مقال

 

بوصلة الفلسطيني هل انحرفت؟

محمد نايف الجبارين



بوصلة الفلسطيني – هل انحرفت

محمد نايف الجبارين.

الدم الفلسطيني حرام _ _ دم المسلم على المسلم حرام _ _ لا للحرب الأهلية _ _
الكل خاسر في الحرب الأهلية _ _ هذه شعارات وغيرها نسمعها. تقريبا يوميا على وسائل الإعلام من قبل كل المتحدثين باسم الفصائل الفلسطينية.
هذا الكلام الجميل, وهذه الشعارات المنمقة جميلة جدا و تطرب لها الأذن, ولكن أين الفلسطينيين منها.
كيف لنا أن نؤمن بتلك الشعارات في الوقت الذي سيسيل فيه دم الفلسطيني على يد أخيه الفلسطيني, كيف نصدق ذلك ونرى كل يوم خطف و قتل وجرح ومناورات و اعتداءات, و حصار و إعدام _ _ كيف للفلسطيني أن يؤيد تلك الكلمات المنمقة و هو يرى ذلك يهدد و آخر سيرد الصاع صاعين و آخرون يخرجون في مسيرة ضد هؤلاء _ _ _
يبدو أن رائحة مكاتب الوزارات و السيارات المغطاة التي تحجب المسؤول عن رؤية هموم المواطن, و الكرسي الهزاز, وجواز السفر الأحمر و الاستقبال الرسمي و المواكب قد أنست البعض أنفسهم, و اعتبروا أن ما وصلوا إليه انجاز شخصي و تاريخي لا يمكن لهم أن يتخلوا عنه, بدأوا يبنون لأنفسهم حماة و جنود كي يحافظوا على عروشهم و على مناهجهم ويبدو أن بوصلتهم قد ضلت اتجاهها, و أصبحت لا تؤشر إلا إلى صدور الفلسطينيين, و أن هؤلاء الحماة لا يرون إلا عدوهم الفلسطيني, انه لمن العار أن يسيل الدم الفلسطيني الطاهر على أرضه و شوارع فلسطين بيد الفلسطيني فهذا الزمن الذي قاد إلى ذلك لا يجب أن يذكر في كتب التاريخ و يجب أن يكون نسيان.


القلم وأنا
توقفت لوهلة من الزمن قبل أن أبدأ بالكتابة.. فكرت , قررت, فحاولت أن
أبدأ , رأيت نفسي غير قادر فيدي ترتجف ولا تطاوعني على ذلك , أحاول أن أمسك القلم لا أستطيع, لملمت نفسي وأقنعت يدي أن تمسك القلم فأمسكته.
فجاء دور هذا القلم الذي رفض الكتابة أبداً دون أن يعرف ماذا أريد أن
أكتب ؟؟؟ وعن ماذا؟؟؟ ولماذا؟؟؟ في البداية رفضت أن أقول له فأبى أن يخط حرفاً واحداً , حاولت وحاولت ولكنه رفض أن أستغيث بغيره لكني وجدته متضامناً معه _ أخيراً كان لا بد لي إلا أن أقول له , أخبرته أنني سأكتب عن نفسي, فأخذ القلم يبكي ...
استثمرت دموعه الزرقاء كي أكتب هذه السطور, التي تصف حال ضعيف لا يقوى
على عمل شيء, ولا يتحرك إلا بتثاقل, قال لي القلم: قل لي ماذا تريد؟
قلت له: إنني أعيش في هذا الكون على غير هداية, وجدت على هذه الأرض كي أشقى, فلا حاضر واضح ولا مستقبل يمكن لك أن تخططه, فلا اليوم لك ولا غداً تستطيع أن تتوقعه.
قال: وماذا بعد أيها المسكين؟
قلت: أن الإنسان لا بد له أن ينعم بحياته, يأتي ويعود , يتحرك ويسافر, يسير بين الأشجار, ويتقدمها , ويزرعها , ويخلعها, يشتم رائحة الحياة, ولكني أنا أبصر الطريق فلا أستطيع أن أسير بها , أسمع العصافير فلا أستطيع أن أطرب لها, أشم رائحة الورود فلا أميزها.
قال: ومالك
قلت له: إني إنسان فلسطيني, يعيش بين الماضي والمستقبل, بين الأسود والأبيض, بين الثابت والمعقول, بين كل شيء وكل شيء, لكني لا أتمنى أن أعيش باللون الأحمر.
بكى القلم طويلاً _ ثم توقف حال توقفت.


حوار مع أستاذي
في لحظات يتسابق فيها كل شيء. يتقدم فيها الليل على النهار تارة, ويتخطى
النهار الليل تارة أخرى فيختلط الضوء الخافت.. مع الظلام القاتم... و يومض في الأفق البعيد شعاعا لا يمكنك أن تنظر إليه.. لكنك لا تستطيع أن تقف أمامه مع نفسك كي ينثر أمامك ما لا يمكنك أن تراه..
على غير موعد قابلته و اللقاء في مثل هذه البرهة الزمنية .. حيث تتزاحم
الأفكار و الأقدام أيضا وتختلط الألوان, أصبح عادة مألوفة.. فأصبحت المفاجأة فاقدة لنفسها مع تكرارها. بالرغم من ذلك تمسمرت لمرآه وشدني بريق عينيه المتألقتين و أشراقة وجهه الطافح بالدم الحار و الحيوية المتدفقة.. سألته كيف؟؟
وفي الأفق غموض و اضطراب وفي المرآة أشلاء و صور, قال بابتسامته الواثقة
المطرزة على شفتيه: أمتع نفسي بمرأى الفجر, واستنشق كل حبات عبير التراب.. انظر إلى الأشياء بعينين مفتوحتين .. أومأت براسي موافقا مدعيا الفهم.
سألته عما يفعله هذه الأيام؟ وذلك لتغيير دفة الحديث, قال أتأمل عرس
الشمس و أرافق الشفق النازل قطرات فوق تلال تتضوع برائحة الزعتر, و ماذا بعد؟
التقط الحصى و اشق بالمحراث بطن الأرض المتأهبة للإخصاب و الثمر و ازرع ألواح
صبر و أشجار زيتون. والكتب و المحاضرات و الأبحاث؟؟ تبقى طرفا رئيسا في المعادلة بها تكتسب الخبرة و تتضح التجربة.
تقويمك لما فعلت, أعني محاولتك؟؟
التقويم في أوقات المخاض لهو و عبث في زمن العمل تثبيط و إعاقة فلا مفر
لنا من أن تنطلق نحو لحظة الميلاد و الحياة. و أن تبقى عيوننا مصوبة نحو الشمس, أوجاع الخاصرة و خفافيش الليل؟
تتخطاهما بالحكمة و الصبر, و تستأصلهما بالتوجيه و الوعي و العمل الدءوب حتى لا يبقيا عقبة كأداء في منتصف الطريق. شد على يدي مودعا و انطلق مسرعا عبر الشارع العريض. وقفت برهة أتأمل رذاذ المطر المتساقط و أتابع خطواته المتلاحقة و قد ارتسم في الأفق قوس ملون يداعب الأمل في عيون الأطفال..كأنه يخط بألوانه ألا يخيب من اتجه بناظريه إلى السماء و صوب عينيه نحو بؤرة الأمل.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home