القلم النقدي

 

رواية التوثيق التاريخي

د. جميل حمداوي



روايـــــة التوثيـــــق التاريــــــخي

(\"وزير غرناطة\" لعبد الهادي بوطالب نموذجا)

الدكتور جميل حمداوي


نشر الكاتب المغربي عبد الهادي بوطالب (1923م- ؟) روايته التاريخية\" وزير غرناطة\" سنة 1960م عن دار الكتاب بالدار البيضاء . وقد ذكر الدكتور أحمد اليابوري في محاضرته (وضعية الدراسة الأدبية بالمغرب) التي ألقاها ضمن نشاط فرع اتحاد كتاب المغرب بالقنيطرة أن الطبعة الأولى صدرت في بداية الخمسينيات .
و ليس الأستاذ عبد الهادي بو الطالب هو الوحيد الذي كتب القصة التاريخية، بل هناك الكثير من الروائيين ونستحضر منهم:الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في رواياته القصصية \"غادة أصيلا\" و\"الجاسوسة السمراء\" و\" الجاسوسة المقنعة \" و \"شقراء الريف\" و \"في هضاب الريف\" و\"الرومية الشقراء\" و\"الكاهنة\" و\"جاسوسة في حدود فلسطين\" و \"هجوم في جنح الظلام\" . و قد جمع الكاتب معظم أعماله السابقة في كتاب واحد بعنوان (شقراء الريف) .
هذا، و قد تأثر عبد العزيز بن عبد الله في كتاباته التاريخية بروايات جورجي زيدان حينما طعم نصوصه القصصية التاريخية بالعقدتين : التاريخية و الغرامية قصد إضفاء التشويق الفني على ما يبدعه من أعمال لإثارة فضول القراء و تحفيزهم على متابعة قراءة نصوصه المتسلسلة في حلقات على منابر الصحافة الوطنية وخاصة في جريدة (العلم) منذ أواسط الأربعينيات. ونذكر أيضا إلى جانب الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله الأستاذة آمنة اللوه بروايتها (الملكة خناثة) ، و الأستاذ عبد الهادي بو طالب بروايته (وزير غرناطة ) التي تعد نموذجا لرواية التوثيق التاريخي.
وعليه، فعبد الهادي بوطالب يركز في روايته (وزير غرناطة) على تاريخ الأندلس أثناء أفول نجم مملكة بني الأحمر بغرناطة في العصر الوسيط و لاسيما في عهد الدولة المرينية إبان القرن الثامن الهجري.
يقدم عبد الهادي بوطالب روايته باستهلال يحدد فيه الإطار التوثيقي والموضوعي على غرار كتاب الرواية التاريخية، وذلك بتصوير الفضاء التاريخي بأحداثه المرجعية ووقائعه الحقيقية وشخوصه الإنسانية الحاضرة بقسماتها التاريخية. و ينقلنا بعد ذلك مباشرة إلى مدينة غرناطة عاصمة ملوك بني الأحمر ليسمعنا ما ينتظر سكان هذه المدينة من مصائب و ما يبيته أعداء الإسلام لهم. و من المعلوم أن حصون الإسلام في الأندلس بدأت تسقط واحدة تلو الأخرى بسبب صراع ملوك الطوائف وبني الأحمر حول الحكم ودواليبه. في حين كان جيش الأعداء يتقوى بفعل وحدة إسبانيا والبرتغال، و انطلاق الحملة الصليبية التي شاركت فيها معظم قوات أوربا بأمر من البابا لنصرة المسيحية و درء أخطاء الإسلام؛ لذلك انعقد اجتماع خطير في قصر الحمراء حضره السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن الأحمر لإعداد العدة لردع الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين ويتحينون الفرص للانقضاض عليهم . و كان ملوك بني الأحمر يجدون في حملة المرينيين عونا لهم على الأعداء كلما استنجدوا بهم، لكن هذه الحملات العسكرية سرعان ما توقفت بسبب الفتن الداخلية التي كان يعرفها مغرب المرينيين بسبب الصراعات حول السلطة بين الأبناء بعد وفاة يعقوب المنصور . وترتب عن هذا الصراع السياسي الداخلي كثرة الإحن و الأحقاد ناهيك عن التطاحن الشخصي و البلاطي و العسكري؛ مما ضيع جهود ملوك بني مرين في تهدئة الأوضاع و القضاء على الثورات و الفتن الداخلية . وقد انعكس كل هذا على تدخلات المرينيين في شؤون الأندلس ، فتقلصت – بالتالي- المساعدات العسكرية بعد هزيمتهم في معركة العقاب مع الإسبان .
وقد جعلت هذه الظروف العصيبة مدينة غرناطة تعيش فترات حالكة بين اليأس و الأمل، و إن كان اليأس هو الغالب على أهل المدينة بسبب ترقبهم للعدو و استعدادهم الدائم لكل هجوم مباغت قد لا يكون في التوقع و الحسبان .
و في هذا الجو من الصراع التاريخي و الاضطراب السياسي وتأرجح بني الأحمر بين مهادنة الإسبان مرة و مناصرة بني مرين مرة أخرى و التزام الحياد في أوقات تفرضها الضرورة و الوفاء بالعهود و المواثيق ولا سيما أن دولة بني الأحمر ضعيفة من حيث العدد و العدة و لا يمكن أن تجابه العدو إلا بالتعاون مع المرينيين كان بنو الأحمر يقضون أيامهم الأخيرة ويستشرفون نهايتهم البائسة.
و ما أسوأ لحظات الترقب والانتظار التي كان يعيشها بنو الأحمر إبان سقوط الأندلس! فقد كانوا يشعرون أن مملكتهم توشك على السقوط على غرار الممالك الأندلسية الأخرى بعد العز الأمجد والشرف الأعظم. ذلكم هو الجو التاريخي الذي صورته الرواية لتقدم بعد ذلك شخصيتها المحورية ألا و هي شخصية لسان الدين بن الخطيب ذي الوزارتين: وزارة السياسية ووزارة القلم في عهد ملوك بني الأحمر.
عاش لسان الدين بن الخطيب يكتب و يؤلف في شتى المعارف والعلوم و يحبّر الرسائل الديوانية و ينظم الأشعار في مدح ملوك بني الأحمر و سلاطين بني مرين .و قد ذاعت شهرته في المغرب و الأندلس و المشرق على حد سواء . فلولا ابن الخطيب لما ذكر لبني الأحمر شأن، و لما كانت لهم مكانة في تاريخ المغرب والأندلس.
و إلى جانب الأدب و الثقافة، كان لسان الدين بن الخطيب وزيرا للدولة و مستشارا محنكا، ذا خبرة وتجربة طويلة في مجال التدبير و السياسة و السفارة في جذب ملوك بني مرين لمساعدة و إنجاد الأندلس من مناوشات الأعداء وهجماتهم المتكررة على سكان الأندلس و ممالكها وحرماتها . و من ثم، نال حظوة كبيرة لدى بني الأحمر، و مكانة عظمى لدى أهل غرناطة، يتقرب إليه العلماء ، و يتوسل إليه الناس إما لمساعدتهم وإما لقضاء مآربهم وإما للتدخل لدى السلطان وإما للرفع من مراتبهم.
و صار لسان الدين بن الخطيب شاعر بني الأحمر و لسان بني مرين بالقصائد المدح الطوال.بيد أن هذه السعادة و صفاء الجو وراحة البال سرعان ما انقلبت إلى الشقاء بسبب حسد الوشاة وكيد الحاقدين سواء في المغرب أم الأندلس خاصة في عهد الغني بالله. ومن المعروف أن ابن الخطيب كان هو الوزير الوحيد الذي يتحكم في كل أمور الدولة مهما صغر شأنها أو عظم.
و من الذين تحاملوا على ابن الخطيب ابن زمرك كاتب و شاعر الغني بالله و القاضي النباهي. وقد أسدى إليهما ذو الوزارتين الكثير من فضائله، إذ عين ابن الزمرك كاتبا للسلطان، ورقى القاضي النباهي في عدة مراتب عليا . لكن في الأخير، سيتدخلان إلى السلطان بالوشاية على ابن الخطيب، و اختلاق أسباب الحقد ليضمر السلطان في نفسه العداوة على وزيره ليبعده عن الحكم أو يأمر بقتله. ولما عرف ابن الخطيب هذه المؤامرات و الخدع لتصفيته، قرر الهرب إلى تلمسان حيث نزل ضيفا عند الملك عبد العزيز، بينما سلطان الأندلس يتوعده و يطالبه بالرجوع لمعاقبته على مكائده و نواياه السيئة حسب وشايات ابن الزمرك و القاضي النباهي.
و بعد وفاة ملك تلمسان، تولى الحكم أحمد بن أبي سالم الذي كان مواليا لابن الأحمر. فتم – بالتالي- القبض على وزير غرناطة وأسره في سجن المدينة البيضاء حتى تم خنقه و دفنه في مقابر فاس و إحراقه بعد ذلك.
و إذا تفحصنا بنية هذه الرواية وجدناها رواية تاريخية بالمفهوم الحرفي للتاريخ ؛ لأنها تهدف إلى توثيق التاريخ و تدوينه وصياغته بطريقة موضوعية قائمة عل السرد التاريخي البعيد عن التشويق الفني / الغرامي الذي رأيناه في روايات جورجي زيدان أوالكاتب الإنجليزي ولتر سكوت في روايته (أيفنهو)، أوالكاتب الفرنسي ألكسندر دوما في روايته (الكونت دي مونت كريستو ) . و يعني هذا أن الرواية خالية من الجوانب الرومانسية و الصيغ الفنية التي استبدلت بتوظيف الصراع التاريخي الذي أخذ بمفرده المكانة الكبرى و نصيبا وافرا من الأحداث إلى جانب مواقف ابن الخطيب المضطربة من هذه الأحداث بله عن التقلب بين السعادة والشقاء و عدم الاستقرار وكثرة الارتحال و الانتقال بين غرناطة والمغرب و تلمسان، و ما كان يعانيه من حقد الحساد ووشاية الأعداء وتآمرهم عليه لإقصائه؛ ليخلو لهم الجو و ينالوا السلطة ويتقربوا بالتالي إلى السلطان تزلفا و تملقا ونفاقا .
و إلى جانب خلو رواية عبد الهادي بو طالب من الجانب القصصي الفني القائم على الخيال و الإبداع و التمويه ، استند الكاتب إلى الترجمة الغيرية أو الخطاب البيوغرافي لكتابة سيرة ابن الخطيب في إطار تاريخي و سياق ذهني، أي إن الكاتب كتب سيرة ذهنية غيرية لابن الخطيب ليجعل التاريخ محكا لهذه الشخصية العالمة المثقفة و سياسته المحنكة، و كيف أثرت الظروف السياسية في هذه الشخصية إيجابا و سلبا ، و كيف أودت به المحن و الوشايات الكاذبة قتيلا مخنوقا ليلقى نهايته حرقا و حتفا .
و هكذا فرواية (وزير غرناطة ) تاريخية بمعنى الكلمة للتاريخ لخلوها من التحليل الفني و هيمنة البعد المرجعي على فضاءاتها وشخوصها و أحداثها و هيمنة الرؤية العارفة على الخطاب السردي من خلال استعمال ضمير الغياب والرؤية الموضوعية المحايدة نسبيا والارتكان إلى السرد و الأسلوب التقريري المباشر .
و قد كتب سعيد العريان عن ذهنية هذه الرواية و طابعها البيوغرافي و خروجها عن المعتاد كما في الرواية المشرقية التي كانت تمزج الحدث التاريخي بالحدث العاطفي و الغرامي قائلا: \" أما لسان الدين فسيعرف عنه قارئ هذا الكتاب ما يكفي مئونة التعريف به ، و أما ما كتبه عنه أبو طالب في هذا الكتاب شيء جديد لم يسبق إليه مستشرق و لا مستغرب ، هو قصة إنسان إن شئت أن تقرأ قصة إنسان ، وهو فصل من تاريخ السياسة المغربية في القرن الثامن ، و هو دفاع وطني رائع عن أسلوب لسان الدين في الحكم والسياسة، إن كان قد حملك بعض ما قرأت عن لسان الدين على لوم لسان الدين أو انتقاص أسلوبه في الحكم والسياسة.هو إذاً كتاب أدب و فن . و هو إلى ذلك كتاب تاريخ وسياسة \".
إذاً ، فمن خلال التقديم الذي وضعه سعيد العريان – و هو من كبار كتاب الرواية التاريخية في مصر – لرواية ( وزير غرناطة) نستشف أن رواية عبد الهادي بو طالب أقرب إلى كتب السيرة والترجمة الغيرية من فن الرواية التاريخية ؛ لأن هذا العمل فيه الفائدة التاريخية المحضة أكثر من المتعة الفنية و التشويق الجمالي على الرغم من وجود المجالس الأدبية و العلمية و الاستشهادات الشعرية و الكتابات الأدبية و عناوين المؤلفات المحددة بسياقها التاريخي . فهذا النص يشبه إلى حد كبير نص التعريف لابن خلدون الذي أورد فيه حياته و الأحداث التاريخية و ضمّنه الرسائل و الأشعار و كتاباته الديوانية . و هكذا نقول إن رواية ( وزير غرناطة ) رواية التدوين التاريخي و التوثيق المرجعي والتأريخ الذهني لسيرة لسان الدين بن الخطيب في صراعه الحاد مع السلطة و الطامعين فيها .


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home