خاطرة

 

حينما تبكي العصافير

نواري نصرالدين



         تكلّمت الشجرة يوما فقالت:  أيها العصفور الشادي الجميل مالي أراك مذ عودتك من سفرك الأخير شاردَ الذهنِ منقطع الغناء، قليل الحركة زاهد الطعام؛ أمريضٌ أنت فأطلب لك الدواء، أم حزين ألمّت بك الصروف وأطاح بك الأعداء..

في الحقيقة لم أعهدك من قبل هكذا، كنت أنت ملهمي في الحياة؛ بل أنت الحياة في أرقى صورها وأبهى تجلياتها..سبحان من خلقك فجعل لك صوتا شجيا تعزف به أجمل  السيموفونيات وأبهى المقاطع والأغنيات لتُروي بها أذانا صما وقلوبا ظمأى.

أيها الشادي المغرد؛ يا من دان له الربيع وعرفت باقي الفصول قدره، يا من تستحي لجماله الزهور والورود ويُسحر بغنائه كل من في الوجود..تكلّم وأفضي إليَّ بخطبك..

أنا طائر بائس من يواسيني، من يجاريني من يبعث في قلبي روح السعادة بعدما انتزعها ذلك الإنسان المتجرد من ثياب الفطرة، المعاكس لسنة الله في الوجود..تعرفين أيتها الشجرة الطيبة أني كثير السفر والترحال، دقيق الملاحظة واسع الخيال، رقيق القلب مرهف الحس، أسجل في ذاكرتي الصغيرة - الكبيرة كل ما أراه وما أسمعه من أخبار الأوطان.

أيتها الشجرة الفاضلة، في بلد من البلدان استوطن إنسان أرعن أرضا كانت مهدا للسلام، فحرّق عودها وذبح رجالها واستحيى نساءها ووأد بناتها، وأرجعها دارا للآلام بعدما كانت للسلام عنوانا وللمحبة والإخاء رمزا وشعارا، يتغنى بها الفاضلون ويعمل بنواميسها العاقلون،

هذا الوحش، هو عدو للإنسانية وللطبيعة معا، يجب الحذر من غدره ومكره، من خبثه وسوء نفسه، فهو لا يعرف غير القتل عنوانا، تعطيه يدك لتصافحيه فيعضك بأسنانه النتنة المنتنة، وتأمنيه في الطريق فيغتالك بدم بارد، رأيته أيتها الشجرة الطيبة مرأى العين وهو يدهس الصغار ويجرف الأحراش والأشجار، ويدمر المساجد والديار.

هو البهيمية في أوضح صورها؛ يشرب دماء الآخرين ليعيش، ويدمر البيوت والمساجد ليبني عليها إمبراطوريته الزائفة، وهو لا يدري أن ساعة الأقدار آتية لا ريب فيها وسيدمََّر أي مدَمَّر..

مهلا أيها العصفور الحكيم، مهلا يا صديق الحياة عدو الطغاة، لقد أشعل خطبك في أوراقي وأغصاني وحتى جذوري حزنا.. كم هو تعيس بائس هذا الزمان الذي صُيّرت فيه الأمور إلى الأشرار، يقطعون رقاب الإنس وأغصان الأشجار ليبنوا بها مجدا، ويقطفون براعم الورود والأزهار ليواروا بها خبثا.. ببساطتك وبلاغتك أيها العصفور: هم يجمّلون القبح بريشة الكهنة والأحبار..

يا برعم الحياة وعازف الأغنيات والسمفونيات، حلّق في بحار السماء، وفي سماء البحار، وأنشد وغرد "أليس الصبح بقريب.. أليس الصبح بقريب"..

****

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home