردية والتخيلية للنص الذاتي ما يستدعي الاعتماد الكلي على التعاضد الطبيعي الذي يتم بين المناهج النقدية عند التحليل النصي.
 

ويحدد هدف الدراسة في البحث في أدبية السيرة الذاتية والتي تختصر جوانب السرد والتخييل والعلاقة بالزمن والذات لأن النص الذاتي ليس مجرد نسخة ذاتية بل هو تحويل أدبي يعتمد على مجموعة من الأبعاد التركيبية والنحوية والدلالية تجعل الكتابة تتشكل فيها الهوية الفردية بموازاة مع الهوية النصية.
 

انطلاقاً من هذه الرؤية يحاول الباحث عبدالغني أن يثبت نصية السيرة الذاتية والدفاع عنها من خلال المؤاخاة بين النص ومكوناته التي تمارس الذات عبرها أنشطتها كذات عاشت وذات كتبت دون أن يغفل الذات القارئة لكونها الذات من أجلها يؤلف الكاتب سيرته. ولعل القضية الأولى التي يفتتح بها الدراسة هي قضية تحديد جنس السيرة الذاتية من حيث الإمكانية والاستحالة فيبدأ أولاً بتعريف السيرة باعتبارها حكياً استعادياً نثرياً يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك بالتركيز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة.
 

ثم يعرض لمحاولات العديد من النقاد تقديم تعريف للسيرة الذاتية وفشلهم في الوصول إلى هذا التعريف على عكس الناقد فيليب لوجون الذي يعتبر أهم منظر لهذا الجنس الأدبي الذي تتطابق فيه شخصية السارد مع الشخصية الرئيسية والمؤلف مع السارد. وينتقل الباحث إلى موضوع آخر هو السيرة الذاتية ومقولة الجنس الأدبي بعد أن يتناول إشكالية تعريف الجنس الأدبي والعلاقة بين وظيفة الجنس والانتماء إلى جنس أدبي إذ لا وظيفة نصية إلا إذا أسند للنص صفة جنسية
 

وعلى ضوء ذلك يكون للسيرة منزلة جنسية لكونها تقوم بوظيفة معينة بين الأجناس الأدبية. ويعتمد في هذه القراءة على تأملات غلوبنسكي في تحديد علاقة الجنس بالثوابت وبالوعي الأجناسي الذي يقوده في النهاية إلى القول ان الجنس تتحدد هويته في فضاء الأدب والمعرفة حتى يتحول إلى عرف ينتج عنه مكانة مميزة للجنس بين باقي الأجناس.
 

ويعود الباحث لمحاولة الإجابة عن سؤاله المركزي هل السيرة الذاتية جنس أدبي فيبحث أولاً في كون السيرة لا تمثل ممارسة ثابتة في مسار التأليف عند صاحبها كما أنها ليست حلقة من حلقات التجربة السردية بل كتبها مؤلف بهدف تقديم خلاصة عن تجربته الحياتية في إطار عملية بوح ختامي جاعلاً التجربة النصية في خدمة هذا الهدف ومدافعاً عن تاريخ الذات دون انشغال ملحوظ بقضايا الكتابة أو بالتعبير عن حساسية من حساسياتها في الوقت الذي تكون فيه السيرة غير متطابقة تماماً مع الواقع وليست مجرد خيال،
 

وينجم عن ذلك افتقار السيرة الذاتية للتوسط المطلوب في ترجمة حياة محددة كما تفتقر إلى السمات المناسبة للرواية والدمج بين الاستعارة والحرفية مما يستدعي تحويل الحياة واستبدالها وتأويلها لأن الكاتب لا يستطيع أن يسيطر سيطرة تامة على مادة الموضوع المتشكلة من حياته فيكون ضمير المتكلم تمويها لضمير الغائب وتصبح الذات فاقدة كل محور لها.
 

ويشير مفهوم السرد في كتابة السيرة إلى نص سيري ذاتي لحياة معينة وهذه النصية تؤسس لما يعرف عن هذه الحياة والطريقة التي بها تُعرف فهي تكتب بوصفها نصاً في حين يعتبر نظام السرد عنصراً مهماً في هذه النصية السيرية. إن ضمير المتكلم يعد من المكونات الحاسمة في جنس السيرة الذاتية وفي قراءتها وهناك ثلاث إحالات لهذا الضمير، كما أن كتابة السيرة الذاتية يمكن أن تتم باستخدام ضمير غير ضمير المتكلم، فالتقاليد في السيرة الذاتية ليست ثابتة كما في الأجناس الأدبية الأخرى.
 

القسم الثاني من الكتاب يبحث في السيرة الذاتية لابن خلدون من حيث سياقها الأدبي والتاريخي فتتناول السيرة الذاتية قبل ابن خلدون حيث كان القدماء يستخدمون مصطلحي التراجم والسيرة للدلالة على معنى تاريخ الحياة مع التفريق في المعنى بين المصطلحين ويقدم الباحث أمثلة عديدة على السيرة الذاتية في الأدب العربي القديم ليعود للإجابة عن السؤال الذي يطرحه لماذا كتب ابن خلدون سيرته التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً انطلاقاً من السؤال عن أسباب كتابة السيرة الذاتية
 

لكنه قبل الإجابة يعرض لنظريات الذات والهوية في النظريات الاجتماعية والنفسية والبنيوية والإناسية، ينتقل بعدها للحديث عن سيرة ابن خلدون الذي ترك سيرة ذاتية تعتبر الأطول في السير القديمة والأقرب إلى هذا النوع ومنذ البداية يشير الباحث إلى أن هذه السيرة تفتقر إلى معلومات تتعلق بطفولته وحياته العائلية وانطباعاته وتأملاته الشخصية تجاه الأحداث مما يطرح مسألة الذات في الثقافة الإسلامية التي كانت فيها الذات غائبة
 

إضافة إلى مفهوم المؤلف إذ كان ابن خلدون يحس بأنه مجتث من جذوره وأنه لم يكن يرتبط بمجموعة أحاسيس ولا بروابط إرث ثقافي مشترك مع أي بلد من بلدان شمال إفريقيا لأن ارتباطه كان مع اسبانيا وحضارتها وقد كان الدافع وراء كتابة ابن خلدون هو هذا الاختلاف والعزلة الذي كان يعيشه ولتوضيح ذلك يقوم ببحث معنى كلمة تعريف التي وردت في عنوان السيرة لابن خلدون الذي كان شخصية معروفة فهي تدل أولاً على وجود معرفة مشوهة به كان يريد أن يصححها
 

وأن يقدم شهادة عنها. إن كتاب التعريف بابن خلدون كما يراها هو كتابة جاءت تحت سلطة وعي تاريخي ما يجعل الدارس يتعرف على حقيقة المراحل السياسية التي تحدث عنها والروابط بين الأمم وماهيات السلطان السياسي على الرغم من كونها كتابة ذاتية.
 

وتظهر أهمية دراسة العنوان عند الباحث في تحديده للمرحلة العمرية التي ستتناولها السيرة الذاتية وهو في نص ابن خلدون نافذة على عالمه وأداة تكشف عن المشروع الذاتي، وخطاب يقود مباشرة إلى عمق النص يساهم في تمييز الجنس الأدبي للنص ويقوم بمنهجة قراءة المحكي الذاتي لصاحب السيرة والتحكم في تأويله. ويناقش مسألة تغير أسماء التعريف في النسخ العديدة التي أهداها ابن خلدون لملوك تونس ومصر والمغرب، مبيناً أن هذا الاختلاف في تلك النسخ من كتاب التعريف يعود إلى أن ابن خلدون كان لا يتوقف عن المراجعة وإدخال الأبواب والتعديلات والملحقات مع صدور كل نسخة جديدة
 

مما يكشف عن دلالات تدخل ابن خلدون وإضافاته في كل نسخة باعتباره ترميماً للذاكرة وللشكل المعماري، تعبيراً عن تقدير خاص للنص وبناء جديد لحياته عن طريق كتابة سيرته الذاتية. وإذا كانت السيرة الذاتية تقع سلطة قوة المرجع وليس سلطة قوة الواقع فإن السيرة بقدر ما تقول الذات فهي تقول الآخرين بأسلوب قصصي يتخلله نوع من المراقبة للذات الحاضرة في الكتابة.
 

في الفصل الأخير يتناول سيرة ابن خلدون التي خلت من الحديث عن طفولته مبيناً أن السيرة لا تكتب بأي معنى شمولي، وقد اكتفى ابن خلدون بالإشارة إلى مكان وتاريخ ولادته في تونس في حين شكل الحديث عن التعلم والقراءة والكتابة لحظة مفضلة في كتابة السيرة تدل على إظهاره ليفاعته والعدد الكبير من المشايخ والعلماء الذين تتلمذ على أيديهم بغية الكشف عن مكابدته الذهنية التي مهدت لمقامه كعالم ومؤرخ. ولم يكتف بذكر شيوخه بل أخبر عنهم إثباتاً لجدارتهم العلمية ويخلص إلى أن إهمال الطفولة في السيرة العربية القديمة يعود إلى الشخصية التي يجوز تقديمها هي الشخصية العاقلة والمسؤولة شرعاً.
 

إن ابن خلدون يلح كثيراً على أسلافه وأجداده وهو يبدأ سيرته بسرد تاريخ عائلته بدءاً من النسب الشريف وبالمكان الأول الذي جاءت منه وهو حضرموت ثم دخلت الأندلس وقد خضعت هذه الأسرة لتحولات جذرية بسبب التحولات السياسية التي دفعت العائلة للتحول من السياسة إلى العلم والتصوف وتعتبر المرحلة المغربية من أصعب المراحل في حياة ابن خلدون علمياً وسياسياً في حين كانت المرحلة الأندلسية في بدايتها مرحلة استقرار ومسؤوليات سياسية غادر بعدها إلى بجاية ومسكرة في المغرب
 

وتكشف سيرته أنه طيلة حياته لم يتفرغ للعلم والتأليف لانشغاله بالسياسة وكانت عزلته في قلعة ابن سلامة هي التي مكنته من تأليف كتاب المقدمة الشهير ولعل هذا الانتقال بين المغرب والأندلس بمثابة رحلة في المكان والزمان تختلف من حيث الطبيعة عن سواها عند أسلافه ومعاصريه.
 

ومن خلال قراءة هذه السيرة يستنتج الباحث أن اهتمام ابن خلدون لم يؤرخ لتطور سيرته الفكرية كما فعل بالنسبة إلى سيرته السياسية والحياتية كما أغفل الحديث عن الكتب المهمة التي ألفت في عصره. وتشكل المرحلة المصرية مرحلة مهمة في حياة ابن خلدون وهي تشكل الجناح الثاني لسيرته الذاتية لأنه أصبح في قلب الحياة الثقافية والعلمية وتولى القضاء هناك لكن ذلك لم يبعده عن بعض المحن التي واجهها،
 

وفي النهاية يتحدث الباحث عن لقاء ابن خلدون مع تيمور لنك أثناء حصاره لدمشق والمحاورة التي جرت بينهما حتى نال رضا الأخير فطلب منه العودة إلى مصر ليتولى منصب القضاء مرات عديدة متتالية. والغريب أن الباحث لم يعلق على ما ذكره ابن خلدون عن هذا اللقاء مع تيمور لنك وما أبداه له من ضروب الطاعة والخضوع وعلاقة ذلك بنزوع ابن خلدون نحو السلطة والمناصب وربما كان ذلك من الأسباب التي جعلت حياته تظل تواجه تلك التقلبات في علاقتها مع أصحاب السلطة في المغرب والأندلس ومصر.
 
 
منقول




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home