قصة

 

أزهار في مهب العاصفة

ركاطة حميد



الصورة الرمزية لـ ركاطة حميد                  

الأطفال  ضحايا كارثة أنفكو( خنيفرة )

 

أزهار في مهب العاصفة  

 

وهي تغلق باب فصلها أنشأت معلمة الدوار كعادتها ،تعيد على تلامذتها الذين كانوا لا يزالون متحلقين حولها وهم يحركون هاماتهم الصغيرة بالإيجاب .وكلماتها الصارمة تطرق آذانهم " لا تنسوا إنجاز تمارين الرياضيات ص36 وقراءة النص القرائي الجديد ثلاث  مرات"

انفضوا من حولها وعبروا النهر باتجاه الدوار وهم يتناقشون تارة وأخرى يلعبون على جنبات الطريق .وما كادت تبدوا لهم البيوت الأولى  في أعلى الهضبة ،حتى هرولوا باتجاهها في تنافس حاد .وحدها "يطو" ظلت تسير في إيقاع عادي غير آبهة بما يحدث حولها .كانت تحس بأن نفسها منقبضة بعض الشيء ،وتشعر بنوع من الفتور والملل .كان يخالجها شعور غريب بأن مكروها ينتظرها بالبيت .

في المساء تحلقت الصغيرة مع بقية أفراد أسرتها حول مائدة صغيرة ،وأنوار الشموع المتلألئة تتلاعب بها هبات برد قارس  يكاد يطفئ شريط النور الواهي ،وهي تحتسي كأس شاي ، وتأكل من صحن صغير به سائل" شحم مذاب " هائمة في عالمها الصغير العجيب غير حافلة بما يدور من حديث حولها .

كان الأب "رحو " كعادته يحكي لهم عن مشاكله اليومية ،يتحسر عما آلت اليه ظروف العيش بالدوار ،من قلة الموارد وصراعه الدائم مع حارس الغاب الجديد الذي أمطرهم بالدعائر ،فلا القطعان صارت منتجة ،ولا الغابة درت مدا خيلها كسالف الأيام . مر وقت طويل بين حنقه وقلقه ،إلتفت إلى زوجته مقترحا عليها الرحيل نحو منطقة "إملشيل " معللا قراره بكون المنطقة بها مركز حضاري يتوفر على كل الضروريات ،كما ان فرص الشغل بها متوفرة .

نظرت اليه في جزع وقد احتقنت وجنتاها غضبا أحست بالقهر واليأس ،فأشاحت بوجهها نحو أبنائها ،حملقت فيهم جزعة ،كانت تحس أن الوقت يمر برتابة ،تملت وجوههم فشعرت بالرعب في عيونهم .

طرقت فكرة الرحيل باتجاه مكان آخر أذن الصغيرة ،فدفنت رأسها بين ذراعيها وساقيها ، وأخذت وأخذت تجوب أعماقها . لقد أحبت دوارها رغم قسوة العيش فيه ، تحفظ ربوعه شبرا  شبرا ولا تتصور أن هناك مكان آخر في الدنيا أجمل منه .لما أوت إلى الفراش استلقت بين أخواتها ،أحست بالانزواء وبالبرد والسهاد كان شيأ ما يؤرقها يشعرها بالخوف ،وزفير الرياح التي اشتدت وطأتها ،ونباح الكلاب غير المعتاد ،وثغاء القطيع المفزع يزيد من روعها وقلقها ،وتذمرها بشكل كبير .

بدأ الثلج يتساقط ،فأيقظت "حادة " زوجها وخرجا معا لتفقد الماشية وتحويل أكوام الحطب نحو مكان آمن ،ثم سرعان ما عادت إلى الغرفة وأوقدت النار في الموقد" القصديري"بعدما ارتفع سعال أطفالها ،لتعود إلى النوم .

وماكاد الصبح يبزغ حتى سمع نحيب بالبيت المجاور ،خرجت "حادة" غير لاوية على شيء ، وغير حافلة بالبرد ولسعاته ،دلفت الباب الذي كان مشرعا ،فوجدت عائشة وزوجها علي وبعض الجيران متحلقين حول جثثي توأمين "ايزة وكثو" وهم ينتحبون .

لم تمض سوى بضعة دقائق على الحادث حتى سمع النحيب في مختلف أرجاء الدوار ،فعادت "حادة" أدراجها نحو بيتها لتوقظ أطفالها وتخبرهم بالحدث ،ففوجئت بموت ابنتها "يطو" هي الأخرى ،فأطلقت صرخات مريرة ومدوية وقد إربد وجهها بالكآبة والحنق والإحساس بالقهر .

صار الأطفال يتساقطون الواحد بعد الآخر ، والدوار أضحى محاصرا بالثلج والطرقات مقطوعة ،وهول الفاجعة تعاظم مع مرور الوقت . عند الزوال تطوع مجموعة من الشباب لإزاحة الثلج عن أرض المقبرة ،وثم دفن الموتى .

دخل الناس في مع الحصار والموت والعزلة "والحكرة" يقاومون في صمت وألم شديدين .

بعد مرور العاصفة بأيام قليلة حزمت الأسرة أمتعها  وغادرت الدوار حزينة في رحلة نحو المجهول بحثا عن مكان آمن من الوباء والثلج ، ومن ذكرياتها المريرة .وفرارا من مكان أضحى فيه الموت يحصد أزهارا صغيرة ويطمرها تحث التراب دون هوادة أو رحمة .

التفت "رحو" وراءه فبدا له موكب من سيارات "الكات كات" قادما من بعيد ، فأحسه في حالة شرود وأشعره بالإهانة .تجلت له القرية كإمراة جميلة تشده الى حضنها بقوة كطفل صغير ،ولحظة طفا وجه صغيرته "يطو" كان رائعا وبشوشا .استدار نحو إلى الأمام وأكمل طريقه  وهو ينصت الى وقع حوافر الدواب على الأرض الصخرية ،وصداها يتردد بين الفجاج كأغنية حزينة تنهد بقوة وضرب بغلته محثا إياها على السير بسرعة آملا في الوصول إلى "إملشيل قبيل الغروب.

 

   ركاطة حميد خنيفرة - المغرب

 

خ . ج




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home