قصة

 

زيارة

مفيد عيسى أحمد



 

تك، تك، تك، يصعد بصره مع عقرب الثواني إلى الرقم اثني عشر ثم يهبط معه، دقيقة، دقيقتين، الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، صداع يطن في رأسه على إيقاع الزمن الضيق ، حنق يقبض على حلقه،  لم يعد يستطيع الجلوس، نهض و خرج من المنزل، قطع شارعين عرضاً ثم انعطف يميناً ليلتقي بالشارع الرئيس الذي يرفد ساحة النزهة. مضى عبره بفتور ،خطواته تلقائية، خطر له أنه سيلتقي شخصاً يعرفه، كالحلم.... لوهلة رأى نفسه... شاباً يبتسم يسير بنفس الخطوات، انطفأت  الرؤيا وعلقت ابتسامة على وجهه، برهة فقط  ، كان ذلك كمن يرى صورته في فيلم ، جفل ..فرك عينيه ..لم يكن أمامه سوى رصيف خلى من المارة .تابع سيره.

غمزت إشارة المرور مرتين بالأحمر ثم قفزت عبر البرتقالي إلى الأخضر  فتوقف، استند إلى الإفريز الحديدي الذي يفصل الرصيف عن الشارع  يراقب حركة  السيارات و البشر المتلكئين بعد  سهر ليلة طويلة     و نوم مضطرب.... الشوارع شبه خالية معالمها واضحة أكثر من يوم عادي، غطتها مسحة قنوط ، بدكاكينها المغلقة و الحركة الخافتة للمارة القلائل .

من باب بيته إلى ساحة النزهة ، ألف و خمسمائة خطوة و عشر دقائق ، تزيد أو تنقص .. ليس مهماً ، قطعها مئات المرات ...و عدها و كأنه يتأكد أن المسافة لم تطل أو أن الزمن هو هو  ثوان و دقائق ... و ساعات .

هذا اليوم  ازدادت الخطوات قليلاً فبلغت ألف وسبعمائة، ربما هو الشرود أو التردد ما جعل خطواته أقصر ،

الزمن أيام أيضاً ..يأتي يوم العطلة بعد ستة أيام، أحياناً يتمنى أن يأتي كل يومين و أخرى يتمنى ألا يأتي أبداً يعود ذلك لمشاكل العمل، ينتظر العطلة ليرتاح منها. يتحلل من الاستيقاظ مبكراً ، من ضجة المراجعين من تلك العلاقات المفروضة عليه... لكن لا يلبث أن يستيقظ في وقته المعتاد رأسه مشوش و في ذهنه  ..أعمال صغيرة مؤجلة و متراكمة ، إصلاح المغسلة ...مناشر الغسيل ....طاولة أو كرسي .. ....لكنه غالباً لا يصلح شيئاً  لا يحتمل الجلوس في البيت سوى إلى  الساعة  العاشرة، يبدأ ذلك القلق الحانق يتمدد في داخله.

هذا الصباح .. أراد إصلاح المغسلة .. عدل من مرآتها لكنه كسر طرفها و هو يحاول تثبيتها ...فار في داخله ذلك الحنق المبهم ، انهال على المرآة بضربات متلاحقة .. ليهشمها ...وضع الشاكوش و زوجته تنظر إليه بدهشة  ..لم ينبث بكلمة و هو  يخرج من البيت " المهم أن يخرج " كما فعل اليوم .. تبدلت الإشارة إلى الأحمر لكنه ظل يتكأ على الافريز الحديدي ..

إلى أين سيذهب ...الساعة الآن الحادية عشرة و عشر دقائق ...  بالتأكيد لن يذهب إلى أحد زملاء العمل وجهه في وجوههم طيلة الأسبوع ...سيعيدون نفس الأحاديث. المدير و أعوانه و الراتب و الحوافز  ..

تبدلت الاشارة إلى الأحمر ...انقطع سير السيارات .. اعتدل في وقفته و خطى ليقطع الشارع لكنها كانت خطوة واحدة فقط ...إلى أين سيذهب ...لم لا يزور أحد أخوته ..

أخوه سليمان سيطالبه بالدين   ....و حسن سيشكو زوجته و أولاده ..عادت الاشارة إلى الأخضر فأوعزت للسيارات للتحرك، زوج أخته سيحدثه عن مشاريعه التجارية و يبدأ بنصحه و يتهمه بالتكاسل، تبدلت الإشارة إلى الأحمر عبر شخصان من أمامه، عبر شخص آخر و آخر  تلفت حوله كان وحيداً، خطا خطوة  ليعبر أطلقت سيارة بوقها بنزق و تتطاول السائق من نافذتها مطلقاً كلمات لم يفهمها، لم ينتبه إلى أن الإشارة تبدلت إلى الأخضر و أن السيارات انطلقت من جديد، تراجع عن خطوته ليقف على الرصيف من جديد.

استدار مستعرضاً الشوارع المتفرعة من الساحة، استرخاء يوم العطلة قلل من الحركة ، باتجاه الغرب انبسط شارع الحضارة، في طفولته كان عبارة عن حقول منبسطة يلعب فيها مع أترابه الصغار ، كرة القدم و ألعاباً أخرى ، من النقطة التي كان يقف فيها كان يدحرج عجلات السيارات القديمة.

أين سيذهب .. لابد أن يزور أحداً ما ....لا بد من ذلك ..لم يكن يعاني من ذلك فيما مضى ، في شبابه، كان يخرج لا يدري إلى أين لكنه يعرف أنه لا بد أن يصادف صديقاً ... هل كانت الدنيا أصغر من الآن ... بالتأكيد لا، أم أنه لم يعد هناك من يخرج من بيته ...لو يستطيع زيارة أحد أصدقائه القدامى...رفاق الطفولة ...الزمن البريء ... تحسس ندبة صغيرة في جبينه، وتذكر ابراهيم الذي سببها له بقذفه بحجر ..ابراهيم مات بسرطان الدم ولم يبق منه سوى هذه الندبة  و ذكريات لمجريات سنوات مضت .

الزمن سنوات، أربعون سنة عمره ، منذ عشر سنوات تزوج، منذ خمس عشرة توظف ومنذ خمس و عشرون تزاحمت الأبنية على حافتي شوارع قسمت البساتين بشكل آخر، من   هنا كانوا ينفلتون في أرجاء المدينة   .إلى السينما أو الحديقة   .. لو يصادف أحدهم  الآن ..انقطع عنهم فترة كبيرة ليس من المعقول زيارتهم فجأة هكذا ... لو يعرف أرقام هواتفهم.

لا بد أن يزور أحداً ما.. الإشارة الآن حمراء السيارات متوقفة بإمكانه العبور،  لم يتحرك...شعور بالإحباط أغلق عليه، طافت في رأسه وجوه نسي أسماءها و أسماء نسي وجوهها ... تلفت إلى كل الجهات ، لكل الشوارع معنى واحد الآن ...مسافة عبثية  ..أين سيذهب ...من سيزور ..؟

تناوب الأحمر و الأخضر مرات عديدة  و هو واقف يتكأ على الافريز الحديدي... ينقل ثقله من رجل إلى أخرى ... لم تعد الاشارة تعني شيئاًَ، ليست هي من يحدد العبور ...من المستحيل عليه إكمال خطوة واحدة إلى الأمام  .. أين سيذهب ..؟

هل من المعقول أن يكون ابن هذه المدينة و ليس لديه من يزوره  .....دوامة من الوجوه المتداخلة الملامح ..لاحت أمامه . وجه يضحك .... وجه مهموم ... وجه عابس ..و آخر ساخر ... وجه يشبه وجهه وهو ساهم ..انتفض.

الساعة الثانية عشرة صباحاً عاد  باتجاه منزله مشى ببطء و تكاسل عبر الشارع  الرئيس الذي يرفد ساحة النزهة ثم انعطف غرباً قطع شارعين عرضاً و دخل المنزل.

ألف و سبعمائة خطوة. و عشرون دقيقة

 

 خ . ج

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home