قصة

 

وجوه أخرى للموت

فاطمة المزروعي



 وجوه أخرى للموت

فاطمة المزروعي

لم تبك.. لم تصرخ.. بل حتى لم يصدر عن وجودها كله أية نأمة يستطيع أحد أن يرصدها،.. لكن نظراتها كانت تغطي المكان.. تسيطر عليه، على تفاصيله، على دواخله أيضاً. هذا ما حدث لها عندما قالوا على مسمعها: ماتت ، لقد ماتت.... ، لم تفهم ، أو أنها لم تتمكن من الاستيعاب ، لكنها خلصت في الأخير إلى أنها أدركت بكيانها مذاقا جديدا، مذاقا مالحا من الفقد والحنين !.

 

اقتربت من الجسد المسجى أمامها فشعرت ولأول مرة في حياتها بما يعنيه الصمت والبرود في اللقاء بين شخصين .. ثم أنها أيضا ولأول مرة في حياتها لم تسمع صوت الاحتفاء ونغمات الفرحة التي كانت تسمعها دوما عند عودتها من مدرستها ظهر كل يوم، ففسرت ذلك على أنه أحد الأعياد الجديدة المضافة لقائمة الأعياد الرسمية.

 

اقتربت من الجسد المسجى أمامها فشاهدت العينين مغمضتين، فلطالما كانت تلك العينين تسهر؛ لا تنام، مخففة عنها وطأة كوابيس الليل كما الحياة.

 

انتهى بها الأمر إلى غرفتها، تجلس تتطلع إلى الجدار بنظرة تضاهي نظرات الجدار إذا كانت له أعين، ومن ثم النهوض بتجميع قصاصات من أوراق مبعثرة في أرجاء غرفتها، رتبتها بتمهل وروية ، ثم أنها ابتسمت بسعادة بالغة بعد أن أنهت ترتيبها .... ترسم أشكالاً مختلفة ومتعددة لهذه الأم المزعومة، وقد تجد خطاً صغيرا في ورقة يدل من خلالها على أمها – كما تقول - وهي تمشي في السوق مثلاً، وبدأ يظهر بجانب تلك الأم رسوما أخرى لجدها ثم جدتها فأبيها ...، وقطة الجيران التي اختفت، وبعض الأنبياء المحببين إلى قلبها، ......... وصار واضحا أن القائمة لا نهاية لها.

 

" أنت في منتهى الجنون "، .. قالتها شقيقتها بتوتر وعصبية.

 

لقد ماتت، ماتت أمنا يا شمسه، استيقظي من هذه الهلوسة! ، كيف تعيشين وسط هذا الاجترار غير المفهوم لأيام وأشياء لا يمكن أن تعود ؟  وما هذه الخربشات التي على الورق ، هذا ليس وجه أمنا كما تدعين، وكيف أصلا تحدثك وهي ميتة، أتظهر لك تاركة إياي وحدي؟!!

 

ألقت شمسة بكلام منهكٍ على مسامع أختها، لكنه كامل كارتداء عروس ملابسها وزينتها يوم عرسها:

-  لا لم تمت ، أنت واهية ، لا يمكن أن تموت وتتركني، .. لقد طلبت مني أن أرسم ما أحب وما أتخيل ..... إنني أراها، وتلمس بيديها وجهي، ثم أنها تحكي لي كل ليلة حكايتها المعتادة قبل نومي




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home