القلم النقدي

 

أنور الجندي والمعارك الأدبية في مصر 1

د. ابراهيم عوض



احتفالا بالذكرى الخامسة لرحيل هذا الكاتب الموسوعى:
أنور الجندى والمعارك الأدبية فى مصر
د. إبراهيم عوض

http://ibrahimawad.net.tf
http://ibrawa.coconia.net/index.htm

فى ندوة تلفازية كنت مشاركا فيها منذ عدة أعوام حول كتاب ظهر وقتذاك يدعو فيه صاحبه إلى تطوير اللغة العربية، تطرَّق الحديث إلى الضعف اللغوى الملاحَظ فى أساليب الكتابة حتى بين المتعلمين، وكان من رأى الطرف الآخر صاحب الكتاب أن ذلك راجع إلى صعوبة لسان العرب نحوا وصرفا، أما أنا فكان لى رأى مختلف، إذ أرجعت ذلك إلى اللامبالاة التى تعيشها الأمة، لا فى تعلم اللغة العربية فقط ولا حتى فى التعلم بوجه عام فحسب، بل فى كل مناحى الحياة. وكان دليلى هو أننا متخلفون فى كل شىء حتى فى نظافة الشوارع، ولا علاقة لنظافة الشوارع بطبيعة الحال باللغة العربية، بل هى حالة عامة تعكس تخلفنا الحضارى الشامل. ثم قلت إن على من يخطئون فى لغتهم ولا يحسنونها كما ينبغى أن يأخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، فانتابت الطرفَ الآخرَ الذى كان ينادى بتطوير اللغة العربية عن طريق إلغاء التأنيث والمثنَّى والإعراب وما إلى ذلك دهشةٌ بسبب استشهادى بهذا الحديث ظنا منه أن مجاله الأخلاق وأننى حشرته فى ميدان التعلم والتعليم دونما أدنى مسوغ. فكان جوابى هو أن الحديث مطلقٌ يَصْدُق على التعليم كما يصدق على الأخلاق، بل يصدق على كل شىء يعترى الإنسانَ فيه خطأٌ ينبغى تصحيحه. لكن لم يبد على محدّثى أنه قد اقتنع بما قلت. والواقع أننى لم أكن أقل منه دهشة واستغرابا من فهمه هذا، إذ الرسول لم يقيد الخطأ بأنه الخطأ الأخلاقى، ولو كان صلى الله عليه وسلم يريد هذا لما سكت، بل لكان قد وضّحه توضيحا. ثم من قال إن لغة العرب إذا استعملت كلمة "الخطأ" لم تقصد إلا الخطأ الأخلاقى؟ ومن يستطيع الزعم بأن رسول الله عليه السلام لم يأت إلا برسالة خلقية؟ إن الأخلاق هى عمادٌ هامّ من عُمُد الحياة، كما أن الرسول، حسبما قال فى أحد أحاديثه، قد جاء ليتمم مكارم الأخلاق، بيد أن الأخلاق ليست كل شىء فى دنيانا، بل هى شىء واحد رغم كل أهميتها العظيمة. فهناك العلم والأدب والفن والتجارة والزراعة والصناعة والسباكة والطِّبَابة والتمريض والبناء وتمهيد الطرق وتنظيف الشوارع... إلخ. وكل نشاط من هذه النشاطات إذا أخطأ فيه ممارسه فعليه أن يتوب من خطئه ويعود إلى الصواب، بمعنى أن عليه دراسة وجه الغلط والتقصير وكيفية التخلص منه وتصحيح مسار العمل، وإلا فهل المخطئ فى غير ميدان الخلق لا حرج عليه ولا يطالَب بالتوبة، التى تعنى العودة عن الخطإ إلى الصواب؟ لا أظن عاقلا يقول بهذا.
لكن لماذا بدأتُ كلمتى هنا بهذه الحكاية؟ لقد بدأتها على هذا النحو لأبين أن فهمنا لديننا ونصوصه فهمٌ ضيقٌ فى كثير من الأحيان، وهو ما يقتضينا مراجعة تصورنا لهذا الدين العبقرى العظيم، فضلا عن العمل بمقتضى تلك النصوص حتى لا نحرم من خير كثير. ومن هنا سأبدأ كلامى فى الموضوع الذى أنا بصَدَده (وهو علاقة كتابات المرحوم أنور الجندى بما وضعتُ من مؤلفات) بالاستشهاد بقول الرسول الكريم: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قِيعَانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مَثَل من فَقِه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هَدْي الله الذي أُرْسِلْتُ به"، وكذلك قوله عليه السلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنْتَفَع به، وولد صالح يدعو له". ذلك أن ما كتبه أنور الجندى، وينطبق هذا بطبيعة الحال على كل كتابات الكتّاب وكل أعمال العاملين، لا ينتهى عند ظهوره للناس، بل يستمر تأثيره وصداه إلى أبد الآبدين حتى لو ضاع هذا الذى كتبه كله ولم يبق منه حرف واحد، إذ فى هذه الحالة يتأثر من لم يقرأوه بمن قرأوه وتأثروا به. فهم إذن يتأثرون به، ولكن على نحو غير مباشر.
وسوف يكون مدخلى إلى هذا الموضوع هو كتابه: "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939"، الذى يشكل جزءا من "موسوعة معالم الأدب العربي المعاصر" بمجلداتها التالية: "النثر العربي: تطوره وأعلامه"، و"الأدب العربي الحديث في معركة المقاومة والتجمع"، و"المعارك الأدبية"، و"الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والثقافة"، و"الصحافة السياسية في مصر"، و"الشعر العربي المعاصر: تطوره وأعلامه"، و"القصة العربية المعاصرة: تطورها وأعلامها"، و"اللغة العربية بين خصومها وأنصارها"، و"أدب المرأة العربية: تطوره وأعلامه"، و"معالم الأدب العربي المعاصر في النقد والفنون المختلفة". وهذه الموسوعة هى مجرد موسوعة واحدة من عدة موسوعات، إلى جانب عدد كبير من الكتب الأخرى فى مختلف الموضوعات الصحفية والأدبية والإسلامية.
وكتاب "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939" عمل فى منتهى الأهمية، إذ يقتضى من يريد أن يتصدى لإنجازه جهدا هائلا يضن ببذله الناس عندنا عادة، وصبرا عظيما لا يتوفر إلا للندرة من البشر، وبخاصة فى بلادنا حيث لا صبر على شىء ولا نفس طويل ولا اهتمام بالثقافة بوجه عام، ولا عائد مادى يجزى الجهد المبذول فى ميدانها ويشجع الرجال على مواصلة طريقها. ويا ليت هذا الجهد يُبْذَل فى طريق معبَّد، بل على صاحبه أن يَرُود سبيلا غير مطروقة لا يفكر فى السير فيها إلا الأفذاذ، ألا وهى سبيل المجلات والصحف القديمة التى صدرت منذ عشرات السنين ولم يعد الحصول عليها سهلا، بل لا بد لمن يريدها أن يذهب إلى دار الكتب ويقضى الأيام بعد الأيام فيها متعاملا مع العمال والموظفين ومحاولا التفاهم معهم. وما أدراك ما التعامل مع الموظفين المختصين بهذا الجانب من نشاط دارٍ كدار الكتب؟ ولكى أعطى القارئ فكرة بسيطة عن العنت الذى يمكن أن يلقاه الإنسان فى سبيل الحصول على صحيفة أو مجلة قديمة أذكر أننى طلبت من أستاذ صحفى بالأهرام من تلامذتى القدامى الذين لا يزال لهم نوع ارتباط بى أن يمدنى بصورة من مقالين منشورين فى جريدة الأهرام فى أغسطس 1931م كتبهما الأستاذ محمد عبد الله عنان وسميكة باشا مدير المتحف القومى حول ما تزعمه بعض الخرافات الكنسية من تنصر المعز لدين الله الفاطمى إثر مشاهدته معجزة نصرانية على يد إسكاف نصرانى، إذ تحرك جبل المقطم بتأثير صلاة هذا الرجل بجموع النصارى وأخذ يعلو بمن عليه من حشود ويهبط، فما كان من المعز إلا أن تنصر وترك الخلافة ولجأ إلى أحد الأديرة حيث قضى بقية حياته راهبا مترهبا. وقد استغرق الحصول على هذين المقالين من جريدة الأهرام عن طريق الأستاذ الصحفى المذكور، وهو ممن  لا يضنون بأى جهد لمساعدتى، شهورا طوالا يئستُ خلالها من موافاته إياى بهما مما جعلنى أنشر الدراسة التى كنت عاكفا عليها آنذاك دون الاستشهاد بما ورد فى المقالين، إلى أن فاجأنى بعد نشر الدراسة المذكورة بشهور طوال بإرسالهما لى فى رسالة مشباكية. فما بالك بمن لا يشتغل فى الأهرام لو أراد الحصول على مثل هذين المقالين؟
وكنت، وأنا أذهب إلى دار الكتب فى أوائل السبعينات من القرن الفائت، أسمع أن الأستاذ أنور الجندى يتردد دائما على الدار فى تبتل وانقطاع، وكأنه راهب من رهبان الزمن القديم، لا يغيب عنها يوما، ولا يتركها طول النهار. ولا أذكر الآن بعد كل تلك الأعوام هل رأيت الأستاذ الجندى هناك أو لا، وأغلب الظن أنى رأيته، إذ كانت قاعة المطالعة فى المبنى الذى فى باب الخلق صغيرة تستطيع بنظرة واحدة أن ترى كل من فيها. ولهذا أرجح أننى قد رأيته، وإن كنت موقنا أنه لم يتم كلام بيننا، فقد كنت آنذاك شابا فى مقتبل العمر، ولم أكن تنبهت إلى أهمية الدور الذى يضطلع به رحمه الله. وأغلب الظن كذلك أن وعيى بالكتاب الذى بين  أيدينا يرجع إلى تلك الفترة، لكن متى بالضبط؟ لا أدرى. فقد أكون قرأته فى دار الكتب، وقد أكون استعرته من مكتبة آداب عين شمس حيث تسلمت عملى معيدا بها آنذاك. المهم أننى قرأت ذلك الكتاب واستمتعت به، إذ وجدته يقدم لى رؤية محيطة (أو "بانورامية" كما يقال هذه الأيام) للصراع الفكرى والأدبى فى العصر الذى حدده، وعرّفنى بأسماءٍ بعضُها لم أكن سمعت به قبلا، وبعضُها لم يكن يشد انتباهى، مثل أسماء محمد مسعود ومنصور فهمى ومحمد لطفى جمعة ومحمود عزمى ومحمد صبرى السوربونى وفيلكس فارس ومحمد أحمد الغمراوى وعبد الله عفيفى والسباعى بيومى. كما فتح الكتاب عينى على القضايا المهمة التى شغلت كتّاب تلك الفترة، وبخاصة الفطاحل منهم، ثم شغلتنى أنا بدورى عندما حان الوقت وأصبحت كاتبا أعالج هذه القضايا، وأضحيت ذا رأى فيها، وأنتقد هذا الكاتب وأعضّد ذاك.
ومن بين تلك القضايا قضية الرسالة العلمية التى أحرز بها منصور فهمى من فرنسا درجة الدكتوريّة عن المرأة العربية وأحوالها قبل الإسلام وبعده، وقضية الشعر الجاهلى التى أثارها طه حسين وقال فى حق القرآن فيها ما قال، وقضية الهوية المصرية والنزاع حولها وهل هى عربية أو أوربية؟ وقضية خروج زكى مبارك من الجامعة على يد طه حسين، مما دفعنى من يومها إلى التعاطف مع الدكاترة زكى مبارك بناء على الوجه الكالح القبيح الذى طالعنى به طه حسين فى تلك الأزمة. ويمكن القول بوجه عام إن موقفى من تلك الشخصيات وما أثارته من قضايا لم يتغير تغيُّرًا يُذْكَر منذ كونت فكرتى عنهم إثر مطالعتى للنصوص التى استشهد بها لهم أنور الجندى فى كتابه هذا وما يشبهه من كتب.
وعَوْدًا إلى الأحاديث النبوية التى افتتحتُ بها هذه الدراسة نقول إن أنور الجندى قدم للمكتبة العربية بهذا الكتاب وأمثاله من الكتب التى يؤرِّخ بها للفكر والثقافة العربية والإسلامية فى مصر وغيرها من بلاد العرب ويضعنا فى معمعانها مباشرة دون أن يقيم من نفسه وآرائه حاجزا بيننا وبينها، خدمة جليلة تزيد فى نظرى عما قدمه من خلال الكتب التى ألفها وعرض فيها رأيه ورؤيته فى قضية من القضايا أو شخصية من الشخصيات. وقد مات أنور الجندى، لكن أعماله لم تمت، بل ما زالت وستظل مبعث إلهام للكتاب والمفكرين والدارسين والباحثين على مر الأعوام والدهور، وستظل بمشيئة الله ذخرا له ينعم بأثرها الحسن فى قبره وفى الآخرة، وسيظل طلاب العلم يُؤْجَرون على مطالعتها والرجوع إليها والإفادة منها لا ينقص من أجورهم ما يكتبه الله له من الأجر العميم بمشيئته تعالى ومَنّه وكرمه، إذ خزائن الله لا تنفد، بل تتسع لمن فى السماوات ومن فى الأرضين، ثم تبقى مع ذلك كله وبعد ذلك كله كاملة لم تُمَسّ. وهذا يذكّرنا بقوله صلى الله عليه وسلم الذى سقته قبل قليل: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير"، فكُتُب الرجل بهذه الطريقة تشبه المطر الذى يهطل على الأرض الخصبة الجاهزة للزراعة، إذ إن الباحثين الذين يقرأون تلك الأعمال يستفيدون منها ويؤلفون من خلال الاستعانة بها وبغيرها من أعمال المؤلفين الآخرين كتبا أخرى. وقد يبقى هذا الكتاب أو ذاك من كتبه مهملا أو خاملا على رف إحدى المكتبات حتى يقيض الله له من يكون بحاجة إلى قراءته والبحث فيه، وحينئذ يصدق عليه قول الرسول فى تتمة الحديث السابق: "وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوْا وزرعوا".
فالرفوف هى تلك الأجادب، وهذه الرفوف قد تكون رفوف مكتبة عامة أو خاصة، وقد تكون رفوف دكان لبيع الكتب، حيث يبقى الكتاب زمنا يطول أو يقصر حسب الظروف إلى أن يأتى صاحب نصيبه كما نقول، وهو ما حدث لى الآن، فقد بحثت فى مكتبتى الخاصة عن كتابه الذى أنا بصدده، وكنت (كما قلت من قبل) قد قرأته منذ عشرات السنين، وربما قلبت بعض فصوله وصفحاته أثناء ذلك بين الحين والحين البعيد، فأعدت مرة أخرى التقليب فيه وقراءة ما أنا محتاج لقراءته لكتابة هذه الدراسة. ولولا هذه الأجادب التى احتفظت لى بالكتاب لحين الحاجة إليه ترى ماذا كنت فاعلا؟ بل إن عقلى يدخل أيضا فى تلك الأجادب، إذ ظل يحتفظ بما قرأته فى الكتاب منذ أوائل السبعينات، حتى إذا تحولتُ من مجرد قارئ فقط إلى قارئ وكاتب وانبعثت عندى موهبة التأليف واحتجت إلى مراجعة ما قرأتُ ذهبتُ فاستخرجتُ الكتاب من مكمنه وأعدت النظر والقراءة فيه، فكأن عقلى الأرض الصخرية التى خزنت فى باطنها ماء السماء إلى أن أتى من استنبطه وشربه وسقى منه حيوانه وأرضه. أو فلنقل بعد تحوير الصورة الواردة فى الحديث قليلا: كأنى أنا الأرض النقيّة المستعدة لقبول الماء وإنبات الكلإ والعشب الكثير، لولا أن المطر لم يكن قد هطل بعد، فظلت البذرة التى ألقاها كتاب الأستاذ الجندى فى باطنها تنتظر هطول الماء كى تنبت وتتحول إلى شجرة باسقة. ويلاحظ القارئ أننى قد وسّعت زاوية النظر إلى الحديث الكريم، إذ لم أقصر معناه على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قِسْتُ عليه كل علم أتانا به المؤلفون. ونحن نعرف أن العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلم فى الإسلام واسع أشد السعة بحيث يشمل كل لون من ألوان المعرفة ولا يقتصر، كما قد يظن بعض ذوى النظرة الضيقة، على ما اصْطُلِح على تسميته بـــ"العلوم الدينية"، إذ العلم فى القرآن والحديث مطلق غير مقيد، فلا ينبغى من ثم قصره على لون بعينه من ألوانه. والمؤلفون هم جزء من العلماء. وقد ربطت هنا بين الأحاديث النبوية وكتاب أنور الجندى رغبة منى فى أن أستفز أذهان المسلمين للقراءة والتفكير بعد أن صدئت هذه الأذهان إلى حد بعيد وأضحى الكتاب يسبب للغالبية العظمى منا حساسية نفسية وعقلية، ولا يطيق الجمهور أن يفتح كتابا، بله أن يصبر على لأواء مطالعته والتمعن فيه والتفكير فيما يثيره من موضوعات. وهى قضية خطيرة أشد الخطر، فما من أمة تستطيع أن تبنى حضارة أو تصنع تقدما أو تحرز قوة إلا من خلال العلم، ومعنى هذا أن بلادنا قد يكون مكتوبا عليها ألا تبارح موقفها المتخلف إلا بعد أزمان وأزمان حين يقتنع الناس بخطإ موقفهم وشُنْع كراهيتهم للكتاب والعلم وتقاعسهم عن تحصيل الثقافة، ويُقْبِل كل فرد على حقول المعرفة يشتار من رحيقها ما تحتاجه حياته وتتحول البلاد إلى خلية نحل، فيعكف الناس على الكتب والبحوث والدراسات، وتنشط المعامل، وينطلق العقل المسلم مرة أخرى يبدع ويكتشف ويخترع ويضيف للمنجزات الإنسانية فى مجال المعرفة وتطبيقاتها الكثير والكثير إلى ما تم إنجازه على أيدى الأمم الأخرى مما يعيروننا به، ولهم الحق كل الحق، لأننا لا نشارك فيه منذ قرون، بل نكتفى بالاستهلاك ونظل فاعرى الفم طوال الوقت، صُنْعَ البُلْه المعوَّقين ذهنيا! ويا ليت استهلاكنا للأشياء بعد هذا كله كان استهلاكا عاقلا، بل هو بكلّ أسفٍ استهلاك غبى مسرف يقوم فى كثير من جوانبه على التباهى بشىء ليس لنا فضل فى إنتاجه.
وعودة مرة أخرى إلى كتاب المرحوم أنور الجندى نقول إن نَفَسه فى هذا الكتاب نَفَسٌ طويل، إذ يقع فى أكثر من سبعمائة صفحة، ويغطى المعارك الفكرية والأدبية على مدار خمس وعشرين سنة كان عليه أن يتتبع كل الصراعات المهمة التى ثارت خلالها ويعطينا صورة صحيحة ودقيقة لها بحيث يزود القارئ برؤية محيطة، أو بتعبير هذه الأيام: رؤية بانورامية. وخمس وعشرون سنة ليست بالزمن القصير بأى حال، وبخاصة أنها ليست أية خمس وعشرين سنة، بل هى خمس وعشرون سنة من أخطر فترات التاريخ المصرى، إذ تبدأ مع انطلاق الحرب العالمية الأولى بعد أن كان الاحتلال البريطانى قد استتبّ فى أرض الكنانة وظنّ هو ومشايعوه أن الدنيا قد دانت له وأن مصر لن تعود كرة أخرى عربية مسلمة، وتنتهى مع بداية الحرب العالمية الثانية، التى تغيرت مع نهايتها المنطقة تغيرا حادا. ومن هنا رأينا أنور الجندى فى هذا الكتاب الخطير يرصد عددا من المعارك التى كان أحد طرفيها يهاجم الإسلام أو العروبة أو يشكك فى قدراتنا وماضينا أو يدعو إلى الالتحاق بالغرب والذوبان فيه دون شرط... إلخ. وهذا الطرف الذى كان يقوم بهذا الدور الهَدْمِىّ لم يكن يشتغل مستقلا أو معبرا عن اقتناعه هو وحده، وذلك إن كان مقتنعا فعلا بما يكتب ويدعو إليه، وإنما كانت هناك قوى الاستعمار والاستشراق والتبشير التى تلتقى أهدافها مع أهدافه وتتغيا نفس ما يتغياه إن كان هذا الذى يكتب داعيا إليه يمثل حقا غاياته النابعة من عقله وقلبه عن اقتناع وإيمان، ومن هنا كان التعضيد الذى يلقاه هؤلاء بكل السبل المتصوَّرة وغير المتصوَّرة من قوى الشر تلك. لقد كانت غايات هذا الفريق تلتقى وغايات القوى الغربية التى تحتل بلاد المسلمين وتعمل على تحطيم قوى المناعة فى بنيتهم الفكرية والعقيدية وتنشر اليأس فى نفوسهم، فوَجَدَتْ فى هؤلاء المهاجمين لتاريخنا وديننا ولغتنا وعروبتنا خير سلاح يوجهونه إلى عقولنا وقلوبنا لقتلنا ذلك القتل المعنوى الذى هو أخطر من القتل المادى. ذلك أن القتل المادى يمكن تعويضه بالأجيال الجديدة، أما القتل المعنوى فلا أدرى كيف يمكنك تعويضه، وأنت لا تجد حولك من يؤمن بفكرة المقاومة والاعتزاز الوطنى والدينى والقومى، ومن ثم لا تجد من هو مستعد لكفاح قوى الشر والتدمير الغربى التى كانت تجتاح آنذاك بلادنا وتنهب خيراته وتسىء إلى كرامته وتعمل بكل وسيلة على محو شخصيته، إن لم يكن محوه هو نفسه محوا لا تقوم له بعده قائمة!
لقد كان ذلك الرجل الملازم لمائدة من موائد القراءة فى قاعة المطالعة بدار الكتب يقرأ فى صمت، ويقلب الجرائد والمجلات على مدى هذه الأعوام الخمسة والعشرين فى صمت، وينسخ ما يراه مهما فى صمت، ويكتب فى صمت، كان هذا الرجل الصامت يصنع ذلك دون أن ينتظر جزاء ولا شكورا شأنه شأن كل كاتب شريف فى بلاد العرب والمسلمين فى هذا الطور المخزى من أطوار تاريخهم، فى الوقت الذى يُكَرَّم فيه كُتّاب الطرف الآخر وتُسَلَّط عليهم الأضواء ويُعْطَوْن ما يستحقون وما لا يستحقون من الجوائز والمناصب ويُكْتَب عنهم بالحق وبالباطل ويُشْغَل بهم الجمهور بحيث يسدون الأفق على الفريق الذى يعمل لبلده ودينه ويبذل نور عينه وطاقة جسمه وروحه فى هذا السبيل دون أن يجد من يأخذ بيده أو يقيل عثرته أو يعرّف بمجهوده ويشجعه حتى لا تخور قواه فيسقط فى مجاهل الظلام والصمت حيث يُنْسَى سريعا كأنه لم يكن وكأنه لم يبذل جهدا ولا أنفق من ماله وصحته فى كفاح جراثيم الشر وفيروساته القاتلة، فالجماهير المضلَّلة مشغولة بالنجوم المشعة بالأضواء الزائفة والألوان المبهرجة، وغافلة عن أن الأضواء التى ترسلها هذه النجوم هى أضواء مؤذية تكسّر مناعة من يتعرض لها طويلا ولا يحاول أن ينأى عن مجال تأثيرها المدمر لخلايا العقل والنفس!
وبالمناسبة فقد تلقيت أثناء كتابتى هذا البحث، وعند وصولى إلى الفقرة الحالية، رسالة مشباكية تتحدث عن مقال بعنوان "أَحْرِقوا البرقع: BURN THE BURQA" لتسليمة نسرين الطبيبة البنجلاديشية صاحبة رواية "العار" التى صدرت فى تسعينات القرن الماضى وهاجمتْ فيها الإسلام والمسلمين فى باكستان لصالح الهند والهندوس والهندوسية، وانبرى أحد الصحفيين المشاهير فى مصر بكل الأسف والعار يدافع عنها ويثنى عليها بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه. إى وربى بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه، وكأن الكافر يمكن أن يحب الإسلام ويفاخر به، فضلا عن أن يدافع عنه، وهو ما لم نسمع به ولا حتى فى الأحلام! وزاد على ذلك فمَدَح ترجمة الرواية وأثنى على من قام بها مع أنها مفعمة بالأخطاء المذهلة مما استفزنى فأخرجت كتابا عند صدور ترجمة الرواية فى مصر لأفضح هذه الضجة المريبة وأئدها فى مهدها وأبين العورات الفنية والزيوف التاريخية التى تفيض بها الرواية، وعيوب الترجمة الشنيعة التى تدل على أنه لا صاحبها ولا الصحفى المشهور يعرفان الإنجليزية كما ينبغى أن تُعْرَف الإنجليزية. والشاهد فى الرسالة المشباكية التى وصلتنى وأنا أكتب هذا الفصل أن تسليمة نسرين (المقيمة الآن فى الهند على الرحب والسعة، والتى كانت تقيم قبل ذلك فى أوربا على نفس الرحب والسعة وأكثر، قد نشرت لها الصحف الهندية مقالا مسيئا فى حق الإسلام ورسوله وأمهات المؤمنين غير مراعية مشاعر عشرات الملايين من مسلمى الهند ولا مشاعر مليار ونصف مليار مسلم فى أرجاء العالم ولا توتر العلاقات بين الهند والباكستان بسبب إقليم كشمير الذى تحتله الهند ولا تريد الجلاء عنه أو أخْذ رأى سكانه المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة الماحقة فيه والذين يرفضون احتلالها لبلادهم)، الشاهد فى هذا هو أن نسرين تجد الحفاوة والتشجيع من جانب الهند كى تكتب مهاجمةً الإسلام والرسول والقرآن. ولو كانت المسألة مسألة خمار أو برقع أو نقاب كما يبدو من عنوان المقال، أفما كان ينبغى لهذه المفعوصة أن تلفت النظر بدلا من ذلك إلى السخافات التى تمارسها النساء الهنديات فى ملابسهن من خلال تعرية سُرَرهن وظهورهن الزرقاء المعتمة، وإلى إحراق بعضهن لأنفسهن عقب موت أزواجهن، ووأد الأسر أحيانا لبناتها الرُّضَّع، وكذلك إلى عمامات السيخ القبيحة المقززة، وإلى عبادة البقرة فى القرن الحادى والعشرين، وإلى القذارة والإهمال اللذين تنغمس فيهما الجماهير الهندية؟ لكنها فى حقيقة الأمر لا يمكنها أن تلمس أيا من هذه الموضوعات ولو على سبيل الإيماء البعيد، وإلا لرُمِيَتْ رمية الكلاب فى التوّ واللحظة خارج الحدود، إن لم يكن خارج الحياة تماما. فهذا مثال على المعاملة الحفيّة التى يلقاها من قِبَل الأعداء، وفى تحدٍّ صارخٍ للمسلمين جميعا، كل مسلم خارج عن دينه متمرد على قومه، إذ ينتهز هؤلاء الأعداء فرصة الضعف المهين الذى يحاصر المسلمين فى هذه الفترة العَطِبة من تاريخهم (وهو ضعفٌ يُسْأَلون هم عنه قبل غيرهم رغم أن غيرهم لم يقصر ولن يقصر فى عمل كل ما بوسعه من أجل إبقائهم فى تخلفهم وعجزهم وبلاهتهم الحضارية المميتة) لكى يشنوا عليهم المعركة تلو المعركة بكل لون ومن كل جانب وعلى كل وضع حتى يتركوهم جثة هامدة لا حَرَاك بها، ولا حَرَاك يُنْتَظَر منها فى مُقْبِل السنين والأحقاب.
والآن نغلق القوس الذى فتحناه لتسليمة نسرين ونرجع لما كنا فيه فنقول إن هذه النظرة المحيطة التى يتناول بها أنور الجندى موضوعه فى الكتاب الذى معنا الآن ليست هى السمة ولا الميزة الوحيدة له، بل هناك أيضا تنسيقه لتلك المعارك وتصنيفها بحيث يستطيع القارئ أن يجد نفسه بين دروبها ومشتبكاتها ولا يضيع منه الطريق، إذ قسمها إلى عشرة أنواع من المعارك، لكل نوع باب كبير مكون من عدد من الفصول يصل أحيانا إلى اثنى عشر فصلا. وهذه الأنواع هى على الترتيب: "معارك الوحدة والتجزئة" و"معارك اللغة العربية" و"معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك الأسلوب والمضمون" و"معارك النقد" و"معارك النقد حول الكتب" و"معارك بين المجددين والمحافظين" و"معارك بين المحافظين حول اللغة" و"معارك نقد الشعر" و"معارك النقد بين المجددين". ولكى نعطى القراء فكرة عن الشمول الذى انتهجه الأستاذ الجندى فى تقصى معارك تلك الحقبة أسرد له عناوين فصول بابين من تلك الأبواب العشرة، ولْيكونا بابَىْ "معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك النقد فى المجددين". فأما فصول الأول فهى: "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" و"لاتينيون وسكسونيون" و"النزعة اليونانية" و"كتابة السيرة" و"كتابة التاريخ" و"معركة الترجمة" و"أدب الساندويتش" و"غاية الأدب، ما هى؟" ومتى يزدهر الأدب؟" و"الأدب المكشوف" و"التراث الشرقى" و"ثقافة دار العلوم". ثم ها هى ذى فصول الباب الآخر: "بين التغريب والتجديد" و"معركة الكرامة" و"معركة الصفاء بين الأدباء" و"معارك النقد" و"بين زكى مبارك وخصومه" و"زكى مبارك ينقد كتابه" و"بين العقاد وخصومه" و"بين سلامة موسى وخصومه" و"بين المازنى وخصومه" و"بين هيكل وطه حسين" و"معركة لقمة العيش بين مبارك وطه حسين" و"المعارك بين شباب الأدب وشيوخه".
وهذا التنسيق والتصنيف يسهّل على القارئ تصوُّر خريطة الطريق الأدبية لتلك الفترة، مع التنبه إلى أن هناك أحيانا بعض التداخلات بحيث يمكن القول بأن هذا الفصل أو ذاك إذا كان ينتمى إلى الباب الذى جاء فيه، فكذلك يمكن أن ينتمى بنفس القوة إلى باب آخر، ولكن على وجه من الوجوه مختلف عن الوجه الأول. وقد أفادنى هذا الكتاب فى مقتبل حياتى، إذ اتضحت صورة العصر فى عينى إلى حد كبير، وسَهُلَ علىّ التعامل مع أعلامه وقضاياه فى سلاسة ويسر، وأصبحت قادرا على تصنيف رجاله فكريا ونقديا، وأبصرت إلى مدًى بعيدٍ مجموعَ الصلات التى تربط بين كل ذلك بحيث لم تعد المسائل الأدبية والفكرية والمعارك التى دارت حولها أوانذاك ذرات مبعثرة متطايرة فى الهواء، كما تكوَّن لدىّ حِسّ التطلع إلى ما وراء الستار ومحاولة إبصار ما هنالك ولو على سبيل الإجمال والتخمين.
وحسنة ثالثة لكتاب أنور الجندى هى الموضوعية والحيادية. إنه يريك وَجْهَىِ الورقة كليهما، كما يعرض عليك جوانب الموضوع جميعا بحيث ترى الرأى ونقيضه، ثم الرد على الرد، والرد على رد الرد... وهكذا. كل ذلك دون أن تبصر شخصه، وإن كنت تسمع صوته خافتا بين الفينة والفينة يوجهك ويوضح لك بعض أسرار المشهد مما لا تستطيع أن تستقل بإدراكه. وقد يرى بعضٌ أنه يشبه فى ذلك ملقّن المسرح الذى لا يراه النظارة ولا يلتقطون له حسا، وإن كان الممثلون يستطيعون أن يسمعوه على قدر الحاجة إليه. على أن هناك فرقا بين الجندى والملقن المسرحى، وهو أن الملقن لا يكف عن الكلام، وإن خافت من صوته بحيث لا يسمعه أحد من مشاهدى العرض المسرحى، أما كاتبنا فهو لا يتكلم غالبا إلا فى أول المشهد فقط عند تقديم بعض التوضيحات التى تُعِين القراء على تتبع موضوع المعركة التى يتناولها فى إيجاز شديد. وهذا إن تكلم أصلا. ومن هنا فإنى أشبهه بالأحرى بمؤلف المسرحية حين يمهد لكل مشهد من مشاهد مسرحيته بسَوْق بعض التعليمات التى يحتاجها المخرج، أو الملاحظات السريعة التى تساعد القارئ على العيش فى جو المسرحية وتخيُّل السياق الذى تمت فيه أحداثها.
لنأخذ مثلين نوضح بهما ما نقول: ففى معركة "التراث الشرقى، يكفى أو لا يكفى؟" بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد نسمع المرحوم الجندى يقول فى تقديمها: "هذه مساجلة هادئة بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد حول كفاية التراث الشرقى لنضج الحياة العقلية عند الشرقيين أخذ فيها الرافعى جانب قصور التراث الشرقى وضرورة الترجمة، وأخذ العقاد جانب كفاية التراث الشرقى"، ثم يذكر فى الهامش المواضع التى نقل منها ما نقل من كلام الكاتبَيْن (ص 194 وما بعدها من طبعة مكتبة الأنجلو المصرية 1982م)، وهذا كل ما هنالك. أما فى "معركة الشعر الجاهلى" التى دارت حول كتاب الدكتور طه حسين: "فى الشعر الجاهلى"، وهو الكتاب الذى سار فيه على خطة المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث فى إنكار الشعر الجاهلى كله، أو على الأقل: جُلّه، وكذّب القرآن الكريم فيما رواه عن انتساب العرب إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبنائهما الكعبة واعتبار ذلك أسطورة سياسية اخترعوها ليكون لهم تاريخ مجيد، فقد أضاف الأستاذ الجندى إلى السطور التى قدم بها لتلك المعركة والتى طالت نوعًا ما جملة هنا أو هناك تربط بين النقول المختلفة كما هو الحال فى ص 347 حين قال: "وصورت جريدة الأهرام الموقف على هذا النحو:..."، وكذلك حين قال تمهيدا لنقل ما كتبه رئيس نيابة مصر فى ذلك الوقت فى تحقيقه مع طه حسين بخصوص هذه القضية: "وتولى محمد نور بك رئيس نيابة مصر التحقيق مع الدكتور طه حسين وحصره فى أربعة أمور هى:..."، وبعد قليل: "وقال النائب العام فى تقريره إن..."، ثم بعد قليل أيضا نراه يضع العنوان التالى: "أهداف الكتاب"... وهكذا.
أما حرص الأستاذ الجندى رحمه الله على إعطائنا جوانب الموضوع المختلفة فيمكن التمثيل له بما نقله من مقتبسات مما كُتِب فى "معركة الخلافة وأصول الحكم" (ص 334 فما بعدها)، إذ بعد التمهيد المعتاد يسوق لنا رأى على عبد الرازق صاحب المشكلة، ثم يعقب عليه برأى هيئة كبار العلماء، وهو الرأى الذى يناقض رأيه، وبعده رأى رشيد رضا، وهو يوافق رأى الهيئة المذكورة، ليعقب عليه برأى طه حسين المشايع لعبد الرازق، ثم رأى الدكتور هيكل وإسماعيل مظهر، وهما من أنصار عبد الرازق أيضا، ثم رأى الشيخ على مرة أخرى، ولكنْ فى حكم هيئة كبار العلماء هذه المرة، ليختتم الكلام بإيراد ما كتبته كبريات الجرائد فى ذلك الوقت حول هذه القضية. وبذلك يكون القارئ قد اطلع تقريبا على أهم الآراء التى أدلى بها من كتب فى ذلك الموضوع. كل هذا دون أن يتدخل كاتبنا لنصرة هذا الطرف أو ذاك، بل كان حريصا على أن يعطى كل واحد من الكتاب فرصة مساوية للتى أعطاها غيره، مع نقل زبدة كل رأى، بحيث ينتهى القارئ من الفصل وقد تحصّلت لديه فكرة واضحة وقوية عما حدث آنذاك، وعرف موقف كل كاتب من الكتاب.
وبمناسبة الكلام عن على عبد الرازق والمعركة المتعلقة بكتابه عن أصول الحكم فى الإسلام ينبغى أن أذكر هنا أن العقاد قد وقف فى تلك القضية إلى جانب الشيخ وهاجم ما سماه "روح الاستبداد فى الآراء"، وهو العنوان الذى كتب تحته ما كتب من دفاع عن عبد الرازق، الذى أكد أنه لا تربطه مع ذلك به أية علاقة شخصية أو سياسية حتى إنه لو قابله فى الطريق ما عرفه (ص 341- 342). ومناسبة الكلام هنا أننى لم أكن لأظن أن العقاد يقف مثل ذلك الموقف لو لم أطّلع على هذه الفقرات التى أوردها المرحوم أنور الجندى، إذ المعروف أن للعقاد كتبا ودراسات ومقالات كثيرة ينافح فيها عن الدين، فكان المظنون أن يدافع مع المدافعين عن الإسلام بغض النظر عن كراهيته للاستبداد فى الرأى، لكنه اكتفى بالدفاع عن حق على عبد الرازق فى أن يجهر من الآراء بما يشاء احتراما لحرية الفكر. وهذا ما قصدته من القول بأن كتاب الأستاذ الجندى يطلعنا على أشياء ما كنا لنعرفها، بل ما كنا لنظنها مجرد ظن، لولا قراءتنا لها، وقبل ذلك لولا حرص صاحبه على أن يقدم لنا صورة دقيقة وصحيحة وموضوعية لما حدث وما قيل. وبسبب من تلك الموضوعية التى تمتاز بها توثيقاته لم يتردد المرحوم الجندى، فى نقل اتهام جريدة "السياسة" للشيخ بخيت، وهو أحد المشايخ فى هيئة كبار العلماء، بأنه "أخ ماسونى من إخوان محفل الشيخ حسن الطويل" وأنه "فارس الصليب الأحمر" (ص 342). وهو ما يشكل صدمة إن صح، أما إذا لم يصح لقد كنا نود من الأستاذ الجندى تحقيق هذه التهمة وتمحيصها. كما أننى لا أفهم سر تسمية المحفل الذى ينتمى إليه الشيخ بخيت، إن صدق الاتهام، بأنه "محفل الشيخ حسن الطويل"، اللهم إلا إذا كان الأمر لا يعدو تهكما من النوع السخيف الجارح!
كذلك يفاجأ القارئ، وهو يتابع فصول معركة "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" فى كتاب أنور الجندى، بأن يجد كاتبا كفيلكس فارس، الكاتب والشاعر والخطيب النصرانى اللبنانى، بكل هذا التحمس للثقافة العربية فى مواجهة مسلم تركى هو إسماعيل أدهم، الذى كان شديد الحملة على تلك الثقافة مؤكدا أنها لا تصلح لنا وأنه يجب علينا تبنّى الثقافة الغربية بدلا منها. وهو رأى وقف ضده فارس بكل قوة وصلابة، قائلا إن هناك فرقا بين العلم والثقافة: فالعلم لا وطن له، أما الثقافة فتختلف من أمة إلى أمة، ومن ثم فإن ثقافة الغرب لا تصلح لنا. بل إنه، فى خلال ردوده على أدهم، قد أكد أيضا أن الحضارة الفرعونية لا أثر لها الآن لا فى علم المصريين ولا فى أدبهم، بالضبط كما أنه لا أثر فى سوريا ولبنان للحضارة الفينيقية (ص 104 فصاعدا). ووجه الغرابة فى هذا أن النصارى اللبنانيين بوجه عام من أشد المتعصبين على العروبة والثقافة العربية والمتحمسين لثقافة الغرب. فإذا عرفنا مع هذا أن أم فيلكس فارس (لويز شوفالييه) كانت سيدة أوربية (فرنسية المولد، سويسرية الأصل) ازداد عجبنا من هذا الموقف العروبى الأصيل ازديادا كبيرا. والحق أنه  لو لم يُذْكَر اسم فيلكس فارس مع تلك الآراء لظن القارئ أن صاحبها مسلم شديد التمسك بالعروبة ولسانها وثقافتها وتاريخها! ولمن لا يعرف فيلكس فارس (1882- 1939م) أنقل المعلومات التالية عن مجلة "الجيش" اللبنانية مع بعض التصرف: فقد وُلِد فى بلدة صليما في المتن لأبٍ تولى أمانة سر المتصرف رستم باشا على جبل لبنان، ودرّس فى المكتب السلطانى فى حلب، ثم انتقل عقب ذلك إلى تولّى أمانة الحركة العربية لجعفر باشا العسكرى عام 1921م. وأوفده الجنرال جورو إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى مهمة خاصة لدى المغتربين اللبنانيين والسوريين، حيث أقام صلات وثيقة مع كبار أدباء المهجر، حتى إذا ما عاد إلى لبنان انصرف إلى المحاماة (التى كانت مهنة والده) ليعود إلى وادى النيل فى 1931م ويتولى رئاسة قلم الترجمة فى مدينة الإسكندرية. ومن أعماله التى تركها لنا كتابه: "رسالة المنبر إلى الشرق العربى"، وترجمته لــ"اعترافات فتى العصر" عن الأديب الفرنسى ألفرد دى موسيه، وكذلك ترجمته لكتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه. وقد قرأت أن مصطفى صادق الرافعى هو الذى أشار على صديقه فارس بأن يترجم هذا الكتاب.
وقد ظللت، منذ قرأت ما كتبه أنور الجندى عن أدهم، أتتبع ما نُشِر لذلك الشاب المسلم المستغرب وما نُشِر عنه لأرى مدى استحقاقه للثناء الذى أغدقه عليه وأغرقه به بعض الكتاب المصريين المعروفين إثر انتحاره فى بداية الأربعينات من القرن الماضى، وهو نفس ما حدث عند انتحار فخرى أبو السعود فى تلك الآونة أيضا ودفعنى بدوره إلى البحث فى خفايا ذلك الشاعر والناقد السكندرى، فوجدت أن أبو السعود رغم قلة إنتاجه ورغم اختلافى مع بعض ما يكتب هو كاتب ذو شأن: سواء من ناحية أسلوبه القوى أو من ناحية آرائه التى تعكس اطلاعا واسعا بغض النظر عن موافقتنا عليها أَوْ لا، وبخاصة فى ميدان الأدب المقارن الذى كانت له فيه خطوات رائدة ودراسات طموحة، إلى جانب شاعريته القوية وقصائدة التى تجمع بين الفحولة التقليدية والمضمون العصرى وتصوير مشاهد الطبيعة فى أسلوب متميز يعكس شخصية صاحبه ومشاعره وتأملاته العميقة، بخلاف أدهم، الذى بدا لى أقرب إلى البكش منه إلى الجد والعمق، فكان هذا سببا فى كتابتى دراسة طويلة عن هذا الأخير نشرتها على المشباك بعنوان " إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر! وقفة مع كتابه: لماذا أنا ملحد؟" بينت فيها سطحيته، واعتماده على التهويل والطنطنة بالمصطلحات الغريبة لتغطية ضحالة ما يؤلف، وأخذت عليه زَجَّه بنفسه فى موضوعات ليس أهلا للكتابة فيها، وتناقضه تناقضا مفضوحا فى كثير مما يكتب، ومحاولته المضحكة اتخاذ سمت العلماء مع أنه ليس منهم فى كثير أو قليل، وغموض كثير مما يكتبه، واكتفاءه بلمس سطوح الأشياء وإطلاق الأحكام العامة غير القائمة على التقصى والتعمق. وفى الدراسة المذكورة شواهد متعددة على هذا الذى نقول مأخوذة من كتبه بعد أن بحثت عنها ووجدت عددا معقولا منها فى مكتبتى وعلى المشباك. أما أبو السعود فيمكن القارئ أن يطالع فى كتابى: "فى الأدب المقارن- مباحث واجتهادات" بضع صفحات خصصتها للكتاب الرائد الذى وضعه بعنوان "فى الأدب المقارن"، والذى صدر عن هيئة الكتاب واحتفى به كثير من المتخصصين فى هذا الفرع من الدراسات الأدبية.
ومما استغربت له كذلك فى كتاب أنور الجندى أن منصور فهمى، الذى كنا قد درسنا له فى كتاب القراءة لطلاب الثانوية العامة قبل ذلك ببضع سنوات قليلة مقالا بعنوان "أنت أنت الله" ينضح بالإيمان والانبهار بصنع الله الذى أتقن كل شىء، كان قد حصل على درجة الدكتوريّة من فرنسا فى أوائل القرن العشرين برسالة عن المرأة عنوانها "La Condition de la Femme dans la Tradition et l'Evolution  de l'Islamisme : وضع المرأة فى التقاليد وتطور الإسلام" اتهم فيها الرسول بأنه كان يشرّع للناس ويستثنى نفسه فلا يلتزم بما يشرعه لهم، وزعم أن المرأة العربية كانت أسعد حظا فى الجاهلية منها فى الإسلام، ثم قال إن عمله تحت إشراف ليفى بريل المستشرق الفرنسى اليهودى هو من المؤثرات السعيدة فى حياته (انظر هذه المعركة بدءا من ص 330). وقد ذكر الجندى، أثناء كلامه عن طبع هذه الرسالة فى باريس عام 1913م، أنها لم تُنْشَر فى العربية، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأقول إن "منشورات الجمل" بكولونيا قد أخرجت عام 1979م ترجمة ركيكة لهذا الكتاب بعنوان "أحـوال المـرأة فى الإسـلام" بقلم رفيدة مقدادى، ومراجعة هاشم صالح التابع الأمين لمحمد أركون والمطنطن باسمه، والمبشر بأن كتاباته تدشّن عصرا جديدا فى الفكر الإسلامى، والمنقطع لأركون وترجمة كتبه بعد أن فشل، كما أخبرنى بعض من يعرفونه من الزملاء السوريين، فى الحصول على الدرجة العلمية التى كانت جامعته قد بعثته إلى فرنسا لإنجازها فى الأدب الفرنسى. وقد بلغ من ركاكة تلك الترجمة أننى لم أستطع أن أمضى معها لآكثر من بضع فقرات، على عكس شعورى تجاه الأصل الفرنسى الذى كنت قرأته قبل أعوام وشدّنى شَدًّا من أول الرسالة حتى ختامها رغم أن الفرنسية ليست لغتى الأجنبية الأولى. وهذه الترجمة منشورة فى موقع قبطى تبشيرى شديد التعصب يهاجم الإسلام ورسوله وكتابه وتاريخه ورجاله هجوما شنيعا بذيئا.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home