القلم الفكري

 

صدام الحضارات وحوارها ومدى الاهتمام بها في المنهاج الفلسطيني

د. نهى عفونة العايدي



" صدام الحضارات وحوارها ومدى الاهتمام بها في المنهاج الفلسطيني".    

د. نهى عفونة العايدي
مصممة برامج وأستاذة التربية واللغة العربية/جامعة القدس المفتوحة
nuha_akram2000@yahoo.com

تمهيد:
  
  تنطلق أطروحة صدام الحضارات من تكريس الهيمنة الغربية على جميع العالم، ولكن البديل المنطقي التي تثبته الأيام يوما تلو الآخر هو التأسيس لتربية وثقافة تؤمن بالحوار خلافا للطروحات الصدامية.
      فالمناهج التعليمية هي الخطوة الأولى في التأسيس لثقافة تؤمن بالحوار واحترام الخصوصية الثقافية لكل مجتمع مهما كان، وتعميق الديموقراطية للوصول إلى المواطن الكوني.
      والبعد الإنساني في مناهجنا هو الذي يفرض علينا العمل على تعزيز الحوار بين الثقافات، حوار يكون مفتوحاً أمام كل الأوساط الثقافية وأمام المجتمع المدني والشباب والجامعات، ووسائل الإعلام.
      وهذا الوعي بحوار الحضارات لا صدامها يدحض ما يريد منظرو الصدام تسويقه من مقولات إعادة تشكيل السياسة الدولية على أساس أن الهوية الثقافية للدولة تحدد دورها في السياسة العالمية.
وهذه المقولات العنصرية تدعونا لإطلاق حوار ثقافي متعدد أو ثنائي الأطراف بين سائر ثقافات وحضارات العالم.
    ومصطلح الآخر يعني غير العربي و الأسلامي، وصحيح أن الخصوصية الحالية للحضارة الغربية تجعل الحاجة للحوار معها أكثر إلحاحا بيد أن هذه الخصوصية ( أقصد هيمنتها على المنظمات الدولية ) لا تستلزم أن نخص الحضارة الغربية وحدها بالحوار، ولا تستوجب أن يشغلنا الحوار معها عن الحوار مع غيرها من الثقافات والحضارات، فما يدرينا لعل هذه الثقافات الأخرى أقرب لأن تزكى وتنفعها الذكرى وتصبح عونا لنا في الحوار مع الحضارة الغربية وتزكيتها إذا ما استغنت وتمانعت هذه الأخيرة خاصة وأن بعض المعنيين يشيرون إلى أن الدول الأساسية في الحضارة الغربية غير مهتمة كثيرا بفكرة الحوار الحضاري كما تعكس ذلك مواقفها من مشروع الأمم المتحدة للحوار الحضاري.
     وكذلك يدعم حوارنا مع الحضارات الأخرى غير الغربية، أن الباحثين ممن يؤيدون بصورة صريحة حتمية الصراع أمثال الأمريكي ( صموئيل هنتنجتون) يضعنا في خندق المواجهة معاً، أقصد الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية أو الصينية وينظر للصراع المقبل بين الحضارتين السابقتين من جهة والحضارة الغربية من جهة أخرى.
     ونسمع كثيرا من التنظير حول ماهية الصراع المقبل، وحتمية الصدام القادم ليس الاقتصاد أو الإيدلوجيا بل الثقافة والخصوصية الثقافية لكل حضارة مستهدفة للخلاف معها.
     ونظم صوتنا لدعاة الحوار أمثال (محمد خاتمي ) و( آناليندا)، بل ونرتد إلى ثقافتنا وديننا المتأصل فيها والمتجذر في عروقها مبدأ الحوار منطلقين من قوله تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"           ( النحل/125)

قضية البحث:
    والسؤال الذي تتمحور حوله هذه الورقة هو:
      هل اهتمت المقررات التعليمية ( المناهج في المؤسسات العامة والخاصة أو المستقلة ) بتنقية المضامين السلبية وتنمية التوجه أو الإلتزام الحواري لدى مخرجات تلك المؤسسات؟
وإلى أي حد استطاع المنهاج الفلسطيني الجديد إدراج مواد تعليمية تعنى بمعرفة الآخر، والإطلاع على ثقافته وحضارته؟

ونطرح سؤالا استباقيا لنتائج البحث:
    إلى أي حد نستطيع إضافة مواد تعليمية تعنى بحوار الثقافات والحضارات في الجامعات؟

وأود التنويه إلى أنّ التطبيق سيكون على كتب مبحث اللغة العربية وفي جميع المراحل الدراسية الأساسية والثانوية,  مع تحليل لمحتواها، على اعتبار أن العنصر الأساسي لأي ثقافة أو حضارة هي اللغة,  ولغتنا الجميلة فيها من السعة والرحابة لأن تنفتح على الحضارات الأخرى كما نؤمن بأن الحوار بين أي ثقافة وأخرى إذا أريد له النجاج والانتشار، لابدّ أن يبدأ من المدارس، لأن المدرسة يتم فيها تشكيل الصورة النمطية لكل طرف عن الآخر,  والمناهج الدراسية تمثل حجر الأساس في هذه العملية فهي إما أن تساعد على توضيح صورة الآخر أو تحريفها وترسيخ الصورة الخاطئة.
       فالمناهج في أي بلد ما هي التي تساعد على إتاحة التقارب الثقافي وأهم طرق التقارب هذا ، إقامة شبكات الحوار بين الجامعات والمؤسسسات الإعلامية وإعداد دراسات مقارنة للكتب الدراسية، وترجمة الكتب العربية إلى اللغات الأخرى لتعميق  الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان.
فيجب العمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة فيما يدررس من مناهج عند الآخر وعندنا، حتى تكون أكثر مواءمة وموضوعية وتعبيرا عن الآخر.
     وانطلق من إيماني بأن المدارس هي أفضل مكان للبدء بحوار بين الثقافات باعتبارها مكانا تربية النشئ الذي يمثل رجال المستقبل.
       ويبدأ الحوار الحقيقي بتصحيح المفاهيم الخاطئة فيما يدرس من مناهج بحيث تكون أكثر مواءمة وموضوعية وتعبيرا عن الآخر.

       ومن الملاحظ أن إطلاق العناوين البراقة واستهلالات الصحف التي تتحدث عن ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات أصبحت كثيرة في الأونة الأخيرة، إلا أننا بحاجة لخطوات عملية صغيرة تبدأ بالمناهج لنشر ثقافة الحوار بديلا عن التنظير والأقوال فقط.
       والحوار يعني طرفين، فلا بدّ من تناول القضايا الحضارية والثقافية والمفاهيم الإسلامية، والتي تثير الإشكاليات لدى الغرب، وتقديم هذه الثقافات بصورة موضوعية، للحيلولة دون إصدار أحكام خاطئة، ومن ثمّ التخفيف من حدة ظاهرة تقديمها بصورة سلبية ومشوهة في الكتب المدرسية.
       وفي الجانب الآخر إدخال نصوص من الأدب العالمي والتي تتضمن قيما إيجابية في مناهجنا لنبرز صورة الغرب أيضا بالموضوعية نفسها التي أردنا لمناهجها أن تبرز فيها ثقافتنا وحضارتنا وإسلامنا.
      فإلى أي حدّ استطاع المنهاج الفلسطيني في مبحث اللغة العربية أن يضم بين ثناياه نصوصا عالمية فيها من القيم والإبداع ما يفتح الأفق أمام طلابنا لمعرفة الآخر، بفهم واعٍ وإطلاع على ثقافة حضارة أخرى بعيدا عن التقوقع حول الذات،  ولنحاكم المقولات التي تطرح مفاهيم منها أن المحلية وإبراز الخصوصية المحلية فقط هي التي تعني الإنتماء والبعد عن التغريب، ودحض الفرضيات التي تؤمن بوجود مؤامرات لتسلل الثقافة الغربية عبر مناهجنا، ويغرق آخرون بقولهم أن القائمين على تأليف المنهاج يضعون لطلبتنا السم في غذائهم اليومي وهو كتابهم المدرسي؟
    
 فمن خلال عرض النصوص الواردة في كتب اللغة العربية لجميع المراحل يمكننا محاكمة الأقوال السابقة, وخصوصا أن منهاج اللغة العربية بني على محاور ثلاثة:-
1- محور الأدب المحلي.
2- محور الأدب العربي.
3- محور الأدب العالمي.

تحليل المحتوى :-
    من المؤكد أن طبيعة المرحلة الأولى الصفوف (1-3)  ينصب التركيز على تعليم الطالب القراءة والكتابة من خلال نصوص مصنوعة من بيئته المحلية.


* ملاحظة: استعملت الباحثة الطبعة الثانية التجريبية.

       في الصف الرابع الأساسي لانجد نصوصا بعينها ولكن نجد إشارتان في الجزء الأول من كتاب لغتنا الجميلة في درس ( القمر) ص 66-67  إشارة إلى التنافس القوي بين روسيا وأفريقيا على الوصول للقمر وأسماء الرواد الأوائل  على سطحه           ( اعتبر هذه  الإشارة الأولى للإطلاع على  شيء خارج محيطه  وإن كانت المعلومة علمية صرفة, إلا أن  الطالب في الصف الرابع  والذي أصبح عمره عشر سنوات  يحلق في خياله إلى المجهول  - فهذه إيجابية تحسب للمنهاج.
في الجزء الثاني من كتاب لغتنا الجميلة للصف الرابع أيضاً:
      إشارة سريعة في درس ( من غرائب الحيوان والطبيعة) إلى الطبيب اليوناني ( جالينوس) وكيفية علاجه لمرض الصداع.
      إضافة إلى أن هذه الإشارة العلمية السريعة لا يمكن أن نعدّها انفتاح على الحضارة اليونانية إلى أنها لا يمكن الاستهانة بها لمعرفة عالم مثابر على اكتشاف العلاج.
      ويشير كذلك الدرس نفسه إلى طريقة  الهنود والأفارقة في التعامل مع الثعابين والنمل، فهذه المعلومات بلا شك تحقق عنصر التشويق عند الطالب لمعرفة عوالم أخرى غير عالمه الذي يعيش.
أما في كتاب الصف الخامس الأساسي الجزء الأول :

     تبدأ الإشارة الأولى للحروب الصليبية من خلال درس (  القاضي الفاضل) ص 59+60+61 , ولكن من الواضح أن مؤلفي المنهاج كانوا على درجة من الوعي  في الإشارة  إلى أعداء المسلمين آنذاك بقولهم ( الفرنجة). وهذا إن دلّ على شئ إنما يدل على أن صفة ( الصليبيين)  لم تكن من ابتكار أسلافنا  المسلمين العرب في العصور الوسطى، وإنما كانت من ابتكار  دعاة الحرب- من رجال الدين ورجال السياسة  على السواء - في أوروبا ( وهو ما يتكرر الآن من جانب دعاة الصراع الغربيين الساسة والمفكرين  الموظفين  لديهم) بينما لم يصفها أسلافنا الذين  واجهوا حملات الغرب العدوانية  بالفعل إلا بأنها  حروب الفرنجة "  وأحيانا أخرى نسبوها إلى الأقوام  أو الفرق  العسكرية التي شاركت فيها " الفرانك والإنجلاطرة واسلابتارية...
       وكذلك في الجزء الأول نفسه  نجد الدرس الثاني عشر ص 107+108+109  عن توماس أديسون  وكيفية اختراعه  للكهرباء  وسلط الدرس الضوء على طفولته وشبابه واختراعاته وفيه قيمة تربوية بقوله:
" أنا مدين للفطرة بنسبة 1% ومدين للدأب والعمل المتواصل  بنسبة 99%"  وأن إبداعه تجلى  على الرغم من تركه للمدرسة في سن مبكرة، فهذا فيه شيء من احترام القدرات البشرية . وكذلك الدعم المالي الذي يقدمه القطاع الخاص للاختراعات.

في الجزء الثاني من كتاب لغتنا الجميلة للصف الخامس الأساسي :

     في الدرس التاسع ص 80+81  بعنوان العالم قرية صغيرة يبين هذا  الموضوع كيفية انفتاح الشعوب على بعضها البعض من خلال الوسائط المرئية والمسموعة والانترنت والكمبيوتر وكيف أصبح العامل بفضل التقدم التكنولوجي أشبه بقرية صغيرة.
        أما في الدرس الذي يليه ( الدرس العاشر ص91+100 ) بعنوان رحلة إلى قصر الحمراء، انفتح ذهن الطالب على اسبانيا اليوم التي هي أندلس الأمس وفيه من الحنين  إلى الماضي الشيء  الكثير دون الإشارة إلى أو الدعوة بشكل أو بآخر إلى أي عداء لمن هم فيه الآن، واقتصر تقديم الدرس في زاوية الرحلة وتتبع الأثر المعماري والنقوش الموجودة في قصر الحمراء ، فبرز بشكل تقديم المعلومة التاريخية في  إطار مبسط .
      أما في كتاب الصف السادس الجزء الأول:
 لم يرد أي نص أو إشارة إلى الآخر ولكن نجد في الوحدة الثالثة عرض لقصة مريم ابنة عمران وتقديم للدين المسيحي الذي جاء به عيسى بن مريم بطريقة فيها كل الاحترام والتبجيل لنبي كريم، ومشهد عام تظهر فيه كنيسة القيامة في القدس.
      فهذه إشارة إيجابية لاحترام الأديان وعرضها في كتب اللغة العربية.

أما الجزء الثاني من كتاب الصف السادس  ( لغتنا الجميلة )

       فقد خصصت وحدتان من تسعة للإطلاع على أدب الآخر فنجد الوحدة الرابعة عشرة فعرضت بتصرف قصة الشيخ والبحر عن رواية الشيخ والبحر / للكاتب الأمريكي آرنست همنغواي، وأشار المؤلفون إلى رواياته المشهورة" وداعا للسلاح" و" تشرق الشمس أيضاً" التي حصل عليهما الكاتب على جائزة نوبل. وأجمل ما في هذا النص العالمي عندما قال:" الإنسان لم يخلق للهزيمة, قد يدمّر ولكنه لا يُهزم". فأمّا أشد حاجة طلابنا لمثل هذه العبارات في زمن الهزيمة والإنكسار والدمار.
       أما الوحدة الثامنة عشرة من الكتاب نفسه فخصصت للتعريف بكفاح غاندي وبصماته التي تركها في القارة الهندية، وأوضحت للطلاب فلسفة غاندي النضالية وأسلوب المقاومة السلمية.

وفي كتاب الصف السابع الأساسي الجزء الأول:

      نجد الوحدة السابعة بعنوان" فضل العرب على العالم" وتوضح بشكل جلّي أن التقدم العلمي ، الذي نعيشه الآن هو نتاج للبشرية جمعاء، وهذا بالتأكيد مدعاة للتعاون بين الحضارات جميعا لأن ما توصل إليه الغرب  في مرحلة ما كان قد بدأه العرب في مراحل سابقة وهكذا تبقى الأمم تزود بعضها بعض في العلم  والمعرفة.
       أما الدور التربوي الذي يترتب على مثل هذه الدروس فهو تعميق الإنتماء لهذه الأمة والتمسك بالهوية العربية التي يعتقد هذا النشئ بأن دورها مضمحل في الحضارة الإنسانية، ولكن ليس الهدف التغني بالأمجاد التي صنعها الأجداد، ولكن الهدف هو إزالة الصورة الخاطئة التي هي آخذه في التجذر في أذهان طلابنا بسلبية دورهم في العالم، وكذلك تحفيزهم للمحاولة لأخذ الصدارة مرة أخرى أو لنقل التفاعل مع الحضارات الأخرى بما ينفع البشرية جمعاء.
      والجزء الثاني من كتاب الصف السابع الأساسي:

 نجد الوحدة السابعة عشرة خصصت لقصص مترجمة من الأدب العالمي ( قصة دون كيشوت/ميكال دي سرفنتيس) فهي قصة جميلة عن طواحين الهواء، يحلق الطالب بخياله بأمور لم يعتدها في محيطه المحلي.
      والقصة الثانية ( بائعة الكبريت/تأليف جان كريستيان أندرسون) تتحدث عن معاناة طفلة في البرد القارس والظلام الشديد، فهذه تثير في نفوس التلاميذ عمالة الأطفال في العالم وليس فقط في دول العالم الثالث. وهذا يجعل طلابنا ينظرون إلى الآخر على حقيقته وليس بما يعتقدون أنهم متميزون في حياتهم وحقوقهم والرفاهية في مجتمعاتهم، بل هناك البائسون مثل ما عندنا من هذه الفئات.
      في الصف الثامن أصبح منهاج اللغة العربية تحت مسمى " المطالعة والنصوص" وكأن لغتنا الجميلة عند الصف السابع ولكن بين طيات هذا الكتاب ( الجزء الأول )  ما يمثل حوارا واحتراما للأديان وهو " العهدة العمرية" ص94، ويليها الدرس الرابع عشر بعنوان( محاكمة سقراط)  نص جميل يدور حول محاكمة الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط ,بعد اتهامه بتأليب الشباب في عصره ضد الشيوخ ، وتسفيه آلهة قومه، وتشجيعه للتفكير الشخصي، الأمر الذي انتهى بمحاكمته وإصدار حكم الإعدام عليه ، كما يصور المؤلف جرأة سقراط وشجاعته أمام الموت.
     فما أحوج طلابنا لمثل هذه النصوص التي تبعث في نفوسهم التفكير وتبني قيما إيجابية وردت في هذا الدرس مثل ( الشجاعة والفضيلة والأمانة والعدل والحق).
       أما الدرس العاشر في الكتاب نفسه فتناول ثورة المعلومات وهذا يمكن أن نعده من سبل التواصل بين الأمم والحضارات في أقطاب العالم، وإن لم يكن نصاً عالمياً إلا أن كاتبته (د. سهير القلماوي) درست في جامعات أوروبية مختلفة وفي هذا المقال تصب عصارة معرفتها وعلمها بوسائل نقل المعلومات وتداولها في العالم، مما يسهم بتفتح أفق طلابنا حول الثورة الحديثة  في المعلوماتية ومحاولة استخدامها .

أما في الجزء الثاني من كتاب المطالعة والنصوص للصف الثامن :

        فنجد نصاً بعنوان ( أسرة فقيرة ) وهو الدرس الثالث عشر للقاص الإيطالي /( جوزيف سيزار أبّا)، وهي تحكي قصة أسرة فقيرة جدا لا تكاد تحصل على قوت يومها إلا بصعوبة بالغة، لكنها أسرة متعاونة مساندة، إذ احتفظت بطفلين يتيميين بعد موت والدتهما، وكفلت حياتهما أسوة بأطفالها الثلاثة. هذه القصة فيها من العبرة للتكافل الاجتماعي الشيء الكثير.
       أما الدرس الخامس عشر فجاء بعنوان ( المستقبل وتحديات التكنولوجيا ) عرض فيه المؤلف موقفين: الأول لعالم الرياضيات والفيلسوف الانجليزي برتتراند راسل، والثاني للأستاذ الجامعي الأمريكي روبرت ريتش، وكلاهما يركز على أهمية التطور العلمي والفكري والتكنولوجي في الانتاج الصناعي، الذي يحقق ازدهارا اقتصاديا.
    فهذا بلا شك انفتاح على فكر الآخر والإيمان بضرورة المثابرة والمعرفة أسوة بالآخر، والمشاركة والاستفادة من التقدم الذي يقوم عليه المجتمع الإنساني في العصر الحاضر وتقدير قوة العقل البشري، والذكاء الصناعي والتقدم التكنولوجي في المجال الإلكتروني, وما زالت هذه الأمور تحظى باهتمام علماء الإقتصاد وعلماء الإجتماع.

وفي كتاب الصف التاسع الجزء الأول  ( المطالعة والنصوص)

     نجد الدرس الرابع عشر يخصص للتعريف بجائزة نوبل العالمية بفروعها: العلمي والأدبي والسلام والإقتصاد, فيعرض الدرس نبذة عن العالم السويدي ( ألفرد نوبل ) وجائزته التي بلغت من الشهرة ما بلغت، فيعرض نبذة عن حياته، وحيثيات إعلانه عن هذه الجائزة، والمجلات التي تمنح فيها، وآلية منحها للفائزين بها.
      ويطالعنا هذا الكتاب بأول عهد طلابنا مع الأدب الروسي حيث أن الدرس التاسع عشر قصة بعنوان ( الدرس القاسي) ( لأنطو ن بافلوفتش تشيخوف)، وقصته هذه نموذج من قصصه التي يشرح فيها قضايا الفقراء ومعاناتهم داخل المجتمع الروسي آنذاك.
      وتشيخوف له عدة مسرحيات منها (طائر النورس) و ( الأخوات الثلاثة) وبستان الكرز، وهذا الدرس يقدم معرفة جديدة لطلابنا عن الأدب الروسي، وهذا إثراء معرفي لا غنى عنه.


أما في الجزء الثاني من الصف التاسع:

       فإننا نجد في هذا الكتاب الجزء الكبير من الانفتاح على الآخر سواء بالموضوعات أو بالنصوص المترجمة أو حتى بالإشارات المختلفة.
      نبدأ من الدرس الثاني وهو بعنوان ( سفارة الإسلام لدى قيصر) فهو مسرحية قصيرة للكاتب المصري مختار الوكيل يعالج في هذه المسرحية حدثا يتعلق بدعوة الإسلام وطبيعته العالمية، وذلك من خلال حوار دار بين سفير الرسول - صلى الله عليه وسلم- وقيصر الروم وهذا الحوار البناء هو ما نصبو إليه بين الأديان في أيامنا هذه فإذا زودنا طالبنا وقد أصبح شاباً في الصف التاسع بهذا الزاد المعرفي عن حوار الأديان فنحن أنجزنا الشيء الكثير للجم دعوات الصدام والصراع بين الأديان، وهذا يحسب لمنهاج اللغة العربية في ميزان إيجابياته تنبهه لمثل هذه القضايا، ليس بطريقة التنظير بل عن طريق فن أدبي وهو فن المسرحية، فيقدم أطروحة حوار الأديان بطريقة أدبية غير ممجوجة بل مشوقة وهادفة.
     أما الدرس الرابع فنجده بعنوان ( أرض الأرجوان) مع أن النص يعرض لأول حضارة نشأت في أرض الأرجوان التي سميت فلسطين لاحقا، ,هي حضارة أجدادنا الكنعانيين الذين وطنوا فلسطين  منذ فجر التاريخ، ومنحوها هويتها العربية إلا أن الإشارة المهمة في هذا الدرس تنصب حول اللمحات والصور المقتضبة عن نشاط الكنعانيين وإنجازاتهم الحضارية في مجالات الزراعة والتجارة والعمارة والفنون، والتي كان لهم فيها إسهام مميز في مسيرة الحضارة الإنسانية جمعاء، وهذه  إشارة لا يمكن الإٍستهانة بها بل وتعزيز إنتماء طلابنا لأرض الأرجوان.
      أما الدرس العاشر فهو بعنوان ( الفنون الجميلة) ومؤلفه( أروين أدمان) وأخذه المؤلفون بتصرف عن كتابه ( الفنون والإنسان) والذي تحدث فيه عن الفن والحضارة، والفن والفلسفة، وعن أنوع الفنون المعروفة من غناء ورسم ونحت وموسيقا وشعر وقصة، وعلاقة هذه الفنون بالإنسان، وارتباطها بمشاعره وإحساساته، وترجم هذا الكتاب مصطفى حبيب، وتبرز أهمية هذا النص من خلال تركيزه على القضايا الأساسية التي تربط الإنسان بالفن كظاهرة إبداعية فردية وجماعية في آن معا. وتعزز في طلابنا إنسانية الفن وعالميته وتخطيه للحواجز الإقليمية والإثنية، وهذا مدخل مهم في حوار الثقافات ومعرفة كل بالآخر من خلال إبداعات أفراده وجماعاته.
       ونجد الدرس التاسع عشر وهو بعنوان (حوت العنبر) لعالم البحار ( روي أندروز) وترجمه د. محمد صابر سليم إلى العربية، فيه معلومات علمية مهمة، ولكن الفائدة تكتمل لطلابنا بشقيها العلمي والأدبي فهذا التناول لعالم المخلوقات الضخمة، والتعرف بحوت العنبر وعالم الحيتان شيء فيه فائدة بلا شك.
       من الملاحظ أن كتاب الصف التاسع بجزأيه: الأول والثاني اشتمل على خمس موضوعات إما عالمية أو فيها إشارات لقضايا إنسانية وتخدم موضوع حوار الحضارات فهذه الدروس بنسبة 5 دروس من 39 أي (13% ) فهذه نسبة جيدة ومحتواها أيضا جيد وتحسب في إيجابيات المنهاج الفلسطيني لمبحث اللغة العربية في كتاب المطالعة والنصوص لفتيان الصف التاسع الذي نعدهم شبابا للمستقبل بعقلية ناضجة متفتحة على العالم.
أما كتاب الصف العاشر المطالعة والنصوص( الجزء الأول):

       الدرس الثامن من كتاب الصف العاشر قصة قصيرة بعنوان ( الحيلة) ومؤلفها هو الأديب الفرنسي ( جي دي موباسانٍ) ومترجمها أحمد حسن الزيات وهي بلا شك قصة جميلة تكتمل فيها عناصر القصة القصيرة من تشويق وتدرج في عرض شخوصها وزمانها ومكانها والمسوغات المنطقية لأحداثها، فهي تمرن عقلية الطالب وتشحذ همته لمحاولات قصصية مماثلة.
 وفي الدرس الثالث عشر من هذا الكتاب نجد إشارة لطيفة إلى جهود الطبيب الألماني ( ألبرت دولف ) في استخدمه للأوزون في العلاج حيث أن عنوان الدرس ( الأوزون دواء الفقراء العجيب) وفي الدرس نفسه معلومات جديدة حول هذه القضية وبالتأكيد فإن أي بحوث تجري على صعيد ممارسة الطب، تفتح صفحة جديدة في فن المداواة للإنسانية جمعاء. وهذا مدعاة لتعاون علمي طبي بين جميع الحضارات.
      أما في الجزء الثاني من كتاب المطالعة والنصوص للصف العاشر، فنجد رسالة أخوية من علي الطنطاوي إِلى أخيه الذي يطلب العلم في الخارج وهذه الرسالة بمثابة تلخيص لحياة الطالب في الغرب وفيها إشارات إلى العالم العربي وطبيعته والغرب وعاداته والدين والمستشرقون وٍإلى غير ذلك من القضايا المهمة التي تشكل الوعي بالآخر، والرسالة التي يجب أن تحملها لهذا المجتمع الجديد، والفائدة التي يجب أن تعود بها إلى مشرقك، فهذه رسالة تعبوية توجيهية يحتاج لها أبناؤنا في غربتهم الدراسية، وهذه تشكل حجر الأساس لإنشاء قاعدة من الحوار مع الحضارة الأخرى، وتعريف المجتمع الجديد بالحضارة التي قدم منها هذا الطالب، فالتعليم في الغرب جسر للتواصل على مر العصور.
       بعد أن انتهيت من عرض الموضوعات التي فيها أشارات إلى الآخر أو هي بالأصل قصص مترجمة تطلعنا على الثقافات الأخرى فإن المرحلة الأساسية من الصف الرابع وحتى العاشر أكاد أجمل أنها أحاطت بجوانب علمية وأدبية وثقافية جيدة ومتنوعة وبنسبة درسين إلى ثلاثة في كل صف إلى جانب الإشارة من هنا وهناك إلى بعض القضايا التي لها علاقة ببحثنا فهذا يدل عل وعي المؤلفين بضرورة الانفتاح على الحضارات والثقافات الإنسانية، ونقل جزء يسير منها ذو أهداف تربوية إلى طلابنا في هذه المراحل.
      أما كتابا المطالعة والنصوص للصفين الحادي عشر والثاني عشر أي في المرحلة الثانوية فأخذا طابعاً آخر، حيث أن الخطوط العريضة لمنهاج اللغة العربية لهذين الصفين ارتأت أن تتدرج في موضوع تاريخ الأدب العربي من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث في حلقات متسلسلة بحيث ابتدأت في الصف الحادي عشر الحلقة الأولى بالأدب الجاهلي واستشهاد بنصوص تمثل على هذه الحقبة التاريخية والأدبية ومن مرحلة سينتهى فيها السنوات المدرسية وينتقل لعالم أرحب وأوسع في الجامعة أو سوق العمل، فإن تزويد بمعرفة تراثه الأدبي والشعري والنقدي له ما يبرره.
      وينتهى هنا دور المنهاج المدرسي ويبدأ دور الجامعات بأن تأخذ على عاتقها تدريس مقررات تعنى بحوار الحضارات بجوانبه المختلفة.
والمبحث الذي تناولته وهو منهاج اللغة العربية بلا شك مجاله رحب ولكن موضوع صدام الحضارات أو كما أردنا أن نستبدلها بحوار الحضارات مجاله أرحب في مباحث التاريخ والحضارة العربية الإسلامية وغيرها من كتب مثل التربية المدنية، فيحسب لمنهاج اللغة العربية أنه لم يغفل الجانب الإنساني والعالمي سواء في مقالاته العلمية أو فنون الأدب التي أخذها بتنوع من مشاهير العالم، ويحسب له أيضاً انتقاءه الموفق للنصوص المترجمة حيث تحمل من القيم التربوية الشيء الكثير، وكذلك تناول قضايا التراث بشيء من تحفيز عقلية الطالب على متابعة جهود الأجداد، دون النظر بعنصرية وازدراء للتقدم التكنولوجي في الغرب، فطريقة التناول والمعالجة كان فيه شيء من المنهجية والمنطقية، بتثبيت جذور طلابنا ثمّ انتقلنا إلى عصر صدر الإسلام ونصوص تمثل على تلك الفترة، وتلتها زمنيا فترة الخلافة الأموية ومن ثمّ الفترة العباسية وبشيء من الإحاطة بتلك الفترات من النواحي الأدبية والقضايا النقدية وغير ذلك.

        واستكمل كتاب المطالعة والنصوص للصف الثاني عشر ( التوجيهي) من العصر العثماني وعرض لفني الشعر والنثر فيه، ومن ثمّ انتقل لعرض للمدارس الأدبية في الشعر الحديث من مدرسة الإحياء والمحافظين ومدرسة المهجر ومدرسة التفعيلة وفي هذين البابين نجد إشارات لتأثر شعراء المهجر وشعراء التفعيلة بأشهر الشعراء الغربيين أمثال ( راسين)و(لامارتين) وغيرهم، ولكن ركز الكتاب بمجمله على المحور الوطني في النصوص الأدبية وعلى المحور العربي حيث كانت اختيارات الفنون الأدبية لكتاب عرب وفلسطينيين فالمسرحية لكاتب عراقي والقصة لكاتبة فلسطينية والشعر ما بين العربي والفلسطيني.. وهكذا,  وأبرر لهذا الاختيار بأن المرحلة الثانوية تعدّ في مناهجنا وبلادنا مرحلة تحصيل لا مرحلة تثقيف وهذا ما يبرر منهجية تناول القضايا الأدبية بهذا الشكل، وأيضا تشكيل الوعي الثقافي عند الشاب الفلسطيني بجذوره وامتداداته القومية بأرضية التراث الصلبة، وحفزهم إلى محاولة الإنجاز والجهد للرجوع إلى الصدارة أو مجاراة الركب والاستفادة من منجزات الحضارة العالمية التي بنيت في العصور الوسطى على منجزات الحضارة العربية الإسلامية، وتنمية وعيهم بالآخر عن طريق المشاركة والمساهمة بما يخدم الإنسانية دون تقزيم لدورهم أو إبقائهم على قارعة الطريق يتغنون بأجدادهم المبدعين.

خاتمة:

     يمكننا أن نعد هذا المنهاج عاملا مؤسسا لوعي طلابنا بالعالم، ويحسب له التنوع في اختياراته من الآداب العالمية, وتناوله المرن لقضايا إنسانية تهم قطاعات كبيرة من المجتمعات كافة والمجتمع الفلسطيني بصورة خاصة.
       وبشهادة موضوعية بعيدة عن النرجسية والتحيز يمكننا أن نعدّ منهاج اللغة العربية بمراحله المختلفة عملا يشرف كل فلسطيني فهو بتنوعه ومنهجيته في عرض القضايا المختلفة يتصدر المناهج التعليمية الأخرى ويشكل نواة لتبادل ثقافي حضاري مع الأمم الأخرى.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home