دراسات هامة

 

عودة إلى ابن خلدون 1

د. عبد العزيز غوردو



د. عبد العزيز غوردو
عودة* إلى ابن خلدون:
العصبية والارتزاق بالدولة المركزية المغربية الوسيطية.

بحلول سنة 2006م يكون قد مر على وفاة ابن خلدون ستة قرون، وهي محطة هامة تدعونا إلى إعادة التأمل والتفكَر في إنتاج هذا المفكر الكبير.

?- العصبية والارتزاق عند ابن خلدون: النظرية والتطبيق.
1) عرض النظرية من خلال المقدمة:
عند قراءتنا مقدمة ابن خلدون، يجب أن نتسلح بكثير من الحيطة والحذر، ذلك أن الجهاز المفاهيمي الخلدوني منتقى بعناية شديدة، ومرصوص إلى بعضه البعض بعناية أشد، وأي غفلة منا أو تهاون، قد توقعنا في خطأ نعتقد أن الكثيرين ? رغم حذرهم - وقعوا فيه، ونقصد بذلك الباحثين  الذين جعلوا من "العصبية" أساس قيام الدولة، و"الترف" سبب انهيارها. ولأهمية هذا الطرح عند هؤلاء الباحثين، نقدمه مختصرا كالتالي:
العصبية "رابطة اجتماعية سيكولوجية - شعورية أو لا شعورية - تربط أفراد جماعة معينة قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة." . إلا أن العصبية  "الطبيعية" (أو الوحشية) لا توجد إلا في البوادي حيث تقتضي ظروف الحياة الخشنة القاسية تماسكا مستمرا بين أفراد القبيلة.  والقبيلة بالمعنى الخلدوني نموذجان: نموذج تنافسي من أجل الرياسة داخل القبيلة ، ونموذج تحالفي بين عصبيات متعددة ، وهو الذي ينشأ عنه الملك أو الدولة . فالمجموعة القبلية ذات الشكل التنظيمي العسكري تعمل على تحقيق "دفاعها الذاتي، أعضاؤها مسلحون، ويتقنون القتال بقيادة الرؤساء، أما القبيلة ذات الشكل التنظيمي السياسي، فهي تتضمن جنين دولة" . إلا أن العصبية وحدها ليست كافية لتحقيق الدولة، إذ يجب لهذا الغرض وجود دعوة دينية تزيد من الالتحام والتماسك . لكن بعد أن يصل الاتحاد القبلي للملك، تتسرب إليه الحضارة ورغد العيش والرفاهية المصحوبة بالانحلال "أي انحلال وتلاشي تلك العصبية الأولى التي كانت سببا للقوة السياسية وقيام الدولة، وفي هذه الحالة تتحرك قبيلة بدوية جديدة، لا زالت محافظة على عصبيتها، نحو الحكم والسلطة." .
تحليل منسجم، متماسك، مدعوم مع كل جملة أو عبارة بنصوص من مقدمة ابن خلدون... أي باختصار اجتمعت فيه كل العناصر التي تغري الباحثين للاقتناع به ومن ثم اعتناقه. لكنه ارتكب، في اعتقادنا، خطأ منهجيا فادحا عندما وضع "الترف" نقيضا "للعصبية" ونافيها.
فالذي ينفي المفهوم، يجب أن يكون من جنسه في التعريف العام، حتى ولو كان نقيضه في المعنى. وهذا ما يمكن طرحه عبر الصياغة الرياضية التالية:
الحضر?الترف # البداوة ? الخشونة: (مفاهيم ثقافية اجتماعية).
العصبية ? قيام الدولة # الارتزاق ? سقوطها: (مفاهيم سياسية عسكرية).
فالذي ينفي "العصبية" - في رأينا - ليس "الترف" (المفهوم الثقافي الاجتماعي الذي يشير إلى نمط في العيش زمن الدعة ورغد العيش...)، بل مفهوم من جنسه - العصبية - (المفهوم السياسي العسكري الذي يحيل على تجانس بين أفراد القبيلة الواحدة، المتوحدين ضد الآخرين من أجل تأسيس الدولة.)، وهذا المفهوم النقيض هو "الارتزاق"، أي استغناء الدولة عن العصبية التي أقامتها، ولجوؤها إلى الغرباء للدفاع عنها وحمايتها. وهذا ما يتضح فعلا عند متابعة الإشكالية في "المقدمة". فقد كتب ابن خلدون فصلا عن هذا التضاد بعنوان: "فصل في أنه إذا استقرت الدولة وتمهدت قد تستغني عن العصبية." ، فيكون استظهارها حينئذ "إما بالموالي والمصطنعين الذين نشؤوا في ظل العصبية وغيرها، وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها." ، ويقدم عن ذلك أمثلة من المشرق والمغرب الإسلاميين: "فمثل ذلك وقع لبني العباس، فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق، واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم."  ، "وكذا صنهاجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها..."  ، "وكذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب، استولى ملوك الطوائف على أمرها... فاستظهروا على أمرهم بالموالي والمصطنعين والطراء  على الأندلس من أهل العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم، اقتداء بالدولة في آخر أمرها في الاستظهار بهم، حين ضعفت عصبية العرب، واستبد ابن أبي عامر على الدولة." . ومما يؤكد طرحنا أن ابن خلدون ينتقد بشدة وبصراحة من يعتقد غير ذلك، فيقول: "وقد ظن الطرطوشي أن حامية الدول بإطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض مع الأهلة، ذكر ذلك في كتابه الذي سماه "سراج الملوك". وكلامه لا يتناول تأسيس الدول العامة في أولها، وإنما هو مخصوص بالدول الأخيرة بعد التمهيد واستقرار الملك في النصاب واستحكام الصبغة لأهله. فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها وخلق جدتها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع، ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالأجر على المدافعة... وكان (الطرطوشي) في إيالة المستعين بن هود وابنه المظفر أهل سرقسطة، ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شيء لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلاثمائة من السنين وهلاكهم، ولم ير إلا سلطانا مستبدا بالملك عن عشائره، قد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة وبقية العصبية، فهو لذلك لا ينازع فيه، ويستعين على أمره بالأجراء من المرتزقة، فأطلق الطرطوشي القول في ذلك، ولم يتفطن لكيفية الأمر منذ أول الدولة..." .
إن الملك لا يتم إلا بالعصبية ، والعصبية "متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى فتغلبها وتستولي عليها." ، وهكذا تتشكل عصبية كبرى تسند زمام أمرها "لقوم أهل بيت أو رياسة فيهم، ولا بد أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم، فيتعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها."  .
ممارسة الحكم بهذا المعنى تعتمد منطقا عشائريا بالأساس أول الأمر، "ومعروف أن المنطق العشائري يعتمد بدوره التوزيع والإشراك والتقيد بمبدأ الحفاظ على التوازن بين مختلف الفصائل والمكونات العصبية." ، ويتحقق هذا التوازن اعتمادا على التفاهم والتراضي. لكن بعد قيام الدولة "والدخول في مرحلة التنظيم والتدبير المتعدد الواجهات، فالملاحظ أن الحاكم سرعان ما يتخلى عن منهجية التراضي ليجنح للانفراد بالبث في المهمات والاستئثار بالحكم." . ذلك أن السلطان، بعد أن يصبح رئيسا للعصبيات كلها، تفرض عليه "الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة... فتجذع حينئذ أنوف العصبيات، وتفلج شكائمهم على أن يسموا إلى مشاركته في التحكم، وتقرع عصبيتهم عن ذلك، وينفرد به ما استطاع، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا." ، لهذا يلجأ صاحب الدولة إلى المرتزقة. وقد كتب ابن خلدون فصلا في استظهار صاحب الدولة على قومه وأهل عصبيته بالموالي والمصطنعين، قال فيه: "إن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه، فهم عصابته وظهراؤه على شأنه." ، هذا "ما دام الطور الأول للدولة... فإذا جاء الطور الثاني وظهر الاستبداد عنهم... صاروا في حقيقة الأمر من بعض أعدائه، واحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر بهم عليهم، ويتولاهم دونهم... فيستخلصهم صاحب الدولة حينئذ، ويخصهم بمزيد من التكرمة والإيثار... ويقلدهم جليل الأعمال... لأنهم حينئذ أولياؤه الأقربون ونصحاؤه المخلصون. وذلك حينئذ مؤذن باهتضام الدولة، وعلامة على المرض المزمن فيها... ولا يطمع في برئها من هذا الداء." .

 2) مطابقة الخلدونية مع العبر:
لاحظ "فون سيفرز"  أن ابن خلدون، وهو يحلل الإمبراطوريات الغازية في تاريخ الإسلام وشمال أفريقيا، أشار إلى أن تقنية السلاح كانت دائما أكثر تقدما من تقنية الإنتاج والنقل. كما لاحظ بأنه في الوقت الذي كان فيه ابن خلدون يضع الكتابات الأولى لمقدمته، كانت الضفة الأخرى للمتوسط (أوربا) قد بدأت في وضع التجارب الأولى للسلاح الجديد المرتكز على البارود.  فهل أثر ذلك على الذهنية الخلدونية أثناء صياغة العصبية والارتزاق، خاصة وأن ابن خلدون عاصر دولا مغاربية استعانت - كلها وبدون استثناء - بعناصر مرتزقة (بما فيها المسيحية)، كما أنه من أقدم المصادر التي تحدثت عن استخدام المغاربة للسلاح الناري  الذي بدأ يرجح ميزان القوى - لأول مرة ومنذ عدة قرون - لصالح القوى المسيحية غرب المتوسط؟
في ظل هذه الظرفية، ولا نريد أن نفصل في ظروف نشأة وتكوين ابن خلدون،  نضجت النظرية في ذهن الرجل، فصاغها في المقدمة.
تنقسم المقدمة إلى أربعة محاور كبرى، يتعلق الأول منها بحرفة المؤرخ أو الصناعة التاريخية ، ويرتبط الثاني بتنظيم المجتمع داخل وسطه البيئي (الأقاليم الجغرافية، وأجيال البدو والحضر، وطبيعة الملك وأنواعه...)  أما المحور الثالث فيدور حول الحياة الاقتصادية، أي المعاش ووجوه اكتسابه (الفلاحة والحرف والتجارة) ، بينما يتكلم ابن خلدون في المحور الرابع والأخير عن المعارف والعلوم الإنسانية العامة التي انتشرت إلى حدود عصره.  ومن مجموع هذا النتاج يتكون العمران البشري.
لكن ابن خلدون لم يطرح المسألة بهذه البساطة، بل ربطها بطريقة جدلية مع المضمون الاجتماعي، أي محتوى المجتمع البشري أو الأنساق الاجتماعية من جهة، وتطور الجهاز الحاكم أو الدولة من جهة ثانية. لذلك فهو في "العبر" لا يتابع القبيلة في علاقات أفرادها اليومية: كيف يتعايشون؟ كيف يتزوجون؟ أو كيف يشتغلون وينتجون؟... وذلك ليس عن جهل منه بهذه القضايا والمواضيع، وإنما لأنه ركز كل اهتمامه على القبيلة في مشروعها السياسي. وبهذا يكون ابن خلدون من المؤرخين السياسيين المتطورين، وعظمته تكمن في أنه انتبه إلى الفعل الاجتماعي داخل الحدث السياسي.
هذه خطة ابن خلدون في العبر: متابعة المشروع السياسي لدى القبيلة، كما تصوره وصاغه في المقدمة، ومن يبحث عن شيء آخر غير ذلك في الإنتاج الخلدوني يكون واهما.  لذلك نعتقد بأن تاريخ ابن خلدون  فريد من نوعه في منهجه.
ففي حين قدمت الإسطوغرافيا الكلاسيكية المغربية، التي توجها الناصري، تاريخ المغرب على أنه تاريخ اتصال الإسلام به: فتاريخ المغرب يبدأ في الشرق مع فترة النبوة، ويتواصل مع الفتوحات الإسلامية لشمال أفريقيا وهكذا... وقدمت المدونات التاريخية الإسلامية الكبرى، التي وضع منهجها الطبري،  تاريخها بدء بالحديث عن الزمن وبدء الخليقة وقصة آدم، نزولا مع تاريخ الأنبياء والأمم التي عاصرتهم، ووصولا إلى الدعوة النبوية وتاريخ الإسلام، حيث يتحلل التاريخ في حوليات تنتهي بعصر المؤلف... نجد ابن خلدون يعرض علينا تصورا مختلفا خاصا يتفرد به.
فهو لا يبدأ تاريخه ببدء الخليقة وقصة آدم، كما فعل أصحاب التاريخ العام من المشارقة، ولا يبدأ تاريخ المغرب ببدء الدعوة النبوية ونزول الوحي كما فعل المغاربة، بل بدأ بتحديد أجيال العرب وأنساب الأمم ، ومنهجية حصر ذلك . وهكذا قسم  الأمم - بما فيها العرب - إلى طبقات، وتتبعها طبقة طبقة ، فقسم طبقات العرب أولا إلى ثلاث طبقات: العرب العاربة  والعرب المستعربة  والعرب التابعة ، وتتبع أصول كل واحدة منها وأخبارها إلى أن وصل إلى الدول التي أسستها. وفي أثناء ذلك عرض لطبقات الأمم الأخرى وأجناسها متتبعا نفس المنهج كما فعل مع الفرس  والروم  وغيرهم... في ذهنه خطة واضحة يتبعها ولا يحيد عنها حتى يفرغ تاريخ العالم، كما وعاه، فيها. طبقها على العرب والعجم، وطبقها على جميع الشعوب والأمم، فكيف كان تطبيقها على أمم البربر؟ أو بالأحرى كيف طبقها على الدولة المركزية المغربية الوسيطية؟
خصص لذلك الجزأين السادس والسابع من تاريخه ، وافتتح حديثه هنا أيضا بالحديث عن الطبقة الرابعة من طبقات العرب، وهم العرب المستعجمة،  فتتبع أصول بني هلال وبني سليم (من الاثبج ورياح وجشم وغيرها...) ، ثم انتقل إلى وصف البربر ، ففصل في ذكر البتر  والبرانس  وذكر منهم القبيلة الكبيرة صنهاجة ، فمهد بذلك الطريق ليدخل للفعل السياسي، حيث قسم صنهاجة إلى طبقات متحدثا عن الدول التي أقامتها كل طبقة، وجعل الملثمين في الطبقة الثانية من صنهاجة.
أ) صنهاجة والدولة المرابطية:
يبدو لن التنظير الذي وضعه ابن خلدون في "المقدمة" هنا واضحا جليا، حيث نلمس وجود "العصبية الوحشية" عندما يقول: "واعتاضوا (الملثمون) منها بألبان الأنعام ولحومها، انتباذا عن العمران واستئناسا بالانفراد وتوحشا بالعز عن الغلبة... وكان دينهم جميعا المجوسية شأن برابرة المغرب... حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس، وكانت الرياسة فيهم للمتونة." . إلا أن إسلامهم - على ما يبدو - لم يكن عميقا، لهذا سوف يبرز دور "الدعوة الدينية" التي قادها عبد الله بن ياسين ببينهم ليجدد إسلامهم بتعليمهم القرآن وإقامة شعائر الدين ، لكنهم استصعبوا علمه، فأعرض عنهم وترهب. ثم قلب الحركة من "الدعوة" إلى "الدولة" عندما تسايل عليه الأتباع فاكتمل عددهم ألفا - سماهم بالمرابطين - وخرج بهم للقتال.
لا يذكر ابن خلدون في "العبر" صراحة متى انقلب الحكم من أسلوبه التشاركي إلى الأسلوب الانفرادي زمن المرابطين. لكننا سنحاول الاستفادة من عدة إشارات قوية وردت عنده بهذا الصدد:
· كان الحكم تشاركيا أول الأمر بين الفصائل الصنهاجية، فالزعامة السياسية انتقلت من يحي بن إبراهيم الكدالي (الذي جلب ابن ياسين للصحراء) إلى يحي بن عمر اللمتوني ثم إلى أخيه أبي بكر ثم إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، بينما انتقلت الزعامة الدينية بعد مقتل ابن ياسين إلى شخص غريب عنه هو سليمان بن عدو .
· يوسف بن تاشفين هو الذي مهد المغربين الأقصى والأوسط، وبنى العاصمة مراكش (سنة 454هـ حسب ابن خلدون)، وبإشارة من زوجته زينب استبد بأحوال المغرب، ورفض التنازل لأبي بكر بن عمر بعد عودته من الصحراء.
· أول إشارة صريحة بخصوص الاستجاشة بغير صنهاجة نجدها عند فتح المرابطين مدينة فاس: "واستدعى يوسف بن تاشفين مهدي بن يوسف صاحب مكناسة (وهو من كزناية) يستجيش به على فاس."
· في سنة 467هـ "قسم (يوسف) المغرب عمالات على بنيه وأمراء قومه وذويه." ، وبعد أن دانت له الأندلس (سنة 493هـ) و"انقرض ملك الطوائف منها... تسمى بأمير المسلمين، وخاطب المستنصر العباسي فعقد له (على المغرب والأندلس)." ، ومعروف أن الملك سيصبح متوارثا في عقبه بعد وفاته.
· الإشارات المباشرة الوحيدة إلى ابن الربرتير وجند الروم، أوردها ابن خلدون عندما تحدث عن صراع عبد المؤمن مع تاشفين بن علي بجهات تلمسان، والذي انتهى بمقتل الربرتير وصلبه ، وكذا في الصراع الموحدي مع بني غانية في جزر البليار ، أي أوردها عند الحديث عن ضعف الدولة المرابطية واحتضارها، أو بمعنى آخر زمن صعود عصبية أخرى هي عصبية مصمودة.
لم يكن ابن خلدون واضحا بما فيه الكفاية في "العبر"، والقارئ المتعجل أو الذي يبحث عن أحداث وتواريخ معينة، قد يلتقط فقط هذه الأحداث والتواريخ، ويتيه، خاصة، بين أسماء القبائل والعشائر التي يلح ابن خلدون على ذكرها في كل مناسبة. لكن من يحمل العدسة المكبرة ويتتبع أثر "المقدمة" في "العبر" يتأكد له أن المنهج الخلدوني هو تتبع المشروع السياسي للقبيلة، وأن الصراع الحقيقي - عنده - هو صراع القبائل حول الملك والسلطان ، وهذا ما حاولنا تلمسه مع أطوار الدولة المرابطية لإيجاد الخيط الرفيع بين النظرية والتطبيق، داخل أكوام من الأحداث والتواريخ وأسماء الأعلام والأماكن والقبائل وغيرها... ليتأكد لنا في النهاية أن الخلل، إن كان هناك من خلل، بخصوص العلاقة بين "المقدمة" و"العبر" هو خلل في أذهاننا وليس في ذهن ابن خلدون.
ب) مصمودة ودولة الموحدين:
يفتتح ابن خلدون حديثه عن الدولة المركزية الثانية (الموحدية)، بالحديث عن مجالها الجغرافي، وكأنه بصدد البدء بكتابة بحث مونغرافي. وهذه الافتتاحية "المونغرافية" لا يختص بها الدولة الموحدية دون غيرها، بل هي جزء من منهجه العام، المعقد والمركب، كما أشرنا لذلك سابقا. فقد جربه عند الحديث عن المرابطين: "هذه الطبقة من صنهاجة هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب..." ، وطبقه قبل ذلك على الدولة الزيرية: "كان أهل هذه الطبقة بنو ملكان بن كرت، وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمرة إلى الجزائر..." ، وطبقه في مناسبات أخرى عديدة على قبائل العرب ، كما سيطبقه لاحقا في مناسبات أخرى، تهمنا منها التجربة المرينية كما سنرى.
?سكنت مصمودة جبال درن، وهي جبال "بقاصية المغرب، من أعظم جبال المعمور بنا. أعرق في الثرى أصلها، وذهبت في السماء فروعها... تبتدئ من ساحل البحر المحيط عند آسفي وما إليها، وتذهب في?الشرق إلى غير نهاية... يسير الراكب فيها معترضا من تامسنا... إلى بلاد السوس... ثماني مراحل وأزيد.?تفجرت فيها الأنهار... وتكاثفت بينها ظلال الأدواح، وزكت فيها مواد الزرع والضرع، وانفسحت مسارح?الحيوان والصيد." . ومصمودة هاته، كصنهاجة، قبائل كثيرة، منها: هرغة وهنتاتة تينمل وكدميوة وكنفيسة?ووريكة وركراكة وهزميرة...  عاشت في جبالها حياة برية مستغنية بقطرها عن أقطار العالم ، أسلمت مع?صدر الإسلام وحسن إسلامها، إلا أنها ظلت مجزأة حتى اجتمعت على المهدي وقامت بدعوته.
هكذا تكتمل عناصر المنهج الخلدوني الخاصة بقيام الدولة: عصبية وحشية، فإسلام مهزوز أو مشتت، فدعوة دينية تصحيحية أو تعميقية. أما الانتقال من "الدعوة" إلى "الدولة" في التجربة الموحدية، فهو أوضح منه لدى تجربة المرابطين، لأن المهدي - حسب ابن خلدون - "كان يحدث نفسه بالدولة "  منذ البداية، أي منذ أن كان في رحلته إلى المشرق.
يبدو منطق الحكم خلال نشأة الدولة تشاركيا بشكل أوضح أيضا من التجربة المرابطية، رغم طبيعة ابن تومرت الاستبدادية والميالة إلى سفك الدماء، فهناك مجلس أهل العشرة وآيت خمسين... للاستشارة واقتسام المسؤوليات ، وفوق ذلك فانتقال السلطة لم يكن في عقب المهدي لأنه "كان حصورا لا يأتي النساء" ، ولا حتى في أحد أقربائه أو عشيرته، بل انتقل - وعبر وصيته - إلى صاحبه عبد المؤمن . فمتى حدث الانقلاب من الخلافة إلى الملك؟ أي متى انتقلت الدولة من مرحلتها الأولى "العصبوية" إلى مرحلتها الثانية "الارتزاقية"؟
ها هنا أيضا لا يجيبنا ابن خلدون صراحة، وكأنه يتعمد هذا الهامش من الغموض والقابلية للتأويل، لهذا علينا أن نتلمس موضوعنا بين ثنايا "العبر" من جديد.
دخل عبد المؤمن، بعد بيعته، في مغامرة طويلة لتمهيد المغرب الأقصى انتهت بفتح مراكش (سنة 541هـ حسب ابن خلدون) - رغم الثورات التي ستندلع عليه بعد ذلك -، خلالها دخلت عناصر كثيرة من زناتة وصنهاجة في طاعته، وأصبحت من بعض جنده . ثم خرج في رحلته الطويلة لإخضاع إفريقية "بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وأبا إبراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه." ، فمهد بعض أجزائها وانتصر على العرب الثائرين بها وعاد إلى مراكش سنة 547هـ . وهنا تبدأ التفاصيل المهمة في انقلاب الحكم زمن عبد المؤمن، إذ مباشرة بعد عودته إلى مراكش "وفد عليه كبراء العرب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم ورجعهم إلى قومهم. وعقد على فاس لابنه السيد أبي الحسن واستوزر له يوسف بن سليمان. وعقد على تلمسان لابنه السيد أبي حفص، واستوزر له أبا محمد بن وانودين، وعلى سبتة للسيد أبي سعيد، واستوزر له يخلف بن الحسين، واختص ابنه عبد الله بولاية عهده. وتقلب بذلك كله ضمائر عبد العزيز ويحي أخوي المهدي، فلحقا بمراكش مضمرين الغدر." .

الهوامش
 نعود إلى ابن خلدون بنية المراجعة لا مجرد القراءة.*
   - مثلا: محمود إسماعيل، مقالات في الفكر والتاريخ، الدار البيضاء، 1979، ص. 74 وما بعدها. وعبد اللطيف أكنوش، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب، دار أفريقيا الشرق، صص. 30-31. إضافة لأعمال كاملة مثل أطروحة الجابري وأومليل ولاكوست... (انظر البيبليوغرافيا كاملة مع: نقد النظرية الخلدونية).
   - الجابري، العصبية والدولة، ص.459. وعن التصنيفات القبلية المغاربية وارتباطاتها الجنيالوجية كعامل في نظرية السلطة، هناك إشارة عند:Houari Touati, En relisant les nawazil Mazouna-Marabouts et chorfa du Maghreb central au XVème siècle, In: Studia Islamica, LXIX,1989,p.83
بينما سحب كلود كاهن محتوى التضامن، الذي يحتويه مفهوم العصبية، على البدو والحضر والطوائف الحرفية والمذهبية وغيرها... لكن التضامن، في رأيه، يحمل دلالة خاصة لدى بعض المجتمعات عن الأخرى، تبعا للقدرة على تطوير مشروع حقيقي للدولة أو القانون العام. انظر: Claude Cahen, Mouvements populaires et autonomisme urbain dans l'Asie musulmane du moyen age, II, in: Arabica, T. 1. Fasc. 1, Janvier 1959, p. 25- 27
   - أكنوش، ص. 31، ولاكوست، صص. 35- 36. ويرى جوهانسن بأنه إذا كانت "العصبية" هي اللحمة الضرورية لتوحيد القبيلة، فإن "الانقسامية" تجتهد في الاتجاه المعاكس، أي إبراز المسببات التي تدعو القبيلة إلى الانقسام أكثر فأكثر. Baber Johansen, Des institutions religieuses du Maghreb, in:Arabica, T.XXXV,Fasc.3,1988, p.230.
ومعروف أن "الانقسامية" عرضت وانتقدت في عدة مناسبات أهمها: جماعة من الباحثين، الأنتربولوجيا والتاريخ - حالة المغرب العربي، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، سلسلة المعرفة التاريخية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988.  
   - المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، س. 1، ع.2، مارس 1987، ص. 10.
   - لاكوست، صص.35- 36. واضح أن الاستناد إلى العصبية يرتكز على النص الشهير: "وذلك أن الملك... إنما هو بالعصبية، والعصبية متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها، فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرها جميعا في ضمنها... وتلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم، ولا بد من أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم، فيعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها."
   - أكنوش، ص.31. النص الذي يتم الاستناد إليه هنا، من المقدمة، هو: "ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار (الديني) في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة، والمطلوب مساو عندهم، وهم مستميتون عليه... واعتبر ذلك في دولة لمتونة ودولة الموحدين، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد والعصبية... إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم... فلم يقف لهم شيء."
   - أكنوش، ص. 31. لاكوست، ص. 116 وما بعدها.
   - تعرض المقدمة لهذه المفاهيم وغيرها (كمفهوم "الدعوة" ودوره في قيام الدولة، أو "الجباية" ودوره في انهيارها...) في تحليل متماسك ومتكامل - وربما هذا ما سبب الخلط لبعض دارسي ابن خلدون - لذا حذرنا من الجهاز المفاهيمي الخلدوني منذ البداية.
   - المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1960، ص. 273 وما بعدها.
   - نفس المصدر والصفحة.
 -  المقدمة، الصفحة نفسها.    
- المقدمة، الصفحة نفسها.  
  - الطراء، أي الأجانب أو الغرباء عن البلد.
  - المقدمة، ص. ص.273-274.
  - المقدمة، ص.ص. 274-275.
  - رغم أن ابن خلدون يقر أنه "قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية، وذلك أنه إذا كان لعصبيته غلب كثير على الأمم والأجيال، وفي نفوس القائمين بأمره من أهل القاصية إذعان لهم وانقياد، فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ عن مقر ملكه ومنبت عزه، اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شأنه، وعنوا بتمهيد دولته... وهذا كما وقع للأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بإفريقية ومصر." المقدمة، ص.ص.275 - 276 . إلا أن هذا لا يعني الدولة المركزية المغربية الوسيطية، المثال المفضل عند ابن خلدون لبسط نظريته.
  - المقدمة، ص.293.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - القبلي، الدولة والولاية والمجال في المغرب الوسيط- علائق وتفاعل، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1997، ص.80.
  - نفس المرجع والصفحة.
  - المقدمة، ص.293.
  - نفسه، ص.324.
  - نفسه، ص.325.
P.von Sivers, Back to the nature the agrarian foundations of society according to Ibn khaldun, in  Arabica, T. XXVII, Fasc.1,Fevrier,1980,p.70. -                  
ونعتقد بأن فون سيفرز لم يستوعب جيدا النظرية الخلدونية عن العصبية والارتزاق عندما قال بأن ابن خلدون لم يكن واعيا بهذه المسألة. (الصفحة نفسها).
  - نفسه، ص.68.
  - كان ذلك أثناء حصار يعقوب بن عبد الحق لسجلماسة سنة 673 هـ / 1274 م، وقد سجل ابن خلدون ذلك في العبر (ج.7، ص.223) عندما قال: "فنازلها وقد حشد عليها أهل المغرب أجمع، من زناتة والعرب والبربر، وكافة الجنود والعساكر، ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات، وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانة أمام النار الموقدة في البارود بطريقة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها."
وقد لاحظ الأستاذ القبلي أن هذه الحادثة جاءت بعد فتح أبي يوسف يعقوب مدينة سبتة، فاستنتج أن قطع المدفعية، المشار إليها في نص ابن خلدون، حصل عليها بنو مرين بموجب اتفاقيتهم مع أراغون أثناء حصارهم لأبي القسم العزفي.(Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen age, Maisonneuve et Larose, Paris,1986, p.77. ومعروف أن سبتة سوف تستقل بأمورها مرة أخرى قبل أن يخضعها أبو الربيع سليمان سنة 709هـ/ 1310م، ثم خلعت طاعة السلطان أبي سعيد مرة ثالثة سنة 716 هـ / 1317م - بقيادة يحي العزفي - قبل أن تعود لطاعة المرينيين، لكنها لم تلبث أن خرجت عليهم من جديد سنة 720 هـ / 1310م بقيادة محمد بن يحي العزفي، مما اضطر السلطان المريني أبا سعيد إلى إبعاد آل العزفي عن تسيير أمور المدينة بعد أن اقتحمها سنة 728 هـ / 1328م. (الناصري، الاستقصا، دار الكتاب، البضاء، 1954، ج.3، ص.115).     
  - يكفي أن نشير إلى البيبليوغرافيا الضخمة التي كتبت حول ابن خلدون.
  - المقدمة، دار الفكر، بيروت، ص.3-45.
  - نفسه، ص.46-423.
  - نفسه، ص.242-476.
  - نفسه، ص.476-651.
  - مثلا: القبلي، ما لم يرد في كتابات ابن خلدون، ضمن: مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، توبقال للنشر، 1987.
  - كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، نعتمد هنا طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1992.
  - انظر نموذج ذلك: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.3، 1991، ج.1.
  - العبر، ج.2، ص.3 وما بعدها.
 - نفسه، ص. 18.
 - نفسه، ص. 19 وما بعدها.
  - نفسه، ص. 23 .
  - نفسه، ص. 53 .
  - نفسه، ص. 275 .
  - نفسه، ص. 178 .
  - نفسه، ص. 228 .
  - من الطبعة التي اعتمدناها.
  - العبر، ج. 6، ص.3 وما يليها.
  - نفسه، ص.15 وما يليها.
  - نفسه، ص.15 وما يليها.
  - نفسه، ص. 104.
 - نفسه، ص.134-162.
 - نفسه، ص.163 وما بعدها.
 - نفسه، ص. 179.
 - نفسه، ص. 214 وما بعدها. أما الطبقة الأولى من صنهاجة فخصصها للحديث عن دول بني زيري وبني حماد وغيرها. (نفسه، ص. 183...).
 - نفسه، ص. 214.
 - نفسه، ص. 216.
 - نفسه، ص. 216.
  - نفسه، ص.215-217.
  - نفسه، ص. 218.
  - نفسه، ص. 219. رغم أن ابن خلدون ذكر سابقا، ومنذ عهد ابن ياسين، إخضاع المرابطين لمناطق درعة وسجلماسة وجبال درن، أي مناطق زناتة ومصمودة. ( ج. 6، صص.217 - 218 )، بل وقبل هذا التاريخ، عندما كانت صنهاجة ما زالت تتوسع في الصحراء، ذكر أنه لما "استفحل أمر الملثمين... عبروا على السودان، واستباحوا حماهم وبلادهم، واقتضوا منهم الإتاوات والجزى، وحملوا كثيرا منهم على الإسلام فدانوا به." ( ج. 6، ص.237.).
  - نفسه، ص. 219. واضح من العبارة أن استبداد ابن تاشفين بالأمر لم يكن فجائيا بل تم بالتدريج.
  - نفسه، ص. 222.
  - نفسه، ص. 272.
  - نفسه، ص. 225.
  - يلح ابن خلدون على ذكر أسماء القبائل عند كل حدث: "نازل أبو بكر لواتة... وقتل من بها من زناتة..." ( ج. 6، ص.217)، فتح يوسف فاس وقتل بها 3 آلاف من مغراوة وبني يفرن. (ج. 6، ص. 219). بنى مدينة مراكش للتمرس بقبائل المصامدة. (ج. 6، ص.218 )... هكذا يمضي أسلوبه في العبر كله.
  - معروف أن العلاقة بين "المقدمة" و"العبر" أثارت ضجة كبيرة بين الدارسين، حول منهج "المقدمة" العقلاني/ التنظيري، ومنهج "العبر" الإخباري/ التقليدي؟ وهل كتبت "المقدمة" قبل "العبر" أم بعده؟ وغير ذلك من الأسئلة والإشكالات...  
  - العبر، ج.6، ص.214.
  - نفسه، ص.180.
  - مثلا: ج.6، ص.7 - 15 - 49 - 59 ...
  - ج.6، ص.264 من نص طويل جدا.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - نفسه، ص.265.
  - نفسه، صص.266 - 267.
 - نفسه، صص.269 - 270.
 - نفسه، ص.270.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - انظر التفاصيل الغزيرة ضمن : ج.6، ص.270 - 276.
  - نفسه، ص.278.
  - نفسه، ص.279.
  - نفس المصدر والصفحة.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home