قصة

 

يوم في العمل

مازن رفاعي



 

 تستيقظ الشمس معلنة بدء يوم جديد. أشعتها تتسلل بخفة من النافذة فتصل إلى سريره. يصرخ جرس المنبه. يداه تبحثان عن طريقة لإسكات هذا المزعج. عيناه تقاومان ضوء النهار. أقدامه تقوده إلى الحمام. الفرشاة تلعب بين أسنانه. الماء يتحطم متناثرا على وجهه. ثياب النوم تغادره لتكمل أحلامها على السرير. إبريق الشاي يجلس إلى النار. فكاه يمضغان ما تيسر لهما من الرفوف والثلاجة. يستيقظ عقله من سكرات النوم ويبدأ بالتساؤلات: هل سيتمكن اليوم من حل مشكلته؟

هذه المشكلة تؤرقه منذ أيام، ولكن إلى متى سيستمر بالهروب من هذه المشاكل؟ قبل سنوات لم تكن هذه الأمور الحسابية تزعجه. كان الجميع هنا يعمل بحرية ودون ضوابط وقيود. اليوم تغيرت المعادلات. اليوم أصبحت الموازنة بين التكاليف والإيرادات متعبة، ومعادلة البقاء في السوق أصبحت صعبة الحل في ظل هذه الضرائب المتزايدة بمتوالية هندسية.

"أعانني الله على هذا اليوم،" هي العبارة التي تمتمتها شفتاه قبل أن يتعانق مصراعا باب شقته. يضمه المصعد، ويهرول كالعادة خارجا من المصعد نحو باب العمارة الرئيس هربا من الروائح المزمنة لغرفة القمامة التي تحضنها العمارة، والتي بدأت تخف حدتها مع دخول شهر أيلول/سبتمبر.

تستقبل وجهه نسمات باردة اشتاق إليها بعد صيف حار اعتاده في بلاده. يدلف كله إلى السيارة بعد أن يعطل إنذارها. وعلى أصوات الموسيقى وهدير المحرك وضجيج الشارع يتحرك جسده نحو المكتب، ويبحر تفكيره في خيالاته.

ما ذنبه إذا كان الفساد لغة العصر، والطريق الوحيد لاستمرارية الربح السريع؟ بل كيف يمكنه أن يلتزم بمعادلات صممت لكي لا يلتزم بها؟ صحيح أن الخط المستقيم هو اقرب الطرق، ولكن من اعتاد السير في الطرق الملتوية سيتعثر في الطريق المستقيم. وكما قال له أحد المهمين "الورقة البيضاء إذا حافظت على نقائها أصبحت فارغة."

مطب ضخم يجعل سيارته تـئن وتتوجع، فيوقظه أنينها من تأملاته. يسب ويلعن لأنه انفق ما انفق على إصلاحها في الأمس، وأيضا بسبب هذه الطرق اللعينة التي تزداد رسومها وتزداد حفرها بشكل مطرد. ولكن رسوم الطريق ليست الرسوم الوحيدة التي يدفعها ولا يستفيد منها. كثيرة وكبيرة الرسوم التي يجب أن يدفعها، ناهيك عما يسمى رسوم ما تحت الطاولة. لو كان يلتزم بدفع جميع تلك الرسوم، لكان ميزانه التجاري يتأرجح صعودا وهبوطا في الأرقام السالبة.

تقترب منه العمارة التي تضم مكتبه رويدا رويدا وما تلبث أن تبتلعه. كم شيدت أبنية وجسورا وطرقا في هذا البلد! خبراء وفنيو الأمس تحولوا إلى عمال في جميع دول العالم. والعمال تحولوا إلى مشاهدة المسلسلات الدرامية. حركة البناء تحجمت من الطرق والجسور والمصانع إلى بناء الفيلات وتحديث الشقق.

عيناه تلتقيان بعيني مديرة مكتبه، فتتبادل الشفتان التحية الصباحية، وتضيف لقد أتوا مبكرا، وهم ينتظرونك بالداخل. "أعانني الله على هذا اليوم،" يقولها وهو يدخل مكتبه متصنعا الابتسامة.

ينتظرونه ويحيطون به كما لو أنهم جدران لقفص اتهام مزمن. يبدأ حوار جديد اعتاده ودرس خطواته. يتحدث معهم عن الطقس وتقلباته، عن السياسة، عن المرأة والاقتصاد، عن متغيرات السوق والتضخم، وأخيرا عن مشكلته وطرق حلها.

تدور عقارب الساعة برتابة وانتظام متلاقية متباعدة، وبعد اللقاء الخامس يتهلل وجهه فرحا. حاجز جديد تمكن من القفز من فوقه. ولكن إلى متى سيظل يقفز فوق الحواجز؟ وهل القفز فوق المعادلات سيظل مأمونا؟ إنها مباريات للقفز لمن أراد البقاء في الملعب، أما من اختار الانسحاب فلا مكان له في هذه اللعبة ولا جوائز. أن تكون أو لا تكون هذه هي اللعبة. والغاية تبرر الوسيلة.

قي طريق عودته تختبئ الشمس التعبة وراء الأبنية، بينما تحاول سيارته جاهدة أن تجد لها ممرا بين الآليات المتزاحمة المتصارعة. أعصابه المرهقة تجاهد لتقفز فوق تحد من نوع أخر هو تحد مع الصبر. يصل أخيرا منزله، فيهرول الحذاء التعب هاربا من قدميه. يتهالك الجسد على الأريكة، عيناه تتجول بين قنوات التلفاز فتأخذه سنة من النوم. يحلم نفسه طيرا محلقا فوق كل الآهات.

وهكذا تمر أيامه كالشموع: تنطفئ واحدة تلو الأخرى، تاركة خلفها خطا طويلا من الظلام. تنطفئ شمعة اليوم بينما هو يغط في سبات عميق

 

خ . ج




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home