القلم الفكري

 

الطائفية، التماهى، التزوير .. جروحنا النازفة

زياد ابوشاويش



الطائفية، التماهي ، التزوير .. جراحنا النازفة

بقلم : زياد أبوشاويش

لا يستطيع أي كاتب أن يبرر أياً من هذه الظواهر وينجو من النقد والإدانة، ذلك أن هذه الآفات الثلاث تؤدى إذا ما استفحلت في أي ثقافة أو طبائع أمة الى تدمير الأسس الأخلاقية وسبل التقدم لهذه الأمة  .

ولان لكل عنوان من هذه العناوين( فرسانه) من الكتاب والمواقع والصحف فإننا لابد سنحتاج الى مزيد من الأوراق والمراجعات،  لتوضيح كل ما يتعلق بها ورصد نماذجها العديدة وحجم الضرر الذي يلحقه كل من يمارسها ببنيتنا الثقافية والأخلاقية ، ولو بحسن نية ، أو حتى على خلفية الالتزام،  أياً كانت مرجعيته .

لكل ذلك سأتناول في هذا المقال العناوين الواردة ارتباطاً بنماذج محددة يمكن القياس عليها لاحقاً لتعرية هذه الظواهر المرضية ومكافحتها ، للحفاظ على ثقافتنا العربية من التلوث الخطر الذي يودي بها ، وينحدر بأخلاقنا الى مهاوي تؤبد هزائمنا الكثيرة بدل أن تكون رافعة لاستعادة لياقتنا العقلية ووجداننا الجمعي بما يؤسس لمستقبل أفضل نتجاوز فيه ظلام الماضي والحاضر ونشعل له ألف شمعة .

إن الديمقراطية وحرية الرأي والتفكير هي العدو اللدود لهذه الآفات ، ولا يستطيع أي مزور أو داعية مذهبية أو متماهٍ في الآخر أن يدعى احترامه للديمقراطية ، ولا حتى للعقل في ابسط تجلياته ، والملفت أن هؤلاء هم أجرأ من تكلم عن الديمقراطية وأشاد بها وبقدرتها على تجاوز الأزمات العويصة التي تمر بها أمتنا العربية وأقطارنا الغارقة بمشكلات مزمنة وأزمات لا يعلم كيف يمكن علاجها الا الله .

أولاً :الطائفية والمذهبية /

لعب التنوع الطائفي والديني دوراً بارزاً في الارتقاء بنوعية الحياة وحرية الاعتقاد ، ذلك أن أصحاب الديانات التوحيدية كما غيرهم من أصحاب الديانات والملل المختلفة حريصون على إظهار أفضلية ما يعتقدوه على الآخرين ، وهذه مسألة منطقية بل وطبيعية ، فليس أشد جاذبية للتميز بين الأمم من تبيان رقى عقيدتها وانسجامها مع الفطرة الإنسانية وخدمتها لعملية التطور المستمرة منذ ظهرت الأديان على سطح الأرض ، بل إن هناك بعض المفكرين يرجعون جوهر الحضارة بمعناها الواسع الى الدين ،وأن الأنبياء والرسل بما هم يحملوه إنما يشكلون المصلحين الأكثر شهرة وشعبية من غيرهم سواء كانوا يحملون رسالات إلهية أو مجرد مبشرين . كما لعب التنوع داخل أتباع الدين أو الطائفة ومذاهبها المختلفة ذات الدور ، ويخبرنا التاريخ القديم والحديث بجملة من المصلحين الذين أضافوا على معتقدات قومهم وقناعاتهم  الدينية اضاءات عظيمة ساهمت في ترشيد الفكر والمعتقد باتجاهات أكثر عمقاً وأكثر إنسانية .

ويمكن لاى دارس أن يجد نماذج هؤلاء في المسيحية بكل أقسامها ومللها المعروفة كما في الإسلام بكل مذاهبه المعروفة ، كما في باقي الأديان والمعتقدات .

إن هذه النتائج الايجابية للتنوع على هذا الصعيد كان دوماً يرتبط بحالة التعاون والتفهم والقبول بالآخر على أرضية عقلية مشتركة تؤكد أن لكل منهج حرية المرور كما حرية التعبير التي لا تلغى الآخر وأنها مهما كانت درجة الاختلاف فان قواسم مشتركة تجمع بينها جميعاً تتعلق بالسعي الجاد والصادق نحو سعادة الإنسان وتخليصه بالمعنى الدنيوي ويوم الحساب.

وفى المقابل فان التاريخ ، حديثه وقديمه، ينبئنا بأن فترات الانحطاط والظلامية في التاريخ البشرى منذ ظهرت الأديان على سطح المعمورة قد ارتبطت بالصراع بين هذه الأديان ومذاهبها المختلفة ، وأن أسوأ ما أصاب البشرية والمجتمعات هو ذلك التعصب الأعمى أو المبصر لهذه العقيدة أو تلك،  بغض النظر عن نوايا قادة هؤلاء وأهدافهم .

ولو بدأنا الآن في تعداد النماذج الواضحة لتأكيد ما نقول فسنحتاج لعشرات المقالات ، لكن نكتفي بإيراد نموذج إسلامي هو الفتنة الكبرى وعقابيلها الدامية ونتائجها التي نرى بعضها أحياناً حتى يومنا هذا . ونموذج مسيحي يتعلق بالفتنة أيضاً والصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية وتجليها الأكثر دموية في محاكم التفتيش الشهيرة ونتائجها المدمرة .

وبعد هذا.. ما الذي دفعنا لتناول هذا العنوان ؟ هل هي المسألة التاريخية ونبش القبور ؟ بالطبع ليس هذا مقصدنا، بل وجدنا نماذج لإعادة نبش تاريخ طويل لاستخراج أسوأ ما فيه وإلقائه في وجوهنا ودفعنا جميعاً لإعادة تمثيل تلك الأدوار الهمجية والمتخلفة لخلاف مصالح تم تغليفه بأسوأ ما في النفس البشرية من الغلو والحقد وبثوب ديني ومذهبي، لا يبقى لإعمال العقل أي مكان،  ويودي بكل حضارتنا العربية والإسلامية الى مجاهل التوتر والصدام الدموي . ولأننا لا نصادر حق المفكرين والعقائديين في التعبير عن آرائهم ولسنا معنيين أصلاً بكبح التنافس وحتى الصدام الفكري ، فإننا ندعو لحماية هذا الحق ضمن الأطر الصحيحة،  وبذات المنهجية التي لا تنفى الآخر ولا تسخفه أو تستهين بمعتقده أو بمذهبه أياً يكن هذا المعتقد أو المذهب فما بالكم وما نتناوله تحت هذا العنوان يخص الأخوة المسلمين من الشيعة الكرام والذين يشكلون القسم الآخر للسنة الكرام، وبهما يتشكل المكون الأكبر في ديننا الاسلامى  الحنيف.

لقد تعاظمت في الأيام الأخيرة الانقسامات الدموية والغير مبررة بين الشيعة والسنة في العراق المحتل ، ويجمع كل الحريصين والمقاومين الصادقين للاحتلال على تشخيص هذا الداء باعتباره الأخطر على وحدة العراق ومستقبله كوطن يجمع بين جوانحه كل الأطياف العراقية. إن هذا الانقسام الدموي الذي خلقه الاحتلال وعملاؤه يسحق عروبة العراق وإمكانية تحريره من العدو الامريكى الغاصب ، وبالتالي فان أفضل ما يقوم به كاتب أو مفكر أو قائد سياسي هو رأب الصدع بين السنة والشيعة ولجم كل الدعوات للمزيد من التمزق بين الطرفين بتوجيه البوصلة نحو الاحتلال باعتباره العدو الاساسى والفرعي لكلا الطرفين، والكابح لأي تقدم، كما المهين لكرامة كل عراقي وشرفه بغض النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه أو معتقده .

إن إدانتنا لكل ما كتب حول الشيعة على صفحات الجرائد أو في بعض المواقع الالكترونية ممن لا يهمهم مصلحة الشعب العراقي أو الأمة العربية ، والذين يتساوقون بقصد أو بغير قصد مع المخطط الامريكى الصهيوني يعود بالإضافة الى كل ما تقدم للآتي :

إن الشيعة في العراق وغيره فيهم الشقي وفيهم التقى ولا يجوز بأى حال أن أسقط لقب الخيانة أو العمالة على طائفة بعينها تحت أي مبرر حتى لو كان كل عملاء الاحتلال ومن عاونوه من هذه الطائفة فما بالكم والأمر بخلاف هذا ، ولا يلغى هذا الأمر كون أغلبية المتعاونين الآن مع المحتل هم من المحسوبين على الطائفة الشيعية .

إن وجود ميليشيات الغدر والحثالات العميلة يمكن فهمه بسهولة بواسطة التحليل السياسي العقلي وبمنهج علمي يرى المصالح كمرجعية لكل السلوك ويستخدم طرق التحليل والاستنتاج الذي يأخذ بالأسباب ويضع ما يناسب من الحلول ، وليس بإلقاء التهمة على المذهب والعقيدة وغير ذلك من الأسباب الوهمية . إن هذا لا يلغى فهمنا ولا قناعتنا بأن لكل مذهب أو عقيدة نصوصها وتفرعاتها التي يمكن أن تُسْتَغل في الصراع السياسي، يتساوى في ذلك المسلمون والمسيحيون، كما يتساوى فيه السنة والشيعة ، وهذا ما يلعب على أوتاره المحتل وزبانيته في العراق وغيرها من بلادنا العربية .

وحتى تتضح الصورة نورد جزئية ربما تساهم في بلورة رؤية صحيحة وصادقة تجاه ما يجرى الآن في عراقنا الجريح ، هذه التي تقول بأن أشد من هاجم السيستانى على سكوته عن الاحتلال وعدم إفتائه بلزوم مقاومته هم كتاب ومفكرون شيعة من العرب وغيرهم ، وأن هؤلاء وغيرهم ومن آيات الله قد حضوا على قتال المحتل وأوضحوا بجلاء روح الدين الاسلامى المقاوم والحافظ للكرامة والرافض للظلم وعدم جواز التعاون معه تحت أي ذريعة .

هل منا من لا يعرف المناضل العربي آية الله أحمد حسن البغدادي الذي يجهر صباح مساء بالدعوة لقتال الأمريكان وكنسهم من الوطن العراقي؟ وهو بالمناسبة عضو في المؤتمر القومي العربي كما المؤتمر الاسلامى القومي .

هل منا من لا يعرف آية الله محمد حسن المؤيد الذي ينادى بالجهاد ضد الأمريكيين وضد الأطماع الإيرانية بشكل أفضل من العديد من قادتنا السنة ، ويجتهد في الإسلام المقاوم وضرورة القتال ضد الاحتلال وعملائه بصورة أصدق وأنزه من الكثيرين من دعاة الفتنة الطائفية والمذهبية الحريصين ظاهراً على الطائفة السنية . وينطبق ذلك على الشيخ جواد الخالصي الذي ينادى بأعلى صوته وفى كل محفل بوحدة العراق وعروبته .

 ما تقدم لا يمس طبعاً بأي صورة الجهاد العظيم والباسل لقيادات سنية ومقاتلين يصنعون في العراق ملحمة عربية بكل معاني الكلمة ويصدون بأرواحهم وبدمائهم هذا الهجوم الامبريالى الهمجي على بلدهم ويساهمون بشكل واضح في وقف الزحف المغولي الجديد على كل حواضر العرب ، ولكننا قصدنا الرد والتوضيح للأقلام والجهات والمواقع والصحف التي تفتح ذراعيها للفتنة الطائفية وخصوصاً ما يتعلق منها بالهجوم على الإخوة الشيعة بقضهم وقضيضهم .

وقبل أن أختم في هذا الجزء من المقال أود أن أتطرق لواقعة تاريخية وردت في كتاب " أربعة قرون من تاريخ العراق " : (كان الأتراك يغزون العراق من الشمال ويقوموا بقتل الشيعة ، ويقوم الفرس من الشرق بغزواتهم لقتل السنة ، وفى إحدى غزوات الفرس وصلوا الى كربلاء حيث مرقد الإمام الحسين(ع) فطلبوا من كليدار كربلاء تدوين أسماء كل العوائل الشيعية القاطنة في المدينة حتى يتسنى لهم ذبح السنة ( والكاليدار هو المسئول عن الروضة الحسينية) ، وبعد فترة قدم لهم الكاليدار أسماء كل العوائل في كربلاء ، وعندما شعر الفرس أنه كتب أسماء العوائل السنية كشيعية قاموا بقتله) . وهكذا قدم الرجل روحه للحفاظ على أبناء وطنه ، وهكذا يجب أن يفهم الجميع أن العراقيين عاشوا لسنوات طويلة جداً دون تمييز بين شيعتهم وسنتهم ، وحافظوا على الفسيفساء العراقي الذي يجمع كل الطوائف والمذاهب والقوميات عرباً وكرداً وتركمان وأشوريين وكلدانيين .

إذن دعونا نقاطع ونمنع بكل السبل أي دعوة للتحريض الطائفي والمذهبي بغض النظر عن مصدرها وتوقيتها،  بشجاعة ووضوح وبدون أي تردد أو ميوعة فكرية .

ثانياً:التماهي /

والمقصود به ذلك التماثل والتطابق الناتج عن رؤية مصلحية وغير مبدأية تصل الى حد تغييب العقل كما الرأي الآخر ، وتصل في التوصيف الاخلاقى الى النفاق والكذب مجتمعين .

وكما هو معلوم فنحن هنا لا نستعيد وقائع التاريخ لتصديق ما نقول وتأكيده بل نتناول جرحاً لا يزال ينزف من جسد ثقافتنا وقيمنا ، ولا تدل وقائع التاريخ في هذا الباب على أي شيء ايجابي في هذا السلوك ، ولعل بلاط السلاطين وديوانيات الأثرياء تشهد على ذلك النوع المهين من التماهي وخلفيته الجشعة والتي لا تراعى ذمة ولا ضمير .

لقد كانت الثقافة الإسلامية شديدة الدلالة على نبذ هذا السلوك المشين والحث على نقيضه وقد قيل في ذلك حديث النبي محمد (صلعم) المعروف عندما سؤل عن أعظم الجهاد فقال : " كلمة حق أمام سلطان جائر " . صدق رسول الله صلوات الله عليه .

والتماهي يحرم المجتمع وثقافته من رؤية البدائل المطروحة للأمر موضع البحث والنقاش ويوصله الى الجمود الفكري والعقائدي ، ويؤدي في الأغلب الى حََوَل يدفع باتجاه الخروج عن السكة الصحيحة ، وهو في اضعف آثاره السلبية يعطل اتخاذ القرار الصائب ويؤخر التقدم ويحرم أي أمة من قسم هام من عقولها النيرة،  وهو سلوك مدان بكل المعاني .

وحتى يتم إيصال ما نريد في هذا القسم نؤكد أن ما نقصده هنا يختلف عن التطابق والامتثال الواعي والشرعي المُجْمَع عليه تجاه قضايا الأمٌة والدفاع عن حقوقها كما الدفاع عن الحقيقة.

وهو الامتثال الذي يصل أحياناً حد استخدام نفس المفردات ، ويمكن هنا إيراد نماذج كثيرة للتوضيح لكن بحكم أننا نستهدف النوع الآخر سنورد الأمثلة عليه في السياق .

وكما أسلفنا في القسم الأول من أمراضنا فانه لابد من توضيح الدافع وراء هذا العنوان ولماذا يجب مقاومته ونبذه من بيننا ، أو في أقل تقدير مجابهته بالحجة والمنطق الذي يحرم أصحابه من أي تعاطف . والقضية المحددة التي شكلت الدافع لتناول الأمر هي قضية الموقف من السلوك الايرانى وعلاقاته العربية تجاه مجمل أزمات المنطقة عموماً ، والقضية الفلسطينية والعراقية على وجه الخصوص .

لقد لاحظنا أيضاً في الأيام السابقة ومنذ احتدم الصراع الطائفي بل قبل دخول القوات الأمريكية الأراضي العراقية وتشكيل حكومات تابعة وذات صبغة طائفية ، لاحظنا اختلاف وجهات النظر تجاه إيران من قبل العديد من كتابنا وصناع الرأي فينا على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية . منهم من يعتبر إيران حليفاً صادقاً ومأموناً ومن الأهمية بمكان التشبث به كحليف لا غنى عنه لمواجهة أخطار تحدق بنا كعرب ومسلمين ، ويسوق في تأكيد وجهة نظره كل الحقائق والسلوك الذي يعززها ويصل به الأمر حد المقارنة مع الأنظمة العربية باعتبارها المقياس في سلوكها السياسي غير الحريص على مصالح الأمة وكرامتها وفى هذا يجد كل ما يلزم لوضع إيران فوق الشبهات. كالمقارنة التي تتكرر لسلوك السادات المنفرد تجاه صلحه المشئوم مع العدو الصهيوني وتبرير كل الهبوط اللاحق والخياني بما أنجزه الرجل بهذا الهبوط وبخروجه الأرعن على كل ما ناضل في سبيله شعبنا العربي المصري المكافح والأبي ، والذي كبل يدي مصر عن المشاركة في أي مواجهة حقيقية للعدوان على الأمة ، كما رهنها للمساعدات الأمريكية المهينة. ويؤكد على الانحياز الكامل للتحالف مع إيران باعتبارها السند الأكبر وشبه الوحيد لكل قوى المقاومة والممانعة في المنطقة للمشروع الامريكى المتصهين ، في ذات الوقت الذي تعلن فيه إيران موقفاً معادياً لإسرائيل ومجاهرة برفضها لكل الوجود الاسرائيلى على أرض فلسطين، ومنكرة حق الكيان في الوجود،  ومعه أساطيره بما فيها الهولوكوست الشهير .

وفى مقابل الرأي المتماهي مع الموقف الايرانى ويراه صائباً بشكل كلي نجد النقيض في كتابات بعض الكتاب وبشكل تحريضي يصل الى حد اعتبار إيران عميل سرى للإدارة الأمريكية ومتآمرة على مصالح امتنا العربية وقضيتها المركزية فلسطين ناهيك عن تآمرها على احتلال العراق وتعاونها المؤكد من هذه الوجهة في تدمير العراق واحتلاله .

ويسوق هذا الطرف، كالآخر النقيض،  كل الحقائق والأضاليل المساندة لوجهة نظره ، وهو في هذا يتماهى مع موقف الإدارة الأمريكية على هذا الصعيد شاء أم أبى،  ومع الجهات المعادية لإيران وبالتالي ومنطقياً معادية لكل أصدقاء إيران وحلفائها في المنطقة ، وهذا يؤدى الى ذات النتيجة المتوقعة للموقف النقيض ، فكلاهما متماهيان بشكل غير مبدأي ويضر بمصالح الأمة العربية ومستقبلها ويضعنا أمام استحقاقات داخلية شديدة الوعورة ، ولا تقدم لنا سوى الانقسام والاحتراب وانعدام الثقة ، وضياع الفواصل بين ما هو حق وبين ما هو باطل . بين ما هو لصالح امتنا وبين ما هو مجحف بحقها وبمصالحها ، وينطبق هذا على المسألتين الفلسطينية والعراقية واللتان تمثلان الآن مركز الاستقطاب الأكبر لجهود الأمة ونضال أبنائها.

وللتخلص من هذا لابد أن نضع الحقيقة وما نراه الحق من خلالها كمرجع لسياستنا العربية تجاه الجمهورية الإسلامية الايرانيه . فبالإضافة لكل ايجابيات العلاقة معها وإقرارنا بما تقدمه وقدمته من دعم تجلى في بداية انتصار الثورة بإغلاق السفارة الصهيونية ومنح المقر ذاته لسفارة فلسطينية بطهران نود أن نؤكد على ما يلي ونحاور فيه الأخوة في قيادة الجمهورية الإسلامية /1- هناك تيار فارسي صفوي لا شك فيه داخل إيران ولا يمكن إنكاره ويظهر جلياً في سلوك الدولة تجاه الأقلية العربية، وتجاه السنة الذين يشكلون 40% من سكان إيران .

2-وفى مسألة الغزو الامريكى وتدمير العراق فقد كانت إيران تستطيع عرقلة المشروع لو منعت حلفاءها من التعاون مع الأمريكيين، كما لا يمكن انكارالاعتماد الامريكى على فيلق بدر وحزب الدعوة في تثبيت الاحتلال وتنفيذ مشروعهم بالعراق ،وهذان الفصيلان مع جيش المهدي أو ما يسمى بالتيار الصدري من يشكلون الحكومة العميلة للاحتلال وبدونها لا يستطيع الأمريكيون البقاء لشهر واحد في بغداد ، وهذا أمر لايمكن التغاضي عنه في تحديد موقف إيران من قضايانا الكبرى ويؤشر لخلل واضح في رؤية الإخوة الإيرانيين تجاه المسألة العراقية .

3-وإذا كنا نفهم الرضي الايرانى تجاه إسقاط العدو اللدود لهم والذي حاربهم لثماني سنوات ووقف سداً منيعاً في وجه الثورة وامتدادها ، فإننا لا يمكن أن نتفهم عدم إصدار آية الله السيستانى وكل الآيات المرتبطة بإيران وبولاية الفقيه لفتوى تلزم العراقيين كافة والشيعة على وجه الخصوص بمقاومة الاحتلال ووجوب كنسه من العراق بعد سقوط النظام السابق بقضه وقضيضه ، إذن الحجة هنا ليست مقبولة ولا مفهومة الا في سياق تعاون، ترى فيه إيران مصلحتها في عراق مستأنس لها ولغيرها ومضمون الولاء . وفى أحسن الظن تخليصه من الأمريكيين ليصفى لها الجو لاحقاً ويكون العراق احد محمياتها، مكررة في هذا سلوك الشاه المقبور. وبمعنى أوضح فانه إذا كان الحقد قد وصل ضد صدام الى حد القبول بالتعاون مع أمريكا لإسقاطه فان التعاون لاحتلال العراق وتدميره وذبح شعبه يكشف هذه الحجة ويجعلها بلا قيمة،  فالذي يٌدمَر هو العراق السد التاريخي للأطماع الفارسية .

4-من جهة أخرى فالفلسطينيون العرب يذبحون في العراق على أيدي ميليشيات لا شك في ارتباطها بإيران ، ورغم كل المناشدات يستمر القتل لأهلنا فماذا نسمى ذلك؟  وهل يجب التغاضي عنه باى شكل من الأشكال رغم كل الدعم الذي تقدمه إيران لحركتي حماس والجهاد الاسلامى في فلسطين وتقديرنا العالي لهذا الدعم؟

5-نعم إيران ليست عميلة لأمريكا وهى حليف جدي للقضية الفلسطينية والمقاومة ونحن نقدر لها ذلك ونقول لها مرحى ونصفق لموقفهم منها،  لكن ذلك لا يبرر ازدواجية المعايير التي تنظر بها إيران لقضايانا فما يضر العراق والشعب العربي في العراق يضرنا ويدمينا .

6-وفى ختام الملاحظات حول الموقف الايرانى لابد أن نأتي على قضية إعدام الرئيس الأسير صدام حسين ، فربما نكون في السابق ضد حربه على إيران قبل أن تدخل إيران الأرض العراقية ، وضد مطاردته القاسية للمعارضة ، وضد علاقته الملتبسة بدول الخليج وأمريكا ولكن من يستطيع إنكار وقفة القائد الشهيد أمام جلاديه الملثمين وذوى اللكنة الفارسية وتحت الاحتلال الامريكى وبرعايته الواضحة ليهتف قبل أن ينفذ فيه الاغتيال السياسي لفلسطين وللعروبة وينطق بالشهادتين بنبرة واضحة ثابتة،  حتى مسٌ منا شغاف القلب .

إن كل مواطن عربي رأى ذلك العرض الهمجي تعاطف مع صدام حسين والأغلبية بكته بصدق .

إن إعدام الشهيد واغتياله يوم العيد قد جرح كرامة كل عربي مثلما أدمى فؤاده،  وكان على الإخوة في إيران مراعاة مشاعر حلفائهم في هذا، وكانوا يستطيعون تأجيل التنفيذ على الأقل.

إن التماهي مع الموقف الايرانى أو ضده كلياً لا يفيد العلاقة ولا يقدم أي فائدة لنا أو لإيران.

وقبل أن نختم هذا العنوان لابد أن نشير الى أن هناك آلاف النماذج الجارحة والمضرة للتماهي في بلداننا العربية وفى فلسطيننا الجريحة لابد أن نطيح به ونكشفه إنْ أردنا الخير لمستقبلنا .

ثالثاً :التزوير/

للتزوير أشكال متعددة بدءً بتزوير النقود وانتهاءً بتزوير البشر وانتحال شخصية الغير وما نريد الحديث عنه هنا هو تزوير مواقف الناس أو أقلامهم ليخط بها الآخرون ما يحلو لهم وهذه آفة شديدة الخطورة بكل المقاييس وهى تصل الى حد الجريمة الكبرى التي يعاقب عليها بالسجن المؤبد أحياناً كونها قد تسبب فقدان الحياة وغير ذلك من النتائج الكارثية على الأفراد والأمة ، ولا ينكر أي متابع لأحداث التاريخ الكبرى الا أن يقر بأن جزءً من الحروب والعداوات الطويلة والمؤلمة تسبب بها هذا النمط من السلوك الإجرامي والغير مقبول .

وليتصور أي كاتب أو أي مواطن أن يقوم أحدُ ما بتقمص شخصيته أو الحديث باسمه فيرتكب به أبشع الجرائم ثم يأتي العقاب فيطاله وأسرته ، أو يوقع به مع جهة رسمية أو يدمر حياته الاقتصادية الى آخر ما هنالك من شئون الحياة المختلفة .

إن الحكومات والدول تكافح بأشد الإجراءات صرامة قضايا التزوير والانتحال وهى تدرك بحكم التجربة والخبرة أن هذا طريق مدمر لكل القيم الطيبة في أي مجتمع ويؤدى شيوعه الى الخراب، وكم من حرب اندلعت بسبب تزوير رسالة أو تصريح ، وفى هذا يتساوى من يذكر على لسان الآخرين ما لم يقولوه مع من يوقع على أوراق رسمية باسم غير اسمه، أو يزور النقود .والأكثر خطورة والمدان أخلاقياً وقانونياً  من يسوق التزوير وهو يعلم به .

وقد قادني لهذا العنوان أيضاً ما روجه موقع الكتروني وجريدة الكترونية تبعها البعض الآخر لرسالة مزورة  نسبت للأخ أبوخالد العملة رغم معرفة من يشرف على هذه المواقع بأنها مزورة إن لم يكونوا هم بأنفسهم قد زوروها بقرار من جهات لا داعي لذكرها في هذا المقال وربما تتاح لنا  فرصة أخرى للحديث بشكل موسع عن هذا الموضوع وهذه الجهات .

المدهش في الأمر أنه برغم كل الدلائل التي ظهرت لتكذيب الرسالة ومرسليها الا أن بعض المواقع أبقت عليها في صدر صفحتها الأولى ورفضت نشر التكذيب الوارد من المعنى وضحية هذا التزوير وأقصد به أبو خالد العملة . كما رفضت نشر تعقيباتي التوضيحية ورسائلي بالخصوص ،في سلوك دلالي يشير بوضوح لتعمد نشر التزوير إن لم يكن صناعته .

والى هنا ربما نطوى الصفحة ونسامح ، لكن أن تستمر هذه المواقع في خداع الكتاب والقراء بإلقاء الشبهة على الرسالة الحقيقية وهى تعلم في الحد الأدنى مصدرها ومن كتبها وكيف وصلت لهذه المواقع ، في الوقت الذي تخفى فيه مصدر المزورة ومن أين أتت في تحدى واضح لكل القيم الأخلاقية وأصول النشر تحت زعم حرية النشر وحرية الرد فهذا ما لا يجب السكوت عنه . وحتى تكتمل الصورة الهزلية لهذا الموضوع يتنطح بعض الكتاب، ممن يفترض أنهم الأحرص على عدم نشر ثقافة التزوير، لنقاش وتحليل الرسالة المزورة، وكأن  قضية التزوير لا وجود لها ، وتصبح المسألة الأهم مضمون المزوٌِِر ومدى مطابقته لرغبة هذا الكاتب أو ذاك، ليس هذا فحسب، بل ذهب البعض الى حد القول بضرورة تحويل الرسالة الى القاضي المحقق في اغتيال الحريري وبعض الاغتيالات السابقة والواردة نصاً في الرسالة المزورة .

وذهب آخر بشكل مشبوه ومغرض الى حد محاكمة الأخ أبو خالد بناءً على هذه الرسالة والقول بأنه يستحق الإعدام ولا وجوب لاى رأفة معه رغم اعترافاته وطلبه السماح والعفو على حد زعم كاتب الرسالة المزورة ومنطوقها، والموقع الذي نشرها، والآخر الذي أصر عليها رغم اتضاح الحقيقة. وعلى الرغم من فهم الكثيرين لخلفية هؤلاء في اقتناص الفرصة للنيل من شخص أبو خالد وإدانة سلوكه السياسي وانتفاضة فتح استطراداً ، فان العديد من القراء وخصوصاً الشباب وصغار السن لا يعرفون الوقائع التي رويت سواء في الرسالة المزورة أو المقالات المبنية عليها ، وبالتالي فان هذا يقود حتماً الى تزوير في الوعي وفى التاريخ ، وكان يمكن لهؤلاء ولهذه المواقع أن تتناول الرجل مباشرة وتقوم بقول كل ما تريد حوله وعليه وتثير كل غبار الدنيا فوق رأسه ، لكن ليس بهذه الطريقة الجبانة والمفضوحة وبهذا التزوير المتعمد . وفى هذا يقع اللوم بهذا القدر أو ذاك على كل من عقب على الرسالة وهو يعرف أنها مزورة ، ولا تبرير له حتى لو ادعى أن ما ورد فيها شأن عام ويتناول تاريخ ثورة وانشقاق .

إن قضية الانتفاضة داخل فتح مجال واسع للنقاش وسواء كان المرء من رافضيها أو مؤيديها فان النقاش الصريح والشجاع للمسألة وعدم شخصنتها هو الذي يقود للصواب ولرؤية المستقبل المأمول لحركة فتح وللمقاومة الفلسطينية بشكل عام .

إن إدانة أبو خالد أمر قد نتفق عليه وقد نختلف ، لكن ما لا يجب أن نختلف عليه هو تزوير رأي أبو خالد أو مصادرة حقه وشخصه في ترهات مغرضة وسواء كان المرء يعرف الرجل أو يجهله فان دواعي الأخلاق وأصول المهنة تمنعه من تقويل الرجل ما لم يقله .

إن حساسية الأمر وتلفيقه قد التقطه البعض وبنى عليه موقف باعتبار الرسالة حقيقية وبعض هؤلاء من حسنى النية ، بينما نجد آخرين يلتقطون الأمر ويبنون  عليه وهم يعرفون بأنه مزور وهؤلاء من يجب أن يوجه لهم اللوم ، وبغض النظر عمن جرى التزوير باسمه .

إننا ندين هذا المرض الخطير وندعو كل الكتاب والمواقع والصحف للتثبت من الحقيقة قبل نشرها ، ومن مصدر المعلومة قبل إلقائها بين يدي القارىء وعلى وجه الخصوص التيقن من صاحب أي رسالة أو رأى قبل نشره أو إشاعته لأن الخطأ هنا ربما يكون مميتاً وكلنا نعرف وقائع جرت كان الثمن لهذا النوع من الأخطاء بل الخطيئة أرواح بشر وتدمير دول وحضارات.

إن رسالة أبو خالد العملة المزورة والردود عليها تمثل نموذج لما يمكن أن نواجهه في المستقبل بل نحن نواجهه الآن ويستخدم ضدنا في حرب غير أخلاقية تديرها أمريكا وحليفتها في المنطقة وعملاؤهما ضد كل الشرفاء والمقاومين في هذه الأمة .

إن تزوير الوقائع والقوانين والأقوال .... الى آخر ما تخترعه آلة الدعاية الإمبريالية ضدنا يشكل سلاحاً فتاكاً يتوجب على الجميع مقاومته بتحصين أنفسنا وأجيالنا ضده وعدم السماح بنشره أو استسهال التعاطي معه بهذه الخفة التي عالجنا بها رسالة أبو خالد ، وهذا ما يجب أن يدركه كل الكتاب الذين أدلوا بآراء بنيت على تزوير رسالة ، برغم كل ما يمكن أن تتضمنه هذه الرسالة من وقائع حقيقية .

إن تزوير الأدلة على وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق تظهر الى أي مدى يمكن أن تصل إليه عواقب مثل هذا السلوك المشين ، وبرغم تبرؤ السيد كولن باول من ذلك وحديثه عن سلوك مشين لإدارته،  واعتذاره عن ذلك، الا أن الذريعة المزورة كانت قد نشرت وصدقها أغلبية الناس ، أما الزعماء وأمريكا ذاتها فقد كانوا يعرفون زيف هذه الأدلة لكنهم يريدون ضرب العراق وإسقاط نظامه البعثي العربي كما يريدون إرضاء أمريكا خصوصاً قادتنا الأشاوس زعماء الدول العربية ، وهم بهذا قد مارسوا ما مارسه بعض كتابنا الذين كانوا يعرفون حقيقة الرسالة المزورة لكنهم كانوا يريدون إدانة الانتفاضة وربطاً السيد أبو خالد العملة . إن التزوير مرفوض من حيث المبدأ ولا يمكن تبريره تحت أي عنوان اللهم الا إذا اضطررنا له في مواجهة العدو الصهيوني أو الاحتلال الامريكى للعراق .

إن حرصنا على توضيح الخطر الكامن في الآفات الثلاث  انطلاقاً من نماذج تابعناها أو صادف أن عايشناها على مواقع النت وصحفه لا يلغى عشرات النماذج التي يمكن أن تكون موجودة أمام الإخوة الكتاب والقراء كما الوقائع والنماذج التي يمكن أن ترد مستقبلاً ، ومن أجل هذا المستقبل لنا ولامتنا ولفلسطيننا على وجه الخصوص تأتى دعوتنا لمقاومتها وعدم التهاون معها ، وكل موقف متهاون أو متردد في مواجهتها مدان ، خصوصاً اؤلئك الذين يجاملون المشرفين على المواقع والتجاوز عن خطاياهم رغم وضوحها ووقاحتها تحت ذريعة عدم إغضابهم خوفاً من طردهم من هذه المواقع، أو عدم نشر مقالاتهم ، ولهذا الموضوع مقال من نوع آخر . المهم أن نقوم بما تفرضه علينا أخلاق الكتابة النزيهة والمنصفة ... والشجاعة.

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home