مقال

 

المحاربون نياما

أحمد بنميمون



المحاربون نياما

 

قالت الشاعرة اللبنانية عناية جابر ،وهي تكتب عن شبح الحرب الأهلية التي تهدد بلدها:

(شخصيا أدين للحرب ـ علي الرغم من إنني اقضي معظمها نائمة ـ ببعض الفضائل. أدين لها بمعرفتي لنفسي، وبعض الآخرين، كما أدين لها ببهجة الانصراف كليا إلي عالم الكتب، ونوع الموسيقي الثمين، وبعدد كبير من مشاعر الفزع الإنساني قربتني من الطبيعة، والأطفال والمرضي والحيوانات. في الحرب أيضا، تعلمت مصادقة الشوارع الخالية، واللوذ برعبي إلي الشمس، وقياس الحنان الذي أكنه للعالم، بجاذبية وسائلي...ولا بأس الآن من النوم قدر ما يريد التقاتل والمتقاتلون.)

(ليس لحربنا قصة تحكى: عناية جابر ـ القدس العربي 01/02/2007)

وقلت معلقاً:

لتكن مشاركتك في الحرب بالطريقة اأهلية فيينها، بالدعوة إلى مزيد من الحذر والوعي ، لمعرفة أسبابها ومحاولة تجنبها وإبعاد شبحها وأخطارها ، عنا وعن أطفالنا ومرضانا وحيواناتنا، وحتى أيضا عن شبابنا واصحائنا والقادرين على البذل والعطاء من عناصر شعبنا،أو بهذه الطريقة  في الدعوة إلى النوم ، لكن تأكدي أن خوضنا الحرب نائمين، لا يمنع الشر من أن يحل بنا أو قريبا من بيوتنا، بل وحتى من أسرة نومنا، فكيف نمنع الحرب ؟ أبإنكار أن تكون لها قصة تحكى؟أو بأن نتغاضى عن مفهومها الزمني أو التاريخي؟ كيف لا نتساءل: لماذا كانت الحروب الأهلية في أماكن أخرى من العالم خطوة على طريق الديمقراطية،كما في الولايات المتحدة وإسبانيا مثل، ولم تكن كذلك في لبنان أو الجزائر أو أية دولة عربية إسلامية ، أو في أي جهة من العالم الثالث(ألا يزال ثالثا إلى اليوم ؟) وها أنت ما زلت ـ بعد عدة حروب أهلية في لبنان وحده ـ تلاحظين (... مع ذلك  الكره، الحقد، الصراخ الطائفي، كثيرا من اللبنانيين تسكنهم فكرة الشر وقد ابتلي البلد بهم )أم أن ما يشغلك حقا هو البحث عن ضرورات الكتابة الذاتية ، بدل البحث عن ضرورات قيام تنظيم حقيقي  اسمه الدولة,وان من مستلزمات ذلك الوصول إلى كلمة سواء، وهدف سواء، وعقد اجتماعي يحفظ الحقوق الفردية والشخصية والسياسية واالاقتصادية والثقافية، من أجل توحيد الإرادات والجهود والتطلعات وآفاق الانتظارات ، كل أولئك من ضرورات قيام تنظيم نسميه الدولة الديمقراطية، فلست مكيافيليا ولا طوباويا،ولكني استفتي أعماقي ، وأحاول بصدق أن أتمثل روح المنظومة الليبيراليةالتي  تقول في أحد أهم أفكارها إن الفرد لا يفقد حقوقه التي تكون له وهو يعيش منفردا بعد أن ينتمي إلى المجتمع ، بل إن هذا المجتمع يتولى حمايته والدفاع عن هويته ،و صون حقوقه الشخصية، و الذود عن خصوصيته. تذكرني كتاباتك ياسيدتي بما عابه يوما كاتبكم/كاتبنا اللبناني العربي: جبران خليل جبران ، حينما أشار إلى أن المواطن هو أحد رجلين: رجل يرى إلى بلده فيقول كيف أنتفع أنا من هذا البلد؟ ورجل آخر يقول كيف أستطيع أنا أن أنفع هذا البلد؟فما رأيك في الكيفية التي نستطيع بها نفع بلداننا ، أننفعها ونحن نيام ؟ أم ننفعها بالمزيد من الوعي والانتباه ، ولو بالدعوة إلى ذلك بالكتابة ، وذلك أضعف الإيمان.

لكن يبقى لي طرح سؤال على جانب كبير من الخطورة, وهو : إذا كان أمر الحرب التي نخوضها ونحن نيام محسوما بالهزيمة المؤكدة،  فما ذا يكون شأن ما نقرأه ونحن نيام أيضا ، أو شبه نيام؟ وماذا يمكن أن يكون مردود قراءة النائمين على أمة ما زالت الطليعة من أبنائها تعمل جاهدة من أجل تأسيس عادة القراءة ، لما تأكد من منافعها على الشعوب التي أسست لها القاعات الكبرى ، وشجعت عليها أجيالها جميعا، بل كيف كون انعكاس القراءة النائمة، على (وعي ) من يمارسها ، أو كتابة أديب يمارس قراءة من هذا النوع؟  إن هذا لهو أقصى ما يمكن أن يسجله قلم من مواقف  الفرار من المواجهة ، مما لا يبعث على الأمل في حصول انتصار على كافة ما يهدد مجتمعنا من آفات، بله الانتصار في معاركنا مع الآخر المحتل في فلسطين  والغازي في العراق  جهات أخرى من ديار العرب ، وإن كان الغزاة غير مشهودين بالعين، مادام  سيف الغزو في صدر الأمة، أو الآخر الذي يهدد مصيرنا الحضاري باستمرار التبعية. وقد لا نستغرب أن يظل لبنان  كأي بلد عربي آخر مهددا  بنشوب حرب أهلية  مادام  كثير من أحزابها وعشائرها  وطوائفها  لم تدرك  معنى لهذا التنظيم  الذي يجمعنا تحت اسم الدولة الحديثة، ولكننا نستغرب  ، ذلك الاستغراب المؤلم،  أن  يكون بيننا من ينتظر سلاما من أي نوع ، على أي مستوى كان، ما دام هناك من يستريح لخوض أي معركة من معارك  حياتنا الاجتماعية أو السياسية وهو نائم. حتى ولو كانت حربا أهلية في خطورة ما يجري على أرض لبنان العزيز.   

 أما شاعرنا العربي الذي سبق كاتبتنا إلى القول ، مخاطبا بني قومه:

( ناموا ولا تستيقظوا * ما فاز إلا النوَّم ُ)

فقد قال ما قاله، ساخرا مستهزئا متهكما ، وقد كان في تهكمه حكمة بلاغية أداها معروف الرصافي في زمانه على مستوي الشعر ، كما أدى من المواقف السياسية المشرفة ، ما جعله من المكرمين في تاريخ مقاومة الاستبداد ، فهلا قمنا بما يشبه ذلك في زمن نحن أحوج ما نكون إلى المقاومة بكل أنواعها.

ـ أحمد بنميمون   ـ بتاريخ :01/02/2007




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home