دراسات هامة

 

تناصية الموت مع المعرفة والحياة

منير مزيد



تناصية الموت مع المعرفة والحياة

بقلم الشاعر والروائي

                                                                      منير مزيد

 

لم يلهب خيال الإنسان شيء كما ألهبته فكرة الموت، ولم يثر عقله من أفكار كفكرة انعدام العقل ذاته. فما الذي ستكون عليه الحال عندما يمضي إلى النوم ولا يفيق أبدا؟!

منذ بدء التاريخ الواعي للبشرية حتى عصرنا الحاضر وقف الإنسان أمام الموت حائراً مندهشاً لإنه لم يستطيع فهم كنهه ولا التغلب عليه. فالموت هو ذاك المكان القصي البعيد الذي تتصارع فيه قوى امكانية الرعب للاوجود وقوى الرعب في الوجود حيث يسقط الوجود الإنساني متجها نحو مجهول  غير محدد الأطر يتأرجح بين السكينة اللامتناهية أو الهيام الأبدي.

ناقشت الفلسفات الإنسانية والديانات القديمة والتوحيدية اشكالية الموت واعتبرته مشكلة من عدة نواح ويبدو أن إشكالية الموت هي أكثر تعقيدا وغموضا من اشكالية أي قضية انسانية أخرى، فقد تناولت الفلسفات والديانات مفاهيم الموت وماهيته وعلاقته بالحرية والمسؤولية وفي إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي والأنا الفردية بالأنا الكلية وصولا للمعرفة الإنسانية وكل ذلك في إطار فلسفة الحياة والموت وتأثيرها على النواميس والعلاقات الإقتصادية الإجتماعية الإنسانية في المجتمع.

إن الموت، من ناحية، موضوع ينطوي على كثير من المفارقات والمتناقضات، وهو من ناحية ثانية، موضوع كريه، مزعج لا يشجع على التفكير أو الحديث... مرتبط بالذبول .. والسقوط فهوميروس يجعل ظل

 "أخيل" يعبر عن وجهة النظر السائدة:-


" أناشدك يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت ، فأن تعيش على الأرض، عبد الآخر... خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية."


أما أنه ينطوي على كثير من المفارقات، فهذا واضح من مجرد النظرة العابرة إلى طبيعته، فطبيعة الموت في الكلية المطلقة، فجميع البشر فانون لا محالة قال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت"

إن طبيعة الموت هي الحجة الأخيرة لسقراط على نحو ما يروي أكزيفوفون:

" ألم تعلموا جميعا أن الطبيعة حكمت علي بالموت منذ لحظة ولادتي؟"

فبينما أن الوجود الإنساني هو كائن فإنه يبقى بالفعل ممثلا لما لم يكتمل بعد ( أي يمثل نهايته هو ذاته) والنهاية برأي هدغر لا تعني الوصول إلى العدم الوجودي، وإنما إلى الوجود نحو النهاية، فالموت هو وجودي يحمله الوجود على كاهله بمجرد كينونته.

يقول هدغر:" لقد وصلنا إلى الاكتشاف المربك القائل بأن الإنسان منذ البداية ذاتها محتضر، وهذه المعرفة تسود وتخصب فلسفتنا بأسرها"

ومن الطبيعة المتناقضة للموت أيضا أنه يجمع بين "اليقين" "واللايقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت، ولكنني لا أعرف مطلقاً متى سيكون ذلك . أو كما قال "باسكال": " إن كل ما أعرفه هو أنه لا بد لي أن أموت عما قريب، ولكنني لا أجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان"

والموت هو " حدّية" تتضارب بين النهائية والوسطية. وهذه بالطبع تلقي بنا بالضرورة إلى ما وراء هذا الحد. فقدر كبير من دراسة الموت طوال التاريخ كان موجهاً في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت. وقد ربطت الديانات بين مفهوم الموت كحد وسطي وبين اعتماد بعدية الموت بأسبقيته فتحولت دراسات الموت نتاج ذلك إلى دراسة مدركة الخلود....

يرتبط الموت بالحرية معتمدا على التفسيرات الدينية في الوقت الذي لا توجد فيه الحرية، إلا إذا كانت هناك حياة ووجود. فينطلق الكون إلى ثلاثة محاور رئيسة تميزه كظاهرة لمجموعة ليحول ذاته إلى مدركة فالمحور الأول إن الموت هو إمكانية بالغة الخصوصية، والثاني أنه لا يرتبط بشيء والمحور الأخير أنه- الموت- امكانية لا يمكن للمرء أن يتخطاها .. فأصبح هذا المفهوم المدرك حتمياً موجها إلى حرية غير مدركة ... فمن أين جاء هذا الارتباط بين مفهومي الموت والحرية؟؟!.

يقال أن الموت دخل العالم بسبب خطيئة آدم التي أدت إلى طرده من عالم الخلد وأصبح لأول مرة قابلاًَ للفناء والموت.. ولما كانت الخطيئة الأولى تعبيرا عن ممارسة الإنسان لحريته لأول مرة فقد كان هناك ارتباط وثيق بين الموت والحرية.

فالله نهاه أن يأكل من الشجرة التي في الجنة وكان الخطاب موجها إلى الزوجين الأولين آدم وحواء حيث خاطبهما الخالق عزوجل بقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة" واختار آدم وحواء بإغواء إبليس لهما حيث يقول النص القرآني أن الشيطان وسوس لهما أن يأكلا من هذه الشجرة المحرمة، وهنا تحدث المفاجأة التي لم يتوقعاها، حيث بدت لهم سوآتهما، فأخذا يخصفان من ورق الجنة، ويغطيان عورتيهما وبذا يكون الحياء من اظهار العورة هو من اشد ضروريات الفطرة الإنسانية،

الموت... يُعرف على نحو حدسي .. فالموت أمر قبلي ، خلقت الحياة وخلق الضد معها .. يقول ماكس شلر: " حيث أن الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة أو بإخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك وإنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة"

وفي قلب تجربة الاستهلاك المستمر لهذه الحياة، في خلال الحياة المعايشة التي يدعوها " التجربة الداخلية المتجهة نحو الموت".

"وهكذا فإن الموت ليس مجرد أحد المكونات التجريبية لخبراتنا، وإنما هو ينتمي إلى جوهر معايشة كافة الحيوانات الأخرى، وحياتنا كذلك، وعلى هذا النحو فإن حياتنا تمضي نحو الموت، إنه ليس إطارا ثبت بالصدفة المحضة حول صورة عمليات فيزيائية وفسيولوجية عديدة، وإنما هو اطار ينتمي إلى الصورة ذاتها".

فالموت ليس جدار ترتطم به في الظلام وليس سحقاً للكائن الحي على يد قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت يحدث بتأثير تلك القوى، لكنه متضمن في عملية الحياة ذاتها، إن ملاقاة الموت هي، على نحو ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار.

" بقدر ما يتعين علينا أن نعزو لكل حياة شكلا من أشكال الوعي، ينبغي علينا أن نعزو إليها أيضا ضرباً من اليقين الحدسي بالموت..."

" فالموت يأتي ويتحكم في الطفل

الذي يرقد بين ذراعي أمه

كما يتحكم في الرجل الذي بلغ من الكبر عتيّا"

 نص مصري قديم


ويرتبط الموت أيضا " بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت وكان الوجود لإنه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه ومن ثم، فكل الوجود يميل بطبعه إلى الفناء وكل حياة يكمن الموت في جوفها.

وترتبط مشكلة الموت من حيث ادراكها بالشخصية مع أن الموت اساسا هو قضاء على الشخصية، فكلما كانت الشعوب انضج وأقوى شخصية، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت ومن هنا، نجد أن الإنسان البدائي والإنسان الساذج لا يمثل الموت عنده مشكلة وهذه السذاجة هي الاتجاه الذي يدعو إليه بعض الفلاسفة المحدثين فيكتب " بردياييف" رداً عليهم: " إنني لا أميل إلى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل " تولستوي" على سبيل المثال، لكنني شعرت بألم حاد إزاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في إعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الأساسية للحياة، فالموت حدث أكثر أهمية وحيوية للحياة من الميلاد....".

بينما يتحجج كونفوشيوس بعدم دراسته للموت: " إننا لا نعرف أي شيء عن الحياة، فكيف نستطيع أن نعرف شيئا عن الموت؟".

 بينما يذهب أبيقور للقول:" إن مهمة الفلسفة أن تداوي جراح القلب"
والفلسفة ما تزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح سببها الموت فمن يهمل فكرة الموت يفصل نفسه عن ينابيع المعرفة الأساسية التي تنشط البحث الفلسفي بقوة تضاهي الفضول العقلي والدهشة"

كان إذن الموت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها ولعل هذا ما عناه أفلاطون بقوله:" الفلسفة تأمل الموت"

وهو نفسه الذي أغرى الفيلسوف الألماني شوبنهاور لكي يقول: "الموت هو الموضوع الرئيسي للفلسفة  والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي، بل إن بعض الفلاسفة والمؤرخين ذهبوا بعيداُ في إعطاء الموت دوراً استثنائيا في التاريخ البشري مثل المؤرخ المشهور (وول ديورانت) صاحب كتاب "قصة الحضارة" الذي قال: "الموت أصل الديانات كلها" أي أن الديانات كانت استجابة لقلق الإنسان تجاه الموت ومن خلال معالجتها لهذه الظاهرة وضعت إطار الفلسفة للحياة والوجود".




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home