دراسات هامة

 

سر الحركة المفقودة في حركة الإحياء الإسلامي

نضير الخزرجي



سرّ الحلقة المفقودة في حركة الإحياء الإسلامي

نضير الخزرجي*

سجّلت واقعة الطف في كربلاء المقدسة في العام 61 هجرية، كأكبر حدث في تاريخ البشرية، ميّز بين فترتين وأفرز جبهتين، وأماط اللثام عن حقبة ظلامية أرادت أن تصبغ الإسلام بصبغتها، وأعاد الأمة الى صوابها بعد أن كاد أن ينفلت منها عقالها بفعل مفاهيم جاهلية ما قبل الإسلام، حاولت أن تجعل القرآن مجرد قراطيس صماء، وتصادر النصوص النبوية، وتضيف عليها بما ينسجم مع عقلية الحاكم الذي جعل عباد الله خولا ومال الله دولا، حتى نطق بالكفر يزيدهم، قائلا:
 لعبت هاشم بالملك فلا         خبر جاء ولا وحي نزل
ولم تكن هذه الصراحة الواعية بذي عجب، من حاكم كيزيد بن معاوية، لأن الأب قد جعل الخلافة ملكاً عضوضا يقفز على منبر رسول الله صبيان بني أمية، وكان الحفيد وفيا للجد الذي تنادى في قومه بعد أن أخلد نبي الأمة محمد (ص) الى الراحة الأبدية عند مليك مقتدر، فقام فيهم خاطبا وقد فقد بصره، ولم يفقد عدسة جاهليته: (يا بني أمية تلاقفوها - السلطة - تلاقف الصبيان للكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار)؟!
كان هذا شعار جبهة الجاهلية، وصية تناقلها الحفيد عن الأب عن الجد بأمانة حرفية وعملية، وكان شعار جبهة النور والحق، وصية كتبها حفيد رسول الإسلام وسبطه وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الى أخيه محمد بن الحنفية، عمل بها الموصي بكل أمانة حرفية وعملية عن أبيه (ع) عن جده (ص): (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين).
هذه الصورة الثنائية المتشاكلة مع صورتي الحق والباطل حبّرتها دواة الفقيه البحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي، في نحو ستمائة مجلد، صدر منها 32 جزءاً، عكفت دائرة المعارف الحسينية على بسط راحتي النهضة الحسينية ليكتشف كل قارئ تفاصيل خطوطها، فضلا عن أكثر من عشرين كتابا تناولت بالدراسة والقراءة العلمية والنقد المعرفي، أحد مجلدات الموسوعة أو بعض فصولها، لأقلام علمية وأكاديمية وأدبية من جنسيات ومذاهب مختلفة.
وهذا الجهد الكبير، حرت فيه يوم كنت قريبا من صاحبه لسنوات طوال، وعدت أطرق بابه بين الفينة والأخرى، أبحث عن جديد أقدمه للقارئ الكريم قراءة وعرضا ونقدا، عرفانا بالجميل لصاحب الموسوعة، وخشوعا على عتبة قطب رحاها وإمامها وسيدها وذبيحها في كربلاء، فكيف بالبعيد، أو الذي اطلع على مجلد من مجلدات الموسوعة الحسينية، او الذي تسللت أنظاره الى إبداع الأديب والإعلامي العراقي الأستاذ علاء الزيدي، في كتابه القيم "معالم دائرة المعارف الحسينية" الذي يقدم للقارئ خارطة بيانية عن الموسوعة الحسينية التي نهضت لبيان نهضة الامام الحسين (ع).
هذه الحيرة المصاحبة للانبهار، بموسوعة عقمت أمات الموسوعات أن تلد بمثلها حتى يومنا هذا، انعقدت عليها قرائح الشعراء، فترجموا أحاسيسهم ومشاعرهم الى قصائد تتنقل قوافي أبياتها وقبائن أوزانها على أوتار دائرة المعارف الحسينية، فينبعث صداها تقاريظ، تهز معها زنبقة هنا وزنبقة هناك، لتتراقص الزنابق في لوحة شعرية معلقة على باب كعبة الحسين (ع)، تحكي عظيم الملحمة الحسينية وتحكي عظيم الجهد الذي يبذله المحقق الكرباسي، لغربلة التاريخ وتسقّط أوراقه وتقصي حقائقه، لتنشيط ذاكرة النهضة الحسينية في عقل الحاضر والمستقبل.
ولكن هل استطاع قلم الكرباسي تشكيل الرؤية الموسوعية الشاملة التي نحتاجها لمعرفة الامام الحسين (ع)؟
سؤال مشروع يستفتح به الأديب اللبناني الدكتور الشيخ حسين شحادة، المقدمة التي وضعها لكتاب "الزنبقة في التقاريظ المنمقة" الذي صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 832 صفحة من القطع الوزيري، حيث ضم المجموعة الأولى من التقاريظ المنظومة عن دائرة المعارف الحسينية لعدد كبير من الشعراء.
ولكن الإجابة بالقطع ستكون على حد السيف، لا لأن السائل أديب وفقيه فحسب، بل لأنه المشرف على موسوعة السيدة زينب (ع) الصادرة عن مجمّع السيدة زينب (ع) للأبحاث والمعلومات في دمشق، أي أنه محقق موسوعي يعرف قدر الموسوعة الحسينية ومكانتها في مراقي الموسوعات، من هنا فان العلامة شحادة، كان رأيه، أن البحاثة الكرباسي: "لم يقترب من جهات الحسين (ع) بعاطفته المشبوبة وحسب، ولكنه تعمّد أن يفتح ميراث العقل العربي والإسلامي على ميراث قلبه ليرى الرائي منها عشرات بل مئات من أطياف كربلا واحسين، لكل طيف منها ما يميزه عن سائر الأطياف، ومع ذلك فجميعها - من كنوز العقل أو كنوز القلب - حسينية"، ولذلك لا يخفي المعد إعجابه الشديد بالمصنف، فيبخبخه ويثني عليه، فـ :"طوبى لهذا الأشتري النخعي يتنزل علينا بالغذاء الثقافي العميم الواعد على نسج الشخصية الإسلامية الجديدة التي نريد لبنيانها أن يتضوأ  في العصر مثالاً يُحتذى على عين الله ورضاه وعلى نهج المُثل العليا من أئمة أهل البيت (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..".
لا غبار أن المصنّف امتلك ناصية التحقيق، فتهادى بنا لنقرأ الحسين (ع) كما يقر المعد: "بما ينفع حياتنا الحاضرة ويثريها باستيلاء عنصر المزاوجة التي لابد منها بين تصوير العاطفة وتصوير الفكر لتتوازى صورة الحسين الحاضر برسالته الإنسانية في خزائن العقل والقلب والروح"، وهذه القراءة الواعية جعلتنا: "نقبض على الحلقة المفقودة من حركة إحيائنا لتراثنا الاسلامي"، لأن: "الكرباسي في عمله الكبير هذا بثّ روح الحياة في تاريخ لنا ظن الناس لفترة من فترات الهوان واليأس والهزيمة أنه لم يعد حياً، وإنما يُبعث التاريخ حيّاً اذا ما تمثله المسلمون تمثلا ينتصر لمصطلح الأمة الواحدة التي توحّد قلبها على كلمة التوحيد وكلمة الإخاء"، من هنا فان الشك لا ينتاب الدكتور شحادة: "في أن الشيخ الكرباسي وهو يقود ثورته المعلوماتية عن الإمام الحسين (ع)، سيُلهم العقل العربي والإسلامي الى أعظم مصادر الإلهام في بناء الشخصية الحضارية وتكوينها على جوهرة التحرر من كل أغلال العبودية والاستعباد".
هذه عصارة الرؤية التي خاط قماشها المعد، ليدخل من المقدمة والتمهيد الى فصول الكتاب الثلاثة، حيث ضم الفصل الأول المجموعة الأولى من التقريظات، مبوبة حسب ترتيب القوافي، وكل مجموعة ذات قافية واحدة بوبها المعد وفقاً لتاريخ ورودها، أما الفصل الثاني الذي استقل بنصف صفحات الكتاب تقريبا، فقد ضم تراجم للشعراء الذين قرّظوا دائرة المعارف الحسينية، رتبها المعد حسب الحروف الأبجدية، واستقل الفصل الثالث بصفحات عدة لترجمة المصنف والموسوعة الحسينية، مع ذكر ترجمة المعد.
 ولم يكتف المعد بالنثر، إنما سجّل حضوره الأدبي بقصيدتين حملتا عنوان "غدير الحسين" و "حاميم الحسين"، وأتبعها بقصيدة من نظم المحقق الكرباسي، تحت عنوان "أفديك فؤادي"، ليدخل بعدها في صلب الكتاب، بعد أن تقدم بشكره للأديب الجزائري الدكتور عبد العزيز شبّين: "الذي ساهم مساهمة جادة في وضع لبنة هذا الديوان التقريظي"، وبشكره لرئيس تحرير مجلة المرشد الدمشقية: "الشيخ حسين الفاضلي الذي كانت له مساهمات جادة في وضع هذا الكتاب".
تلألأت في الفصل الأول (165) قصيدة وقطعة شعرية من الفصحى كثيره وقليل من الدارج، وأقله من غير العربي، مع شروحات وافية، لأربعة وستين شاعرا من جنسيات ومذاهب مختلفة وأديان متنوعة، فهم حسب تسلسل الحروف الأبجدية لمساقط رأسهم، أو في الدول التي أقاموا فيها او استوطنوها: الأردن: جميل علّوش، خالد عبده، صالح الشافعي، ومحمود فريحات.
أميركا: كريم الأسدي، مرتضى القزويني.
إيران: ابراهيم النصيراوي، وعباس الترجمان.
باكستان: حسن رضا الغديري.
بريطانيا: جابر الكاظمي، غياث طعمة، سلمان توحيدي، محمد أمير حر، ووليد البياتي.
تركيا: محمود ريحاني، ونجم الدين آل داود.
تونس: محيي الدين خريف.
الجزائر: عبد الرحمان عزّوق، وعبد العزيز شبّين.
الدانمارك: حسين صالح، وعباس الحلّي.
السعودية: عادل اللّباد، منير آل نمر، ويحيى الراضي.
سوريا: إبراهيم جواد، أحمد الحارة، أحمد ضحية، أسعد علي، أنور الجندي، جميل حسن، حسين النصيراوي، سلطان علي الصابري، صادق الهلالي، عبد الأمير النصيراوي، عصام عباس، محمد جواد السهلاني، ومرتضى السندي.
السويد: عادل الكاظمي.
العراق: جعفر الشيخ عباس الحائري، رحيم شاهر، رضا الخفاجي، سلمان طعمة، عبد الستار الحسني، علي الحائري، محمد بحر العلوم، محمد زمان الكربلائي، محمد علي الحلاق، وناهض الخياط.
كندا: عيسى حسن الياسري.
الكويت: محمد رضا القزويني.
لبنان: جودت القزويني، حسن طراد، حسن نور الدين، خليل عكّاش، ومحمد مرتضى.
مصر: أحمد شحاته، محمد خفاجه، ومحمد قابيل.
المغرب: جلّول دكداك، محمد أبو القاسم، ومحمد الزهراوي.
اليمن: إبراهيم المداني، أحمد العجري، وعبد الأمير الورد.
والجديد في تراجم الشعراء، أن الفصل جاء بما يشبه الاستبيان وعلى نسق واحد، يقف القارئ على تاريخ ولادة المترجم له ونشأته، ومراحل الدراسة، وبدء الممارسة الأدبية والشعرية ونضوجها، ونظرته الى الشعر، مع خارطة بيانية بنتاجاته الأدبية النثر بعامة والنظم بخاصة، ووجهة نظره بدائرة المعارف الحسينية بشكل عام. وقد أحسن المعد بوضع صورة تشير الى البلد الذي ينتمي اليه الشاعر بالولادة او بالإقامة، وهبت الفصل جمالية ورونقا، فأنت تتقلب بين صورة مغارة إدلب في مدينة إدلب السورية، وقلعة السنّارة في مدينة صعدة اليمنية، ومقام رأس الحسين في القاهرة، ومرقدي الإمامين الجوادين في مدينة الكاظمية بالعراق، ومئذنة مسجد الكتيبة في مراكش بالمغرب، وقبة الصخرة في القدس الشريف بفلسطين، وآثار صور في لبنان، ومسجد باد شاهي في لاهور بباكستان، والقصر الهندي في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، وساعة بيكبين ومبنى البرلمان البريطاني في لندن، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وساحة وبرج الحرية في طهران، والجسر المعلّق في الجزائر العاصمة، ومنظر عام لمدينة مونتريال الكندية، وتمثال الحرية في نيويورك، ومرقد الأميرة أرجمند تاج محل في أكرا بالهند، ومنظر عام لأبراج الكويت، والجامع الخزفي في كوتاهيا بتركيا، ومرقد الشهيد جعفر الطيار في مدينة مؤتة الأردنية، وبرج الرباط في مدينة المنستر التونسية، وغيرها.
ويجد من يقرأ "الزنبقة في التقاريظ المنمقة" سِفرا أدبيا، يستقل معه بساط التقاريظ يحلق فيه عاليا في سماء الموسوعة الحسينية .. هذه الموسوعة التي بدأت تزيح ما ران على قلب التاريخ من أغشية وأغطية،  وقد أصاب الدكتور الشيخ حسين شحاته كبد الحقيقة، عند مخاطبته للمصنف: "وسوف تبقى أنت وموسوعتك على أزمنة التضليل الإعلامي والتعتيم الإعلامي معانداً ضد تزوير التاريخ ومقاوما يغالب بحقائق العلم وكلمة الحق ضد تزوير الحقيقة والإنسان"، وهذه سمة المحقق الجاد الباحث في الزمن الصعب عن الحق من بين ركام الزيف.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
alrayalakhar@hotmail.com




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home