القلم السياسي

 

تأملات فى أحوال الوطن

سيد يوسف



تأملات فى أحوال الوطن

سيد يوسف

 

(1)

 

صديقى والقطط

 أخبرنى صديق أن فى بداية حكم الرئيس مبارك كان يعطى القطط بعض اللحم فتأكله شاكرة ماضية آتية بعد حين ...يقول صديقى: وحين ألقى إليها ببعض الخبز تنظر إلى شزرا وكأنها تحتقرنى غير آبهة بما ألقى إليها ...يقول صديقى وفى الآونة الأخيرة مذ سنوات قليلة خلت حين أعطيها بعض الخبز – دون لحم لارتفاع سعره- تلتهمه شاكرة آتية بعد حين تطلب المزيد.

والحكاية على بساطتها تثير شجونا لا تنتهى ، منها موقف الذئب من الغنم إبان عهد الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ، ولست أقارن بين الحاكمين فالمقارنة – حتى الخيالية – ظلم للخليفة الراشد لكنها استدعاء المواقف ، فقد قال الحسن القصاب : رأيت الذئاب ترعى مع الغنم البادية في خلافة عمر بن عبد العزيز فقلت : سبحان الله ذئب مع غنم لا يضرها ؟‍‍‍‍ فقال الراعي : إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس .

وقال مالك بن دينار : لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء :من هذا الصالح قام على الناس خليفة ؟ عدله كف الذئاب عن شائنا.

وذكرنى الأمر بحال الناس بينهما ففى عهد الخليفة عمر قد شبع الجياع، وكسى الفقراء، وكان الأغنياء يخرجون بزكاة أموالهم فلا يجدون فقيراً يأخذها، حتى إنه أنشأ دور الضيافة يأوي إليها المسافرون وأبناء السبيل، وكفل كل حاجات العلماء والفقهاء ليتفرغوا لعلمهم ورسالتهم، وأمر لكل أعمى بقائد يقوده ويقضي له أموره على حساب الدولة، ولكل مريض أو مريضين بخادم على حساب الدولة، وأمر ولاته بإحصاء جميع الغارمين فقضى عنهم دينهم، وافتدى أسرى المسلمين وكفل اليتامى، وتروى كتب التاريخ أن عدله رحمه الله لم يكف الناس حاجاتهم فحسب بل وملأهم شعوراً بالكرامة والقناعة .

أما حاكمنا الحالى فقد شهد الناس فى عهده جوعا بلغ أكثر من 40% من الشعب ، وهجر العلماء البلاد ليحيوا بعلومهم فى غيرها إذ ضاقت بهم بلادهم، وتسرطن الشعب وأصيبوا بأمراض الكبد، وشربوا ماء ملوثا ....والقائمة لا تخفى إلا على الذين فى عيونهم عمى.

وحين مات الحليفة العادل بكاه الناس بصدق، أما صاحبنا فيبكى الناس من ظلمه وهو حى، فما بالكم به بعد موته؟!

والخليفة العادل حين اشتد به مرض الموت أمر بدعوة أبنائه فجاءوا مسرعين اثني عشر ولداً وبنتاً ، شعثاً غبراً، قد زايلت جسومهم الشاحبة نضرة النعيم !! .. وجلسوا يحيطون به، وراح يُعانقهم بنظراته الحانية الآسية .. وراح يودعهم بقوله : يا بني إن أباكم خُيِّر بين أمرين، أن تستغنوا ويدخل النار أو تفتقروا ويدخل الجنة، فاختار الجنة وآثر أن يترككم لله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

أما صاحبنا فيريد توريث العزبة(الحكم سابقا) لأولاده من بعده.

بقى أن نشير إلى أن مدة خلافة الخليفة العادل كانت سنتين وخمسة أشهر وأياماً، أما صاحبنا فما يزال بالحكم منذ عام 1981 وحتى الآن2007!!!

 

(2)

مفارقات سياسية مؤلمة

فى أوطاننا مفارقات مؤلمة يندى لها جبين الأحرار، ذلك أنها تنضح بشدة العهر والغباء معا، من ذلك مثلا أن النظام المصرى يتفهم دوافع الهجوم الأثيوبى على الصومال العربية رغم تهديد ذلك للأمن القومى المصرى، وينتقد قبل ذلك صمود لبنان فى وجه الصلف الصهيونى، والأمر يزداد غرابة حين يرى أن الإخوان المسلمين بمصر يشكلون خطرا على أمنها وفى المقابل لا يرى فى الصهيونية وأفاعيلهم المريبة بتطويق مصر ومحاولة تفتيتها – وهى خطط معلنة- لا يرى فى ذلك تهديدا للأمن القومى المصرى!!!

(3)

الخاصة والعامة فى بلادى

ومن ذلك أيضا ذلك الفارق بين الخاصة والعامة فى بلادى ، فشعار أهل السلطة فى بلادى أن العدل والحق والواجب هى أوهام نخدع بها السذج من الشعوب ولعلهم يرون عبر فلاسفتهم أن ما دام فى الدنيا حاكم ومحكوم وما دامت الرءوس لن تتساوى فلا يمكن تحقيق العدل حينئذ ، وما دام نقص المعلومات وانعدام الشفافية يغطى أبصار الناس فى بلادى (هكذا هم يعتقدون) والخوف والاحتياج يلجمان أفواه العارفين سواء كانوا صحافيين أو كتبة حينئذ فلا يمكن التوصل إلى الحق ، وبما أن الحق والعدل لن يجتمعا فلن يكون هناك واجب أو ضرورة لتقصى الحقائق ....

بهذه الفلسفة أتفهم عقلية النظام الحاكم عندنا لا سيما وهو يحاكم الضعيف من العامة ويتستر على – ما يسمى – الشريف من الخاصة ....وإلا فأخبروني أين ذهب رامى لكح وأمثاله من سارقى أموالنا من البنوك؟ وأين صاحب العبارة الغارقة؟ وأين يوسف والى؟ وأين الوزراء المتهمون بالاختلاس والسرقات؟!!

وفى المقابل يُعتقل الناس فى بلادى بلا أى ذنب حتى ذويهم حين لا يطال الأمن المعتقلين أنفسهم، وفى غير هؤلاء متسع وبالقانون : قانون الطوارئ لمن لا يعلم!!

هؤلاء يريدون أن يُرسخوا قانونا مفاده : حين يسرق امرؤ ونفضحه نحتقره إذا كان من عامة الناس، وحين يسرق فرد ما- يصنف من الخاصة - شعبا أو أمة نكبر فيه ذكاءه ودهاءه، وإذا سرق الحاكم وطنه ونهبه تمسح المنافقون بأذياله ؟!!

 هؤلاء لا يعرفون سوى شريعة الغاب وقانون البلطجة وكأنهم لا يصدر منهم عمل حقير بل يريدون من المنهوب والضعيف أن يشعر بالخجل من نفسه وان يتوارى خجلا عن الأنظار!!

والحق أن فشو هذا الحال نذير شؤم للأمة إذا ارتضته ، ولا أظن خيرية هذه الأمة ترتضى ذلك لكنى أؤكد أن الشعوب التى يسود فيها الطغيان وينسى الشعب في زخم ذلك نفسه ويقر للحاكم المستبد بالرؤية المطلقة شعوب لن تنهض ذلك أنها تتعامى بغباء شديد عن القاعدة التى يقررها النبى محمد صلى الله عليه وسلم  "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها."

فمال بال الأمة بنخبها المفكرة وشعوبها المظلومة لا تقطع يد ابن المستبدين؟!

خاتمة وملاحظات

حين أرى حريقا ينشب فى بيتك وأنت جار لى فلست ادعى الفلسفة لأنبهك لهذا الخطر ، فليس مقبولا منك حينئذ أن تنهرنى قائلا : دعنى وشأني ذلك أن النار ستصيبني حتما أن لم تحرك ، وكل الذى أرجو ألا تبلغ بك السفاهة قائلا: أنا أعلم ذلك وماذا فى الأمر ؟ ما الجديد؟

فقط مد يدك للذين يجتهدون فى النهوض من هذى الأحوال الفرط ولا تكسل فالكسل حينئذ معصية تستوجب الاستغفار، ولا تحسبن أن ثمة تغييرا فى الوعى العام لمجموع الناس فى بلادنا  يتم عبر مقالة تكتب هنا أو هناك هى على روعتها سوف تُنسى مع الزمن ذلك أن الوعى لا يتغير بمقالة أو بكلمة وإنما هو ذو مراحل متعددة تبدأ بالمعرفة ثم بالوجدان والعاطفة ثم بالعمل والنزوع وهذى المراحل الثلاثة تحتاج إلى عمل منظومى  وسنوات طوال .

وكاتب هذى السطور ما زال يزعم أننا ما زلنا فى مرحلة التعريف ولم نتجاوز بعدُ مرحلة الوجدان والانفعال وهو الأمر الذى – إن صدق فرضه- يعنى أن قطف الثمرة قبل نضجها يعنى فشل محقق فليس من الحكمة فى شيء أن أطالب طفلا فى الابتدائية أن يحل معادلة رياضية من الدرجة الثالثة مثلا.

وبناء على ما سبق نوصى بالصبر على  غير الفاهمين، والعمل المنظومى الواعى وعدم استعجال قطف الثمرات، وتلك مهام الفاقهين والمخلصين من كل اتجاه.

 

سيد يوسف




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home