مقال

 

رصاصات تناثرت ليلاً....... والدماء التي سالت تعود لشخص اسمه

محمد عثمان



رصاصات تناثرت ليلاً....... والدماء التي سالت تعود لشخص اسمه فلسطيني(قصة ابو ذكي)

محمد عثمان

كنت اجلس على الانترنت , اتصفح بعض المواقع الاخبارية واتحدث عبر بريدي الالكتروني, واذ بصديق لي يعمل في جهاز الامن الوطني في مدينة غزة , قال لي انه يريد ان يعطيني بعض المعلومات عن ليلة دامية بين قوات الامن الوطني والقوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية , فطلبت منه ان يسرد لي ما حصل خلال مقابلة , وبالفعل اجريت معه مقابلة , ولكنه طلب مني عدم ذكر اسمه لعدم جر المشاكل له , نظرا لانه الساحة الفلسطينية متوترة هذه الايام, وهذا نص المقابلة.

 

1/ في البداية ما هو رأيك بالإحداث الجارية بين حركتي فتح وحماس؟

مؤسفة جداً وعار علينا جميعاً سواء كنا تابعين أو أنصار أو إن كنا موطنين عادين لا علاقة لنا بأي تنظيم أو حزب سياسي أو عسكري ، الصمت الساكن قلوب وعقول الموطنين في غزة يحملهم الذنب الأكبر بما يحدث في الشارع الفلسطيني أقصد وبمعني أوضح أننا اخترنا اللجوء إلى الخوف والهروب من الحقيقة والتزمنا البيوت بدلا عن الخروج إلى الشارع ومطالبة الطرفين بالتهدئة والعودة إلى النهج الأساسي للانتفاضة وهو المقاومة وتحرير الأرض والمقدسات ، لم نمنع أبنائنا من حركة فتح وأبناء الأجهزة الامنيه وأبنائنا في حركة حماس والقوة التنفذيه الخروج إلي الشارع ، لم يمنع الأب أبنه حينما ارتدي الكوفية السوداء وحمل سلاحه خارج ليقتل أبن عمه أو جاره لم تمنع الأم أبنها حينما وضع علي رأسه القناع وشريط مكتوب عليه كتائب القسام لم يمنع الأخ والجار الاخوه في القوه التنفذيه من الخروج لمواجهة أخوانهم ورفاق دربهم في حركة فتح ، الطرفان وضعوا غزة في صورة سوداء ونحن دعمنا هذه الصورة بالصمت والخوف
أذكر قبل فترة من الزمن ليست بالبعيده الأطفال الذين يهرعون إلى مكان القصف الإسرائيلي بدون خوف من الطائرات والدبابات أذكر فارس عودة وتحديه لدبابة اسرائيليه غاشمة ولكن اليوم لا اذكر أنني رأيت أحدهم يقول لا للعنف لا للاقتتال .

2/ ما اسم المقر العسكري الذي كنت تتواجد فيه وأين يقع بالتحديد؟

أنا موجود في كل المقرات العسكرية وكل الخنادق القتالية أنا موجود في مراكز الشرطة ومواقع القوة التنفيذية أنا العسكري المقاتل في سبيل الوطن ولقمة العيش أنا الأمن الوطني والوقائي والرئاسي ، من هم مثلي موجودين في كل الأماكن المواقع العسكرية والأمنية والشرطية .
مكان عملي بالتحديد قيادة الأمن الوطني العباس

 

3/كيف بدأت الإحداث في المقر الذي كنت تتواجد به, وما هي الشرارة الأولى

لها؟

لا اذكر بالضبط التوقيت الذي بدأ فيه الاشتباك بين أفراد من القوة التنفذيه وأفراد القوة التابعة لمقر العباس باقسامه الأمن الوطني والشرطة المدنية والمباحث الجنائية ولكن الأحداث كانت قائمه منذ الصباح وكان هناك اشتباكات دامية بين الأمن الوطني والقوة التنفذيه وكتائب القسام في شمال قطاع غزة وبالتحديد عن الإدارة المدنية عندما حاولت مجموعة كبيرة من القوة التنفيذية وكتائب القسام اقتحام مقرات الأمن الوطني والسيطرة عليها ، أثناء هذه الاشتباكات كان هناك أكثر من حدث يستهدف ضباط وعناصر من الأمن الوطني ومن هذه الأحداث اختطاف قائد المنطقة الوسطي لقوات الأمن الوطني العميد شعبان أبوعصر وأفراد عائلته بالكامل وأخر قائد كتيبة في الشمال وإصابة عدد من جنود تابعين للكتيبتين الثانية والثالثة التابعتين للمنطقة الشمالية واقتحام مقر للأمن الوطني والسيطرة عليه وأخذ بعض الضباط كرهائن لديهم وإصابة أحد أفراد قوة الأمن والحماية التابعة لمقر العباس قيادة الأمن الوطني برصاصة في رأسه أدت إلى مقتله على الفور, كانت الدورية التي تحمل الشهيد محمد خطاب وزملائه الباقين متوجهة إلى مقر الكتيبة الثانيه لدعم القوة هناك ، أثناء هذه الإحداث كنت متواجد بداخل المقر العام أستمع للاخبار عبر الراديو فجأة سمعنا تبادل إطلاق نار قريب جداً خرجنا الي الشارع فوجدنا الدورية التابعه لنا وللشرطة الواقعة بالقرب من سلطة الترخيص قد أخذت سواتر خلف المكعبات الاسمنتيه  وتطلق النار بأتجاه الشارع المقابل هرعنا الي هناك كي نطوق الحدث ونوقف إطلاق النار إن كان بدون سبب ، حينما وصلنا الى هناك وجدنا سيارة من نوع(فلوكس) متوقفة في وسط الطريق ، بحمد الله تم وقف أطلاق النار من طرفنا ومن طرف الاخوه في القوة التنفذيه وأخذنا بالتحاور عن بعد مع أحدهم عن تسليم أنفسهم لنا كي لا تزيد المشكله تعقيدا ونجد طريقة نسعف بها المصابين منهم مع العلم أن في هذه الليله لم تقبل أي من المستشفيات ارسال أي سيارة اسعاف وكما قال البعض أن القوة التنفذيه وبعض الاجهزة الامنيه تمنع تحرك الاسعافات أو تستولي عليها للتنقل بها ، تم التفاوض مع الاخوه في القوة التنفذيه وتقدمت أنا وشخص أخر الى مكان السيارة بحماية بعض العسكريين الموجودين في المكان للاسف وجدنا الشخص الوحيد القادر على الحديث قد اصيب الاخر في قدمه اليسري بطلق ناري ولكن اصابته الحمدلله كانت بسيطه اخذت منه السلاح ورافقته الى المكتب , و كلماته لن انسها أبداً حينما :

قال : إنني أحفظ القرآن إنني أصلي والله لم ارفع هذه السلاح في وجه مسلم نحن كنا قد اشتبكنا مع الشرطة في مكان أخر ولدينا مصاب في السيارة وقد فارق الحياه ,في الطريق

 صرخت في وجهه ولماذا أتيت الي هنا شاهر سلاحك في وجه أخوانك في الامن الوطني ؟!!!ولماذا اطلقت النار عليهم؟!!!

 قال : لقد ارتبكت عندما شاهدت العساكر مقنعين واقفين خلف المكعبات الاسمنتية هذه


قلت : لقد كنتم أكثر من سيارة الأولي عدًت من أمام الشباب ولم تطلق النار مع أنها سيارة عسكرية وتحمل شعار القوة التنفيذية ولكنهم لم يطلقوا النار علينا وساروا إلى طريقم في أمان دون أي إزعاج أو أرباك للموقف من طرف شباب الأمن الوطني .
سلمت هذا الشاب إلى أول ضابط وعدت إلي الآخرين خلف السيارة ، لقد كان مشهد لن أنساه طول حياتي كانت بمثابة صدمه كبيره لي عندما وجدت شابين في مقتبل العمر قد أخذتهم الغفلة والخطابات الكاذبة والرنانة إلى الهلاك ، لقد وجدت واحد يلتقط أنفاسه عنوه ويتألم ويضع سلاحه بين يديه تقدمت له وقلت كن مع الله وأحتسب ستعود لأهلك إن شاء الله قال لي سامحني يا أخي ولا تفعل مثلما فعلت لا تغرك الخطابات أو المال .
لقد أحضرنا المصابين إلى مقر العباس جميعهم ولكن أحدهم قد فارق الحياة هناك في السيارة
حسبي الله ونعم الوكيل حـــرام والله حرام إلى بنعمله بحالنا والله حرام .
لقد بكيت على أخي وصديقي محمد خطاب وأبكاني الشاب الأخر الذي خرج من بيته حاملا سلاحه ليحاربني ، ماذا فعلنا لهم كي يلقوا علينا قذيفة مضادة للدبابات؟ لماذا يطلقون النار علينا ؟
انتفضت أعصابي وخرجت عن سيطرة العقل والحس حملت السلاح وخرجت إلي الشارع وذهبت باتجاه مجمع الشفاء الطبي ، وأطلقت النار باتجاه البوابة الاخيره للمستشفي وأخذت بالصراخ , ولم يكن احد يوجد على البوابة, وبعد ذلك اخذني اصدقائي عنوة الى المقر , لاني كنت في حالة يرثى لها.


حــــــــــــــرام ، ماذا فعلنا بأنفسنا
شاهر السلاح في وجه أخوه المسلم حرام
وهم يعتقدون بأننا كفره مرتدين ، والله والله والله لا دين لمن يحمل السلاح في وجه أخوه المسلم ، قل لي  ماذا نفعل؟ نجلس حتي نموت هكذا؟ لا وألف لا !!!

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لاتحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ مسلم من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه".صدق رسول الله
سؤال صريح : أنت مصاب ولديك جثه هامدة في السيارة وأنت في موقف صعب لماذا تطلق النار على قوة جيش  كبيره موجود في المكان؟ ، أقسم بالله لو مروا بدون إطلاق النار كان ما حدث كل هذا .
صدمه لن أخرج منها مهما عشت ، حتي وإنني متأكد أنني لم أطلق النار مباشره على أي إنسان ولكن أحاسب نفسي وأحملها الذنب بكل ما حدث هناك وأحمل الذنب لكل إنسان بدون صفات وألقاب .
لم أكن الوحيد بل كل من كان في المكان منهم من بكي ومنهم من صرخ ومنهم من فضل الصمت والابتعاد ولكنهم كما شاهدت والله إن لم تبكي عيونهم بكت قلوبهم
قال أحدهم : لو أن هذا الشاب أخي ويعمل ضمن القوة التنفيذية وأصيب هكذا ومات ماذا سأفعل حينها ، بدون تردد سأحمل سلاحه وأنتقم له .

وقال أخر : لو أن هذا الشاب يعمل في القوة ليجني لقمة عيش أطفاله وقتل أثناء معركة خاسره ماذا سيحل بأطفاله وزوجته من بعده ، وعندما يكبر الأطفال ماذا ستقول الأم لأطفالها مات أبوك وهو يحارب أخوه وجاره وعمه وخاله وأبن وطنه ، إنها معركة خاسره لا محالة من يموت ستدفن معه كل الخلافات وستعود فتح وحماس وقادة التنظيمات إلى الشارع لتحارب جنب إلى جنب العدو الأول والأخير إسرائيل .
وقال أخر يتألم ويركع على قدميه لو أننا مصابين الآن ووجدتنا القوة التنفيذية ماذا ستفعل بنا بكل تأكيد ستعدمنا إن كانت فينا الروح ، مشهد قاتل رفع هذا الشاب يديه إلى السماء وقال يارب ألهمنا الصبر يارب أجعل موتي علي يد العدو مش الأخ .
أمطرت السماء باكيه حزينة ، وبكيت معها حينما شاهدت دماء أخواني في حماس تجري مجري الماء نحوا المجهول .

 

4/ برأيك هل ما يروج له إفراد حماس بأن فتح والأجهزة العسكرية أصبحت عناصر انقلابية على حماس هو صحيح؟

لم يروج أفراد حركة حماس لشيء ولكن بعض القيادات البارزة في الحركة وليس الأفراد هم من يروجون الفتن وخاصة القائمين على الحركة من الخارج وليس من الداخل من يبحثون عن المصلحة الشخصية والمكانة السياسية هم من يخلقوا هذه الاتهامات الباطلة الحاقدة ، حتي لو أتينا إلى قادة حركة حماس في الداخل هناك من يحمل في قلبه حقد من ماضي أليم تعرض له من قبل آخرين في حركة فتح يبحثون عن مصالحهم الشخصية لا أكثر , وهنا نحن الضحية نحن كبش الفداء لهم دوماً ، ولكنني متأكد أن هناك شخصيات معروفه ولها مكانه كبيره في حركة حماس لا تقبل هذا الوضع وأنها لا تبحث عن الاقتتال الداخلي أو عن بث أي اتهامات لأحد ولكنها للأسف مثلنا نحن لا نملك القرار كون أولياء الأمر يأمرون وينهون ، الطرفان فيهم من يبحث عن الفوضى والاقتتال وهذا لمصلحه شخصية لا أكثر وكما أخبرتك نحن كبش الفداء سواء كنا العسكريين أو المقاتلين في فتح أو المجاهدين في حماس ، كانوا في السابق يقولن أن الشهيد عبرالعزيز الرنتسيي رجل دموي وحاقد وأنه حلل دم أبناء حركة فتح في يوم من الأيام رحم الله الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأسكنه فسيح جناته ، لم أعهد في حياته أي اقتتال دموي مثل ما يحدث ألان ، الحمد لله تاريخ هذا القائد البطل ناصع البياض بخلاف تاريخ آخرين حملوا القضية الفلسطينية عبر أجنده إيرانية أمريكية حاقدة

5/ هل لك أن تذكر لي بعض مما شاهدت داخل المقر العسكري الذي كنت تتواجد به(قتلى وجرحي) وما هو رأي العسكريين الذين كانوا معك داخل المقر فيما جرى؟

في اليوم الأول للإحداث كانت هناك إصابة واحدة من أفراد الأمن  الوطني وتم إسعافه داخل المقر لأن أصابته كانت طفيفة الحمد لله ، وكان هناك المصابين من الاخوه في القوة التنفيذية ومعهم شاب أخر قد فارق الحياة وهم في طريقهم إلينا أثر اشتباك مع الاخوه في الشرطة المدنية أدي للأسف إلي موت هذا الشاب ، أما عن العسكريين الموجودين داخل المقر كان همهم الأكبر نقل أفراد التنفيذية إلى المستشفي وهناك مقوله سمعتها ألف مره يومها :

حرام لازم نلحق الباقي قبل ما يموت واحد فيهم ما بدنا نتحمل خطية الشباب ,
أما عن رأي العسكريين فهناك أراء كثيرة منها أن ما يحدث لعبة كبار ستنتهي حينما يريدون هم وليس نحن وأن كل من يموت الآن ظُلِم وراحت عليه

ولكن الشعور الذي أصاب العسكريين حينما نقلوا المصابين إلى المقر كان قاسي جداً ، صدمني أحد الإفراد الذين يعملون داخل المقر ونظام عمله إداري يعني لا يخرج الى الشارع , صُعِقت حينما وجدته يبكي وينتحب ويقول: "حرام نموت هيك حرام إلى بيصير فينا كلنا بنتحمل الذنب حتى لو ما طلعنا بالشارع أحنا مش قادرين نوقف الكبار عند حدهم" .

صدقني ساد الحزن والبكاء المكان ، مع أن زميلهم قتل على يد القوة التنفيذية ولكن الضمير كان مستيقظ فيهم وكانوا أكثرغضبا وحقدا علي القيادات , كانت قلوب البعض تتمزق فمنهم من عرف الشاب الذي توفي ومنهم من لم يحتمل الموقف
كانت هناك إصابات أخري خلال الأيام التي تلت الحدث منها قصف المقر كان هناك إصابات بين العسكريين ونقلوا إلي مستشفي القدس كي يتلقوا العلاج هناك

6/ في النهاية ماذا تتمنى بعد هذا الدم الفلسطيني الفلسطيني الذي سال على ارض غزة؟

أتمني من الله أن تتوحد الصفوف ويعود الاخوه إلى البيت الفلسطيني الفلسطيني وليس الأمريكي الإيراني ، وتحقن الدماء وتتوقف كل الاتهامات ويجتمع الاخوه لبناء الوطن وتحرير الأرض والمقدسات , ولياخذ  الجميع مما حدث عِبرة ويتذكر أن هناك خلف القضبان من هم ينتظرونا نطالب بحريتهم ، وأن هناك في اللجوء من ينتظرنا لنحرر الأرض وكي لا ننسي شهداء الانتفاضة المجيدة الذين قدموا أرواحهم فداء حرية هذا الشعب يجب علينا أن نكمل طريق الكفاح والجهاد ونلقي بالخلافات الداخلية إلي الوراء.

اجرى اللقاء

محمد عثمان




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home