القلم العلمي

 

هل تندثر الفصحى؟

أحمد بنميمون



هل تندثر الفصحى؟


المغرب ـ أحمد بنميمون

      كان د. عماد عبد الرازق قد انطلق فيما كتبه بالقدس العربي* مما بشبه البشرى ، حين أشار إلى ما (أنجزته) الفضائيات العربية من توحيد للعرب وهي تقدم وتطيل في نشرات أخبار متفصحة،عاميتنا أفصح منها بما لا يقاس، لأنها تضج بكل خطأ لغوي لا يقوى على تصحيحه إلا الراسخون في علوم اللغة ، وبعض ذلك أشار إليه إبراهيم اليازجي في كتابه (أخطاء المطابع )وليت ما يرتكب من أخطاء على ألسنة المذيعين والمذيعات مما يقبل الضبط أو المتابعة ، فنصنع بعض المعروف بمتابعته وتحقيقه، ولكنه من الكثرة بحيث لا يحصره العد. لذلك نقول إن اللغة الفصحى ـ التي عددت من محاسنها قدرتها على توحيد العرب ـ لم تعد مهددة فقط بالاندثار، بل يمكن أن نعترف ، إذا تحلينا ببعض الشجاعة ، بأنها اندثرت،وأن نسبة البقية الباقية منها تعاني من عيوب تثبت اندثارها الفعلي،ألم تسجل معي تلك العبارة التي يقابل بها أي تعبير فصيح في الأفلام والمسلسلات المصرية (متكلمنيش بالنحوي)مع ما تستلزمه من جرعة استنكار أو استهزاء.تجعل المتفرج يربأ بنفسه عن الإتيان بأي قدر من الفصيح في لغته اليومية. إذن، فلنكن مسكونين بهاجس اندثار الفصحى، ونحن نطلق صيحات بل صرخات بل صفارات إنذار، مؤكدين أنه لن ينفع في الإبقاء على فصحانا الجميلة والعظيمة أنها لغة القرآن الكريم ، فإن الاطمئنان إلى هذا الاعتقاد شبيه باتباع سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال،أو هو بصريح العبارة شبيه بالقول: إن للبيت ربا يحميه. فلذلك فلا داعي للقلق ما دامت العربية لسان الوحي  الذي سيتولى الله سبحانه حفظه، ورغم إيماننا الديني بذلك، فإن كثيرا من القلق على العربية الفصحى ينتابنا، ولو شئت الحقيقة فإن جانبا شديد الخطورة مما يمثله التيار الأصولي ناتج عن جهل كثير من المسلمين العرب بالفصحى، وكونهم غير قادرين على قراءة القرآن الكريم قراءة مستقلة، بل إن إقراءهم إياه يكون دائما بتوجيه من هذا التيار أو ذاك المفسر . وباختصار فإننا نستطيع أن نكون في طليعة من يتصدون لخطر الاندثار الماحق كما وصفته، بتنبيهنا الناس إلى ما يهددنا فعلا، وهو يعمل على أن يصيبنا في عمق هويتنا الثقافية ،ليس بفعل الغزو الثقافي ، فنحن لا ندعو إلى التحجر ولا إلى الانغلاق والتزمت، بل بالعودة إلى المقاومة الثقافية التي تعمل ضدا على الانحطاط الفكري، والتردي السياسي والسقوط الحضاري والهزيمة الشاملة التي أصبحت تحدق بنا من كل جانب ، بل إنها أصبحت تتغلغل حتى إلى الداخل ، فتنشب أظفارها في قلوبنا وألسنتنا، وصدق الناظم (أو الشاعر) حين قال :

كفى بالمرء عيبا أن تراه * له وجه وليس له لسانُ

صدقَ شاعر اليمن المعاصر عبد الله البردوني البردوني إذ يقول

فظيع جهل ما يجري  وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين يا(لغتي)   من المستعمر السري

غـزاة لا أشاهدهم   وسيف الغزو في صدري

مع هذا الاعتذار عن استبدال لفظ (لغتي) بلفظ (صنعا)

التي خاطبها شاعرها منبها إياها إلى ما يهددها من غزو يأتيها من الداخل ـ بل (كنا نحن غزاة مدينتنا) كما يعبر الشاعر محمد إبراهيم أبو سنه ـ  فما أشبه الليلة بالبارحة وإنما قمنا بهذا الاستبدال لمطابقة مقتضى الحال، وللإلحاح في تنبيه الغافلين ، إلى ما  أصبحت تعاني منه لغة القرآن المبين ، بين سائر لغات العالمين، فليس صحيحا للأسف ما ذهب إليه قبل زماننا بقليل، شاعر النيل :

أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة ً  وكم عز أقوام بعز ِّ لغات ِ

أتـوا أهلهم بالمكرمات تفنناً     فيا ليتكم تأتون بالكلمـات ِ

فالأطروحة الآولى ليست صحيحة ، كما أن المطلوب من أمة الضاد  ليس تحقيق وجودها بالكلام ، بل إثبات نفسها  في ساحة العمل ، حتى لا يتطاول المولعون بجلد الذات  بأننا لسنا أكثر من ظاهرة صوتية ، فيا ليت قومنا يأتون بما هو أكثر من الكلمات ، فإن عز اللغة من عز الناطقين بها كما لا أحتاج أن أقول، إلا إذا احتاج النهار دليل.

* يوم 27/10/ 2006تحت عنوان:زمن القيود اختفى... أتحدى لو حد

انضرب بالقفا:في انحطاط اللغة وتهافت المتحدثين.. ولغة المعيزي

 

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home