القلم العلمي

 

حضور ميتافيزيقا اسبينوزا في فيزياء أينشتاين

زهير الخويلدي



حضور ميتافيزيقا اسبينوزا في فيزياء أينشتاين :

 زهير الخويلدي

"الحياة نسيج عظيم و الفرد خيط رفيع في هذا النسيج العجيب الشاسع و بدون هذا الشعور بالأخوة مع بشر يعقلون الكون مثلي و بدون هذا الاستغراق في الموضوعي, في حقول الفن و العلم التي لا يمكن استنفاذها أو بلوغ نهاياتها فإن الحياة بالنسبة لي كانت ستبدو فارغة..."

 استهلال :

 يعتبر سنة 1905 سنة ثورية في تاريخ العالم فالأحداث فيه تتسارع دون هوادة و حركة المجتمعات والأفكار تتقدم بعجلة الى الأمام و في هذه السنة الحاسمة قام أنشتاين بخطوات من شأنها أن تقلب وجهة نظرنا الكونية رأسا على عقب , ففيها قد وضع نظريته النسبية الخاصة ونظرية الكم و نظرية الحركة البراونية و التي جعلت الأرض تميد تحت أقدام العلماء الكلاسيكيين و أدت كذلك الى زعزعة الأسس الصلبة للعلم الحديث.

 لقد لبث العالم مدهوشا مستغربا أمام العدد الضخم من الأفكار الجديدة التي طلع بها هذا الفيزيائي الألماني(1879-1955) و الذي لم يفكر الا في الثغرات و الفجوات التي يستشعرها في نظرياته. لقد كانت أفكاره تتدفق كالسيل الذي لاينضب معينه و كان هو نسيج بأسره فكان جم الأدب عظيم التواضع رجل ذكي مستقل و حر التفكير متمردا على نظام التعليم يعشق الانسجام في العالم من خلال الموسيقى والفيزياء النظرية محبا للتأمل و العزلة يحل المشاكل بأبسط الطرق يحرص على أن يسوق أفكاره بأكثر وضوح وأن يكون مفهوما من قبل الجميع.

 لكن و لئن كان من السهل نسبيا التطرق الى الجهود العلمية لآنشتاين خصوصا بعد أن وجدت نظرياته الرياضية و الفيزيائية طريقها الى العرض و التوضيح فإن الاهتمام بأنشتاين الفيلسوف هو أمر في غاية الصعوبة و التعقد خصوصا و أن فلسفته – ان كانت له فلسفة – ليست بتلك البساطة بل يكنفها الغموض ومليئة بالتناقض و التردد. لما كان أنشتاين يهتم بالقوانين العامة للفيزياء فسرعان ما وجد نفسه أمام مشاكل تتناولها في العادة كتب الفلاسفة. فخلافا لغيره من أصحاب الاختصاص كان لا يتورع عن مراجعة الكتب التي لا تدخل في دائرة اختصاصه. و كان يقبل على كتب الفلاسفة يحدوه الى ذلك عاملان متعارضان: 1 - ابتغاء التسلية و التندر لأنهم في نظره سطحيون يتوخون الغموض في كل شيء و يتكلمون في كل شيء على الرغم من التفاوت الموجود بينهم, هؤلاء الفلاسفة هم شوبنهاور و يتشه. 2

- الاستفادة من كتبهم و الاقتباس من آرائهم و تعلم بعض الاشياء التي تساعده على تفهم طبيعة مبادىء العامة للعلم و لاسيما علاقتها المنطقية بالنواميس التي تعبر عن الملاحظات المباشرة , هؤلاء الفلاسفة هم هيوم و ماخ و بوانكاريه و كانط و الى حد ما اسبينوزا.

بيد أن اللقاء بينه و بين اسبينوزا لم يكن ليحدث على مسرح التاريخ لولا اعتراف أنشتاين بنفسه بهذا التأثر في رسائله و كتبه و خاصة كتابه: هكذا أرى العالم و رسالته الى صديقه موريس سولوفين.

و الآن لنتساءل : هل تأثر آينشتاين فعلا باسبينوزا؟ بعبارة أخرى : هل هناك حضور واضح المعالم لإسبينوزا في النص العلمي و الفلسفي لآنشتاين ؟ هل القرابة بينهما هي مجرد الانتماء الى التراث اليهودي ؟ ان كان اللقاء بينهما قد تم فعلا فماهي العناصر الفلسفية التي أخذها آنشتاين عن اسبينوزا ؟ كيف تؤثر ميتافيزيقا حديثة تؤمن بالبداهة العقلية و الضرورة الكونية في فيزياء معاصرة تؤمن بالفرضيات و حساب الاحتمال الرياضي و النسبية المحددة و المعممة ؟ هل الاعجاب بالرياضيات و استخدامها هو القاسم المشترك بين الرجلين ؟ ألم يتفقا في نقدهما التاريخي و العلمي لظاهرة التدين اليهودي و ما رافقه من تحريف و تزييف للكتاب المقدس ؟ ما معنى أن يتأثر عالم ريبي مثل آنشتاين معجب أيما اعجاب بفلسفة هيوم التشككية و بنقدية كانط بكتاب الأخلاق لفيلسوف يثق ثقة عمياء بالعقلانية الجذرية مثل اسبينوزا ؟

كل هذه التساؤلات بمثابة مفارقات و تناقضات دأب آينشتاين على الوقوع فيها و عمل بجد على تفكيكها وتوضيحها دون كلل أو ملل و نحن في هذا البحث لا يسعنا الا متابعة حركة فكره و رصد طيات نصوصه و تنقيب ماوراء خطبه و رسائله لعلنا نظفر بما يفي بمقصودنا و يفتح أمامنا ماهو قد انغلق و لذلك تتمثل خطة بحثنا في مسارات التفكير التالية :

 1- القاسم المشترك في الموقف من المسألة الدينية سلبا و ايجابا.

2- القاسم المشترك في النظرة الى الكون على مستوى الفيزياء أو الميتافيزياء. 3- القاسم المشترك في الالتزام على صعيد الممارسة سواء سياسة أو أخلاق. غير أن الاعتقاد بحضور الميتافيزيقا الحديثة في الفيزياء المعاصرة و تأثر آينشتاين باسبينوزا يفترض مجموعة من المسلمات الضمنية و التي يمكن أن نذكر ما يلي : - الاقرار بوجود عنا صر ميتافيزيقة في الفكر الحديث. - اعتبار فلسفة اسبينوزا فلسفة ميتافيزيقية. - حاجة العلم عامة الى مجموعة من المبادىء الميتافيزيقية. - اقتران الثورة الكبيرة التي قام بها آينشتاين في الفيزياء بالعودة الى الكشوفات الفلسفية الصامتة التي ورثها عن اسبينوزا. - وقوع الميتافيزيقا عند اسبينوزا في العديد من الصعوبات النظرية و المفارقات العملية لم يقدر كبار الفلاسفة الذين جاؤوا بعده على حلها. - النظر الى الفلسفة العفوية عند آينشتاين على أنها توضيح منطقي للغة العلمية التي تكلم بها اسبينوزا في فلسفته الميتافيزقية. - لا وجود لتعارض بين الفيزياء و الميتافيزياء و تجاوز آينشتاين دعوى نيوتن الشهيرة :

" أيتها الفيزياء احذري من الميتافيزياء..." ألا تقتضي هذه الفرضيات الضمنية اثباتا بالحجة و البرهان من خلال الاحتكام الى العقل و العودة الى علم الحياة و التجربة ؟ هل استعاد آينشتاين القاعدة المنهجية الديكارتية التي ترى أن " أساس الفيزياء هو الميتافيزيقا"؟

ماهو متعارف عليه أن آينشتاين يثني على الفلسفة و يمدح الأفكار الفلسفية فقد : - أخذ عن هيوم فكرة النسبية بإعجابه بمذهبه الريبي. - كما نظر باندهاش الى اعتبار كانط مقولتي الزمان و المكان من مقولات الذات و خروجه عن النص النظري لصاحب كتاب المباديء نيوتن. - زيادة على انتباهه الى أهمية الرفض الديكارتي لفكرة الخلاء أو الفراغ في الكون و تفسيره الحركة من خلال التصادم بين الأجسام. أضف الى ذلك أنه القائل في تعيين1950و الذي عنوانه "الفيزياء و الفلسفة و التقدم العلمي" : " اذا اعتبرنا الفلسفة بحثا عن المعرفة العامة و الأكثر شمولية فإنه ينبغي اذن أن ننظر اليها بشكل بديهي على أنه أم لكل تساؤل علمي..." " هذا التصور للعالم اذا نظرنا اليه من زاوية فلسفية هو بالتحديد مرتبط بالواقعية العفوية أي بالتصور الذي يرى المواضيع في الفضاء ممثلة مباشرة من خلال الادركات الحسية..." من هنا يتبن لنا أن الأسئلة الرئيسية في الفيزياء هي من طبيعة فلسفية وأن الفيزيائي يكون بطبعه فيلسوفا .

 يصرح انشتاين في كتابه تطور الفيزياء تحت عنوان الخلفية الفلسفية : " تفرض نتائج البحث العلمي في أحيان كثيرة تبدلا في النظرة الفلسفية الى مسائل تمتد الى ما وراء ميدان العلم المقيد. ماهو هدف العلم ؟ ماهو المطلوب من نظرية نحاول أن تصف الطبيعة ؟ ان هذه الأسئلة ترتبط ارتباطا وثيقا بالفيزياء مع أنها تتخطى حدوده لأن العلم يشكل مادة نشوئها. و ينبغي أن تبنى التعميمات الفلسفية على النتائج العلمية. ولكنها بعد أن تصاغ و تقبل على نطاق واسع تؤثر في أحيان كثيرة على التطور اللاحق للفكر العلمي و تبين النهج الذي يجب اتباعه من عدة طرق ممكنة. ان الثورة الناجحة على وجهة نظر قائمة و مقبولة تؤدي الى تطورات غير مرتقبة و مختلفة تماما عما سبقها وتتحول الى مصدر الى نظريات فلسفية جديدة" هذه الملاحاظات تقر بأن العلم يبدأ عندما تتأزم الفلسفة و تشرع في التوقف و أن الفلسفة تبدأ عندما يشرع العلم في التنظم والتوقف.

اذا ذلك كذلك و كان اللقاء بين الفيزياء و الفلسفة من تحصيل حاصل أو من مستلزمات التقدم العلمي ذاته فكيف تم اللقاء بين فيزياء آنشتاين و فلسفة اسبينوزا و ضمن أي سياق نظري ؟

1- التأثير في السياق العلمي : الأساس المشترك بين الرجلين هو استخدام المنهج الرياضي والايمان بالضرورة المطلقة في الكون.

 أ - ميتافيزيقا اسبينوزا : من المعلوم أن اسبينوزا اتبع في كتبه: الأخلاق و مبادىء فلسفة ديكارت و الرسالة الموجزة منهج الرياضيين في الهندسة لما تضمنته من تعريفات و أوليات و مسلمات و قضايا و حدود و و براهين و حواشي تماما مثلما تتضمنه كتب علماء الهندسة و قد اقتدى اسبينوزا في ذلك بإبن ميمون و سكوت و بروكلس فكتاب الأخلاق تضمن العنوان الفرعي التالي : "الأخلاق مبرهنا عليها على النهج الهندسي في خمسة أجزاء تبحث

 1- في الله

2- في طبيعة النفس و أصلها.

3- في أصل الانفعالات و طبيعتها.

4 - في عبودية الانسان أو في قوى الانفعالات

5- في قوة العقل أو في حرية الانسان". يقول سبينوزا في التذييل الخاص بالكتاب الاول : " و لا شك أن هذا السبب وحده كان كافيا كي يبقى الجنس البشري في جهل دائم للحقيقة لولا الرياضيات التي تعنى لا بالغايات و انما بماهيات الاشكال و خاصياتها و التي أشعت أمامن الآدميين معيارا آخر للحقيقة ..." يقوم التصور الميتافيزيقي عند سبينوزا على : - استبعاد الغائية في التفسير العلمي - وجود توازي عقلي- فيزيائي في كل الكون - وجود جوهر واحد هو الطبيعة- الله وهي طبيعة طابعة أي مجموع الصفات اللامتناهية و من بينها الفكر و الامتداد و الطبيعة المطبوعة فتشمل كل الأحوال تبدأ من تلك التي تنبسط مباشرة من الصفات مثل الذهن اللامتناهي و الحركة و السكون الى أكثر الأشياء تحديدا. - الضرورة مطلقة في الكون و كل شيء خاضع لقانون دقيق و لا شيء يحدث صدفة أو اتفاقا بل ان قوانين الطبيعة هي القوانين الالهية وهي أيضا القوانين الأخلاقية. يقول في القضية38" ان ما يكون مشتركا بين جميع الاشياء و يوجد في الجزء و الكل على حد السواء لا يمكن تصوره الا على نحو تام ". - " لا شيء في الطبيعة حادث بل كل ما فيها محدد بضرورة الطبيعة الالاهية كي يوجد و ينتج معلولا ما بنحو ما." القضية 29 الكتاب الاول ص66. - نجد في القضية 28" لا يمكن لأي شيء جزئي أعني لأي شيء متناه و محدد الوجود أن يوجد و لا أن يتحدد انتاجه لمعلول ما ان لم يتحدد وجوده و انتاجه لهذا المعلول بعلة أخرى هي ذاتها متناهية و محددة الوجود ... و هكذا دواليك بلا نهاية".ص64 ان الانسان عند سبينوزا نمط محدود وهونتاج للجوهر الواحد لأنه لا يوجد الا جوهر ما عدى الله الذي يمثل في الوقت ذاته سبب وجوده و سبب ماهية الأشياء " الله واحد بمعنى... أنه لا وجود في الطبيعة الا لجوهر واحد..." " النفس و الجسد شيء تارة نتصوره من جهة الفكر و طورا من جهة الامتداد..." الكوناتوس هو المبدأ الذي يحدد ماهية الكائنات و الأشياء و يعرف بأنه القوة و الميل الذي يوجد في الأشياء و يجعلها تحافظ على حالتها.

فالعقل كالجسد يخضع للكناتوس و لا وجود لعقل متعال عن الانفعالات, فأفعال النفس مرتبطة بأفعال الجسد كما أن انفعال الواحد مرتبط بانفعال الآخر و هذه الفكرة هي ما يعبر عنه سبينوزا بالتوازي بين عناصر الكون أي بين الامتداد و الفكر وهو توازي على مستوى الفعل و الانفعال. ب- فيزياء آينشتاين : ينظر اينشتاين الى الرياضيات على أنها مبدعة/خالقة للنظريات الفيزيائية و أداة لا مشاحة منها لرؤية العالم و اكتشاف بنيته و سبر قوانينه, و اذا كانت مقاصده في مشروعه الفلسفي هو " رسم الخطوط العريضة لمحاولات الفكر البشري الرامية الى ايجاد ترابط بين عالم الأفكار و عالم الظواهر" ببذل" الجهود لإظهار القوى الفعالة التي تدفع بالعلم الى استنباط الأفكار التي تناسب واقع العالم الذي نعيش فيه " فان ذلك لن يتم الا بالمنج الرياضي لأنه الأنجع عند متابعة البحث عن حلول للأسرار التي يحتويها كتاب الطبيعة و أثناء صعود النظرة الميكانيكية أو هبوطها و صعود النظرة النسبية. فالرياضيات تعلمنا مبادىء لغة الطبيعة و تجعلنا قادرين على اكتشاف العديد من الخيوط المؤدية الى حل الألغاز. في هذا السياق يصرح انشتاين :

 " ان البناء الرياضي المحض يمكننا من اكتشاف المفاهيم و القوانين التي تصل بينها و التي تعطينا مفتاح الظواهر الطبيعة.و يمكن للتجربة بطبيعة الحال أن تقودنا في اختيارنا المفاهيم الرياضية التي ينبغي أن نستعملها". و عن العلاقة بين الرياضيات و التجربة بين انشتاين المفاهيم الفيزيائية ابداعات رياضية حرة و أن الفكر الرياضي قادر لوحده على فهم الواقع بقوله :

" و لئن ظلت التجربة بالتأكيد مقياس المنفعة الوحيد لبناء رياضي ما في خصوص الفيزياء فإن المبدأ الخلاق بحق هو الرياضيات..." تمنح الرياضيات الفيزياء العديد من المزايا: - تمكنها من الاقتصاد في التفكير و النجاعة في التفسير - تمنح النسق الفيزيائي بنيته و تذهب به في الاختزال المنطقي شوطا كبيرا. - تجعل الفيزياء النظرية تحصل على قاعدتها الأكسيومية مما يمكنها من اكتشاف ثغراتها و تنافضاتها و العمل على تلافيها. - الفيزيائي من خلال الرياضيات يستطيع الحصول على صورة ما عن الآلية التي تتحكم في سير قوانين الكون بانتظام و كأنها تشبه مفتاح يصلح لفهم آلية ساعة مغلقة. و قد عمل انشتاين على حل العديد من المعضلات في الفيزياء الكلاسيكية و النظرة الميكانيكية للكون مثل لغز الحركة باستنطاق مفاهيم القوة و الكتلة و السرعة و الاتجاه و نظر في تجارب الجاذب و التنافر و النواقل و العوازل مستلهما في ذلك افكار سبينوزا جول الكوناتوس و الامبتوس , كما انه انتقل الى النظرة الديناميكية للكون و بحث في لغز الضوء و لغز اللون و لغز الأثير و كيفية انتقال المادة الى طاقة و طرح سؤال الجوهر السبينوزي على مفاهيم الفيزياء الجديدة التي تعنى بالجزيئات الجدقيقة فبحث عن جوهرالضوء و عن جوهر الطاقة و مفهوم الحرارة النوعية فكان يتساءل هل الحرارة جوهر؟ فوجد انها بعد من ابعاد الطاقة و ليست مادة بالمعنى الذي تحمله الكتلة. اذ يقول في هذا الاطار :

 " فالحرارة حسب تصورنا هي جوهر كما هي الكتلة في الميكانيكا و يمكن أن تتغير كميتها أو لا تتغير..." و بالتالي فإن الحرارة تحفظ في الجسم المعزول و تظل ثابتة و يمكن نقلها من جسم الى آخر. يقول انشتاين عن تعريفه الجديدة للطاقة :" لقد أدخلت الفيزياء التقليدية جوهرين اثنين هما: المادة و الطاقة فالمادة لها وزن أما الطاقة فلا وزن لها. و في الفيزياء التقليدية أيضا يوجد لدينا قانونين للحفظ: الأول لحفظ المادة و الثاني لحفظ الطاقة. أما الفيزياء الحديثة فإنها لا تقبل بمفهوم الجوهرين و قانوني الحفظ. فحسب النظرية النسبية لا يوجد أي تمييز أساسي بين الكتلة و الطاقة, فالطاقة لها كتلة كما أن الكتلة تمثل طاقة. و عوضا عن وجود قانونين للحفظ لدينا قانون واحد فقط هو قانون حفظ الكتلة- الطاقة. و قد تبين أن هذه النظرة الجديدة ناجحة جدا و مفيدة لتطور الفيزياء اللاحق." واضح أن انشتاين مثل سبينوزا يؤمن بوحدة الوجود و بقانون واحد كلي يسري في جميع عناصر الكون كبيرها و صغيرها فهويجعل الزمان بعدا رابعا للمكان و أسس مفهوم الزمان-المكان أو الزمكان وهو كذلك الذي نحت مفهوم الكتلة-الطاقة. ان انشتاين يعتقد بنوع من العقل الكلي و بوجود نوع من النظام المسبق الذي يشيع في الطبيعة, فالعالم مؤسس على العقل و من الممكن فهمه على هذا الأساس و دون الاعتقاد الجازم بالنظام الباطن الذي يسود الطبيعة لما قامت للفيزياء قائمة. و قد ذاعت شهرة اينشتاين لاكتشافه نظرية النسبية و عندما طلب منه شرح فحوى النسبية قال :" لقد كان الناس من قبل يعتقدون انه لو اختفت جميع الاشياء المادية من العلم لبقي الزمان و المكان مع ذلك و أما نظرية النسبية فإنها ترى أن الزمان و المكان يختفيان ايضا هما و سائر الأشياء .

" و هذا يعني أنه يجرد الزمان و المكان من الوجود المستقل و يجعلهما من صنع الانسان فلكل انسان زمانه الخاص و مكانه الخاص و لكنه يعترف على الأقل أن الكون له حقيقة فيزيائية مستقلة. و هكذا قلب هذا الرجل نواميس الكون و اثبت انحناء المكان و رفض التخلي عن هذه الفكرة في سبيل توسيع نظيرته النسبية على الصعيد الميتافيزيقي من طرف وايتهاد بل وضع نظرية جديدة في الجاذبية مستقلة و قائمة بذاتها و منسجمة منطقيا و تفسر حقائق اكثر شمولا و أوسع نطاقا و قد أيدتها العديد من التجارب الميدانية. و لعل النتائج التي أدت اليها نظرية النسبية عديدة وهي:

 - الزمان نسبي - للمكان انحناء - سرعة الضوء هي أكبر سرعة ممكنة - لا يمكن الفصل بين الزمان و المكان إطلاقا بل هما يكونان معا كلا متصلا يسمى " متصل الزمان و المكان" و الزمان اذن هو بعد رابع يضاف الى أبعاد المكان الثلاث الاخرى : الطول و العرض و الارتفاع. - ان مقاييس الناس للزمان نسبية تتوقف على اطارة الاشارة التي يوجد فيها الراصد. - الزمان له أكثر من اتجاه و الأمر يتوقف على المعايير التي نضعها سابقا لتحديد المعية و التوالي أو التتابع, فلا توجد معايير مطلقة بل كل ما هنالك مجرد مواضعات . و فكرة المعية أي الحدوث في نفس الوقت تختلف بإختلاف اطار الاشارة أي لموضع الراصدين بحيث لا توجد معية مطلقة, فتحديد المعية و تبعا لذلك تحديد الزمان في نقط مختلفة من المكان هو أمر نسبي و ليس واحدا بالنسبة الى مجموعة مختلفة من الراصدين. و قد أجاب عن سؤال : هل التصور الذاتي لجسم ما يتوقف على ما يحتويه من طاقة ؟ بقوله بالتكافؤ بين الكتلة و الطاقة و المعادلة الرياضية التي تترجم ذلك هي : الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء . و قد واصل انشتاين توسيع نظرية نظريته في النسبية و بحث في أسسهاالمعممة و انتهي الى أن ليست قوة كما فهم نيوتن بل هي مجال منحني في متصل المكان و الزمان ناشيء عن حضور الكتلة.

و هذا التعريف أمكن اثباتها بعد قياس درجة انحراف الضوء حين يسير نجم معين قريبا من الشمس أثناء الكسوف الكلي. و قد استطاع انشتاين بالمعادلات الرياضية الجديدة أن يفسر عدم انتظام مدار كوكب عطارد في أقرب نقطة الى الشمس و بين لماذا تبعث النجوم في مجال جاذبية قوية ضوءا أقرب الى الطرف الأحمر من الشعاع الطيفي في مجال أضعف. أما دراسات اينشتاين في مجال انتاج و تحويل الضوء فقد بينت أن الضوء يتألف من مجموعة من الكمات ذات موجات و قد عرفت فيما بعد باسم الفوتونات. 2- التأثير في السياق الديني : أ- سبينوزا و الدين: - نقد اسبينوا التاريخي للكتاب المقدس للتمييز بين الأسطوري و الحقيقي في اليهودية و بيان مواطن التحريف و الالتجاء الى التخيل. - العلاقة بين الله و الكون :

 اذا كان ديكارت يبدأ من الكوجيتو ليصل الى العالم بضمان الاهي فإن سبينوزا يبدأ من الله أو الطبيعة ثم يستنتج استنباطا ما تؤدي اليه تلك الماهية الالهية أو الطبيعية اذ يقول :

 " انهم لم يتبعوا الترتيب المطلوب من أجل التفلسف. لقد اعتقدوا أن الطبيعة الالهية تعرف في آخر الأمر و أن الأمور المحسوسة تأتي في أول الأمر – مع أنه كان ينبغي عليهم أن يبدأوا بتأمل الطبيعة الالهية قبل غيرها لأنها هي الأولى سواء من وجهة نظر المعرفة و من حيث الطبيعة. ثم انهم لما عنوا بهذه الطبيعة الالهية كان من المستحيل عليهم أن يفكروا في الأوهام الاولى التي أقاموا عليها معرفة الأمور الطبيعية لأنها كانت بغير فائدة لمعرفة الطبيعة الالهية..." الله و الطبيعة شيء واحد أو وجهان لشيء واحد, فالله هو الطبيعة الطابعة و الكون هو الطبيعة المطبوعة.و هذا الجوهر الالهي اللامتناهي لا يقبل القسمة وهو واحد أحد و أزلي أبدي. و الوجود والماهية في الله أمر واحد. وجود الله لا يبحده شيء سوى قانون عدم التناقض و الامكان المنطقي . الله اذن علة كل الاشياء. " و الله أو الجوهر له صفات لامتناهية كل واحدة منها تعبر عن ماهية لامتناهية " " و من ضرورة الطبيعة الالهية ينتج بالضرورة عدد لامتناه من الأشياء بطرق لانهائية, أعني كل الأشياء التي تدخل في نطاق العقل اللامتناهي" ينقد سبينوزا فكرة الله الشخصي لأن الشياء لا تصدر عن الله كما لو كانت تصدر عن خالق موجود في الخارج سابق عليها و كما لو أنها لا توجد الا بأمر من ارادته أو لتحقيق غرض خاص به.

ان اسناد غرض لله هو بمثابة اسنادنا نحن أغراضنا اليه هو كما يتنافى هذا مع كماله لأننا سنتصوره كأنه يسعى الى تحقيق غرض و سد حاجة يحتاج اليها بينما لله منزه عن كل غرض عند سبينوزا. فنحن نقول مثلا ان الله خير و نقصد بذلك أنه يحب ما نحب و نقول ان ثمة نظاما الهيا و نقصد أن الله خلق الأشياء على نحو يجعل من الميسور على الانسان تذكرها و تصورها, فكأننا نريد أن نفرض على الطبيعة أهواءنا و أذواقنا. ان أمور العالم تجري دون أهوائنا و أذواقنا و أغراضنا لأن " كمال الأشياء يجب أن ينظر اليه فقط من حيث طبيعتها و قوتها..." لا من حيث توافقها مع ميولاتنا أو لا ملاءمتها. لكن اذالم يكن الله هو العلة الفاعلية و لا العلة الغائية للكون فكيف وجد الكون اذن ؟ ان وجود الكون ضرورة منطقية, ان وجود الكون و ماهيته ناتجان عن الطبيعة الالهية ذاتها و يؤكد سبينوزا على ضرورةالاندراج في نوع من تجربة الحب العقلي لله و يسميها الدرجة الثالية من المعرفة وهي الدرجة العليا بعد المعرفة الحسية و المعرفة العقلية .

و لما كان الله و الطبيعة شيئا واحدا فإننا بقدر ما نتصور جميع الأشياء صادرة عن طبيعة الله فإننا نتصورها مندرجة تحت نوع من الأبدية. اننا نتصور جزءا من النظام اللامتناهي المترابط منطقيا و بقدر ما نتصور أنفسنا و سائر الأشياء على هذا النحو فإننا نعرف الله. و من هذه المعرفة تنبثق لذة العقل و رضاه و اللذة مصحوبة بفكرة الله بوصفه علة سرمدية هي الحب العقلي لله و هذا الحب العقلي هو نفس الحب الذي يحب به الله نفسه لا من حيث هو لامتناه لكن من حيث أنه يمكن العبير عنه بواسطة ماهية العقل الانساني منظورا اليه مندرجا تحت نوع الأبدية. ان حب الله للناس و الحب العقل لله هما شيء واحد و فيهما سعادة الناس و حريتهم و خلاصهم. ب- اينشتاين و الدين : يحمل اينشتاين نظرة ساخرة تهكمية من الدين و خاصة من شعائره البالية فهو غير منظبط من الناحية الايمانية و غير مواظب على أداء الفرائض الدينية بل يعد واحد من المارقين انه لا يقوم بالشعائر و لايشهد الاحتفالات الدينية رغم انه تلقى التعليم اليهودي واستهوته تعاليق الاحبار على حكم سليمان و كان يشمئز عندما يرى ابويه لايكترثان بالطقوس الدينية لقد اعتبر اينشتاين الدين احد العوائق التي تمنع حرية التفكيرفكفر به وظل طيلة حياته معتقدا في العلم و مؤمن بأفكار سبينوزا في وحدة الله بالطبيعة و في نقده فكرة الاله الشخصي. و قد قال مرة عن المتدينين : " أرجو أن لا أكون واحد من هؤلاء البؤساء عندما أكبر ..." بيدأن شعور اينشتاين كان قويا بوجود نواميس الهية تحكم الكون بنظام و بذل جهدا لمعرفة هذه النواميس السرمدية وعمل على احترامها وعندما طرح عليه سؤال :

 ما علاقة نظرية النسبية بالدين؟ اكتفي بالفصل بينهما قائلا : " ليس لها أي تأثير فالنسبية نظرية علمية محضة و ليس لها أدنى علاقة بالدين " غير أنه ما يلبث أن يصالح بينهما في موضع آخر بقوله :

 " ان علما دون دين هو علم أعرج و ان دين دون علم هو دين أعمى " يطابق اينشتاين بين الله و الطبيعة فلله هو محرك البحث العلمي و هذا الأخير يفضي في النهاية الى اكتشاف الله حالا بقوانينه في الطبيعة. لكن تدين اينشتاين يشبه التصوف العلمي فهو يصدر عن اعترافه بتواضع قدرات العقل العلمي أمام نظام الكون الذي أبدعه و وضع قوانينه عقل معجز هو العقل الالهي. ان الاعتقاد في الاله المشخص هو أحد أسباب الصراع بين الدين و العلم و أن التحرر من الخوف يتم عبر تحرير الدين من الاله المتعالي الذي يحيل الواحد الى مثنى و المتماثل الى مغاير و يؤكد في هذا السياق :

" ان دين الخوف بناسب الانسان البدائي وهو دين رسخه الكهان الذين شكلوا فئة ممتازة و نصبوا أنفسهم وسطاء بين الانسان و الآلهة و أسسوا العبادة على المخافة و بنوا سلطانهم و سلطتهم على قاعدة التخويف " يصف اينشتاين شعوره الديني بأنه كوني بقوله : " ان هذا الشعور يصعب وصفه لمن لم يختبره لأنه متحرر من الدوغمائية العقدية و الطقوس الدينية و الاله المشخص و لا حاجة له بالتالي لكنيسة أو مؤسسة و انما هناك حاجة لتوطينه في كل نفس ...لا يمكن وصف هذا الشعور الديني لفاقده لكن أهم وظائف الفن والعلم هي احياء هذا الشعور في النفوس المؤهلة لاستقباله." يواصل مكتشف النسبية ما بداه سبينوزا من نقد للثنائية/ للمثنوية التي جاءت بها الأديان التوحيدية الثلاثة و التي فصلت فيها الله تعالى عن الطبيعة و تعالت به عن الكون والبشر و موضعته خارج العالم. و قد آمن بإله سبينوزا الذي يتسجد في قوانين الطبيعة عقلا و ارادة و قدرة و قصدا فهو القائل : " أنا عميق التدين و لأنني كذلك لا أستطيع أن أفهم الها يكافىء مخلوقاته و يعاقبها و يمتلك ارادة مماثلة لارادتنا..." و قد استبدل اينشتاين الايمان العجائزي الموروث بايمان بنظام الكون و تناسق قوانينه الطبيعية الحتمية بتصريحه : " أن نرى الأشياء متضمنة في النظام و القوانين الأزلية أي في الله يعني أن نشارك الله في رؤية الأشياء " ان النضال الالحادي ضد الدين ليست مهنة اينشتاين رائد العقلانية العلمية المعاصرة بل هو رجل دين تربوي يتواضع أمام معرفة العالم الموضوعية للوجود فقد استراح عقله في فردوس فلسفة سبينوزا الطبيعيةبعدما توحد فيها الله بالطبيعة و العقل بالوجود و الأخلاق بالعلم و الدين بالسياسة و ما تبقى هو توحيد العلم الاجتماعي و السياسي مع النظام الكوني. و هكذا فإن اينشتاين خرج عن الدين الرسمي لكي يؤسس الايمان على العلم و العقل و يرتقي بمستوى فيزيائه الى مرتبة فلسفة سبينوزا الوجودية التي جعلت كل شيء يبدأ من الله و جعلت الله و الطبيعة شيئا واحدا.

 3- التأثير في السياق الأخلاقي :

 أ- النزعة السلمية و نبذ العنف و الحرب يقول سبينوزا في رسالة اللاهوت و السياسة : " ان غاية الدولة القصوى ليست السيطرة, فلم توجد الدولة لتحكم الانسان بالخوف و لا لتجعله ملكا لإنسان آخر بل انما وجدت لتحرر الفرد من الخوف حتى يعيش قدر المستطاع في أمن أي حتى يحفظ قدر ما يستطيع دون ضرر الآخرين حقه الطبيعي في الوجود والفعل" أما انشتاين فهو لم يخلق للسياسة و لم يكن مستعدا أبدا للخضوع للترهات الحزبية و كان واحد من رسل التفاهم العالمي بين الشعوب يؤمن بالبعد الكوني و بالانسانية جمعاء دون تمييز و كان يكره الخدمة العسكرية و الحروب و ناد بجمعية ترعى السلم الدائم بين الأمم و رفض سباق الدول نحو التسلح كجزء من تدابيرها الدفاعية و اعتبر ذلك تهديدا للبيئة و لمستقبل الحياة على الأرض كما رفض منصي رئيس دولة اسرائيل و دعا الى حل الصراع مع العرب بطرق عادلة و سلمية و قد قال في هذا السياق : " ان دولة تنشأ كما نشأت اسرائيل لهي جديرة بالفناء ..."

 2- الايمان بالفرد و بالمجتمع المدني و بغض الشكل السلطوي للحكم. آمن سبينوزا بالفرد و ربط بين حقوقه الطبيعية و حقوقه السياسية و وضع على رأس جميع الحقوق حق الحرية و تصور الحرية في مجالات مختلفة أهمها حرية العقيدة و التفكير و المشاركة السياسية فهو القائل : "غاية الدولة في الواقع هي الحرية " و لكنه يربط بين حق الحرية و قدرة الانسان على الوجود والفعل بقوله : " ان لكل فرد حقا مطلقا على كل ماهو خاضع لسلطانه و بعبارة أخرى ان حق كل فرد يشمل المجلات التي تشملها القوة التي جعلت له " اذا عدنا الى اينشتاين نجده ما فتىء يمجد الفرد, فالفرد في نظره هو الذي يصنع التاريخ و المجتمع المعافى هو الذي حقق أفراده استقلاليتهم عن كل التبعيات و الضغوطات و قد صرح في المستوى : " ان جميع الخيرات المادية و العقلية و الأخلاقية... على مر العصور مصدرها افراد الخالقون..." " فالفرد المنعزل عن الناس هو وحده الذي يستطيع أن يفكر و بالتالي أن يخلق قيما جديدة تتكامل بها الجماعة" لهذا فإن الذي ينبغي أن يعول عليه ليس عامة الناس بل الفردية الخلاقة و الشخصيات التي تحقق الأمر النبيل الرفيع بالنسبة للإنسانية بأسرها.

 3- الايمان بالقوانين الأخلاقية و القيم العادلة كوسيلة للتنظم في الحياة الاجتماعية. يرى اينشتاين : "ان تحسين شروط حياة الانسان لا تعتمد علىة المعرفة العلمية بالضرورة و انما على تحقيق المثل الأخلاقية و التقاليد الانسانية " " ان العلم حاد البصر حين يتعلق الأمر بالأدوات و المناهج و يكون فاقد البصر حين يتعلق الأمر بالقيم و الأهداف " و يدعو أينشتاين الى تأسيس الأخلاق على العقل و المعرفة بقوله : " التمست الخير في انماء المعارف على اختلافها بدل أن تعانيه في نقاوة القلب و اطاعة الضمير و الارادة الصالحة " و لعل اعجابه بكتاب الأخلاق عند سبينوزا خير دليل على تأصل هذه النزعة القيمية لديه لكن المشكل يظل قائما لماذا لم يذكر اينشتاين سبينوزا الا نادرا في رسائله ومؤلفاته ؟ ألا نسقط في العنف التأويلي عندما نقبل مثل هذا اللقاء ؟

 المراجع:

أينشتاين من السنوات الأخيرة في حياتي المكتبة الفلسفية ص39 نيويورك 1950

أينشتاين وانفلد تطور الفيزياء ترجمة على المنذر أكاديميا بيروت 1993

اسبينوزا علم الأخلاق ترجمة جلال الدين سعيد دار الجنوب للنشر تونس

اسبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة طبعةغرانييه فلاماريون باريس 1960

ميشال باتي أينشتاين فيلسوفا طبعة بيف باريس 1993 * كاتب فلسفي




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home