خاطرة

 

موج... وانحسار

خولة النوباني



 

موج .... وانحسار

 

ها هو قد أقبل .. في البدء ظننته مصافحا .... وإذ به يصفعني حد الصدمة ... في البدء رأيت الود في زرقة عينيه ... ثم ما لبثت أن إكتشفت الموت يأتيني من بين يديه ..يطويني عبر قامته .. عيناي تبحثان عن قشة تساوي الروح ....وصوتي مصادر ضمن دائرة الذهول...

 لقد ثار لا أعلم سببا لثورته ، غير أني قد تأملت إمتداد المدى في أفقه .... أسرني بمعسول اللغة... بسحر عزفه والبيان .... كان يحكي لي كل يوم حكاية المساء ... كان يطربني حينا ... ويدعوني لخوض غماره أحايين ... أثار في الولع للقائه صباح ومساء .... اقتربت منه .... تعودت القرب منه .... أمنت جانبه حتى أني  لم أشعر بأمان مثل قربه ... شكوت له.... عقدت معه حوارية هي الأزل ... بادلني النجوى .. كان من طبعه أن يتمرد ولا يلبث أن يستكين ... لم أستطع يوما أن أحتفظ بشيء منه سوى تلك الرائحة التي ترافقني ثم لا تلبث أن تختفي ... قاومت فتنته الآسرة ... ولم أستطع إلا أن أحمله معي ليوقع حضوره في رشفة الفنجان ... ويقبع ساكنا في نفسي ثائرا على الأرض يترقب لحظة الإنهزام  .... هاهو يكرر الصفعة ويلح في شوقه لإنتزاع الروح ... لقد تغير ... ما عاد كما عهدته ... يبدو أنه قد مل الكرم ونكران الذات ... الآن اراد أن يوقع باصما فما عاد للكتابة مكان ... اليوم قد زهد بضحاياه وهاهو يلفظهم فليسوا هم الغاية وإنما تأكيد البصمة ومن ثم الإنحسار ...   

ها هو يعود ... ويبدأ رحلة أسري من جديد ... مع الشفق مع المغيب ... ها هو يستكين ... وتلمع على صفحته كل معاني السلام ... بل كل إيحاءات العزف من جديد ..

من جديد أرنو إليه ... ألامسه ... أفقد الإحساس بالمكان والزمان... تختلط علي الأفكار ... وتبدأ بالترجمة على صفحته من جديد ...

أيها الساكن بعيدا في القاع ... رسائلك تصلني من جديد ... عبر صفحات تطويها ... تمتد تنحسر ... كل اللغات طوع أمرك ولكن التنبؤ بالآتي منك مستحيل ...

أشتاق إليك حتى تشرق .. وأنتظر فيك وعندك المغيب ...

لست أنت الذي عرفته بالأمس ... ولست أنت إلا المتلون العنيد.... يا أيها المارد القابع حولي

صمتك ترقب .... وهديرك استنفار ... لست ممن يحسن الغضب ... إلا أنك اللغة التي لم تفك رموزها بعد .... قد يطول بنا حال الإنتظار ... فلملمة الجراح تصعب مع إنبعاث النار من تحت الرماد ... هي أقدامهم التي كانت تمتشق الرمل جيئة وذهابا ... هي أجسادهم التي إحتضنت بعضا منك وما لبثت أن إحتضنتها وإلى الأبد... لملمة الجراح يا عزيزي أصعب من أن يطويها النسيان .. وأصعب من أن ينسيني إياها وجهك الآخر.... كيف لي أن أنساك ... صورتك قابعة في زاوية مرتعشة من جسدي ... ويداي من الصعب أن تصافح يديك ... سأبدأ الرحلة بعيدا عنك ... وسأرسل لك من بعيد حقيبة الذكريات ...

يا أيتها الرهبة الساكنة في الذكرى ... يا أيتها الريح ... إمسحي وجهه وأقسمي عليه بحق الغضب الساكن في أعماقه ... أن يعود إلي كما عرفته...منسحبا حينا ولكن في دلال  ... ومقبلا حينا وفي إقباله كل العنفوان  ....ولتجنح إليه الأفئدة من يبس حل فيها ... ولترتوي منه العين فلا سقف يظلها سوى سماؤه ولا سور يحيط بها سوى مداه.....

يا أيها المارد القابع في أعماقي واعماقه ... سأجهر بك وستطفوا الكلمة النابضة على سطحك ... ستنطق بها أسفا تلك الأجساد...

 

                                    

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home