مقال

 

كيف نكتب؟

أحمد بنميمون



كيف نكتب؟

***

أيها الكاتب الروائي المبدع ياسين رفاعية، قرأت كثيرأ من إنتاجك الأدبي المنشور ، من (الممر)إلى (أسرار النرجس) التي صدرت أخيرأ في طبعتها المغربية،  ضمن (روايات الزمن) إلى هذه المقالة القصيرة ، وقد أثار انتباهي هذا الاستخفاف الملحوظ باللغة في كتاباتك، من عدة جوانب ، حتى وصل الأمر إلى تحريف بعض النصوص التي اخترتها لوضعها ثريا فوق النص ، فإذا كانت بين يديك نسخة من الطبعة المغربية لروايتك (أسرار النرجس)"روايات الزمن(15)2006، فانظر إلى التحريف وقد أصبح تصحيفاً، فيما وقع في قول المتنبي الذي جعلته قبل افتتاح الرواية :

( يا عاذل العاشقين دع فئة * أضلها الله كيف ترشدها)

(ص.3)

فكتبت: يا عازل العاشقين. وهو الأمر نفسه الذي حدث في هذه الأبيات القليلة التي استشهدت بقول ابن الجوزي فيها(وجزاء الضيف إحسان إليه، وليس لديه(!

وعودة إلى روايتك في إصدارها المغربي فإن فيها من الأخطاء اللغوية ما لا يتناسب مع حجمك وقامتك كروائي عربي لا جدال في موهبته الروائية ، ولم يمنعني  من وضعها بين أيدي بناتي حضا لهن على قراءتها كونها حافلة بالتصوير الفج لممارسات جنسية مقحمة غير مبررة فنيا بين نبيل ولمياء، رغم تباعد العمر بين الطفل نبيل ولمياء البالغة التي كانت ترشح للزواج أثناء إيقاعها بالطفل في بيت عائلته،بالإضافة إلى مشاهد من الممارسة الجنسية الشاذة التي مورست على(عاصم) الذي اختارت لمياء  هذه التضحية بعائلتها والاقتران به كزوج ، رغم معارضة الجميع لها، هذا بالإضافة إلى ما حفلت به روايتك من مشاهد جنسية في ماخور (الروبير) الذي رغب نبيل في الزواج  بإحدى مومساته،  وإنما منعني من ذلك هذا الركام الهائل حقا من الأخطاء اللغوية التي أستثني منها بالطبع الحوار العامي، ولا يتسع المجال هنا لاستعراض كل ذلك  بالتفصيل فيه ،إنما لي كلمة أريد أن أتوجه بها إلى الدكتور سعيد يقطين المشرف على روايات الزمن، إذ يبدو أنه  يكتفي بتشريف روايات الزمن بوضع اسمه الكريم عليه ، بكل ما يحمله من إيحاءات علمية باعتباره صاحب مشروع نقدي، دون أن يكلف نفسه  فيما يبدو ـ عناء قراءة هذه الأعمال التي ننصح بتعيين رقيب لغوي ثقة، يراجع  العمل المقترح لتخليصه من عيوب هذه الهنات اللغوية ، التي تحرم معها الأجيال الجديدة من القراء من المتعة الفنية الجمالية التي يوفرها  أي سرد ناجح،  ولا أرى في مراجعة الرقيب اللغوي غضاضة من شأن الكتاب الروائيين ، ولا حثا على التراجع عن قناعات كثيرين منهم ، ممن اختاروا سلوك مبدأ الاستهانة باللغة تحت مسوغات مثيرة، إعلانا لحرب على ما سماه الكاتب المغربي أحمد بوزفور بـ (الأذرع السبع للأمن القصصي) ومنها الذراع اللغوية، حيث يؤكد أن ( أن الإبداع القصصي  لغوي أولاً، أي أنه إبداع في اللغة ) (مجلة "آفاق" المغربية:مايو 1991)لكن مع وضوح غيرة أحمد بوزفور التي تشي بها هذه الكلمات فإن صاحب (النظر في الوجه العزيز) لم ير  تناقضا في ما أعلنه ، (في طريق البحث عن "نظرية التلويث" ) وهو يذكر أن (القصة الملوثة: ضد الاستلاب باللغة)  وتقف (ضد الفصاحة القاموسية الحافلة بالثرثرة والفضول،والحريصة على إكمال الجمل،ولحمها بإسمنت الروابط والنعوت المنهمرة الزلقة الزائدة)أحمد بوزفور(مجلة" المدين’"عدد4/5 السنة1979) وأنا في دعوتي إلى عودة الرقيب اللغوي إلى مطابعنا كجزء أساس من بنيتها العامة الفاعلة ، لا ابتعد في فهم المراقبة اللغوية عن هذه الرؤيا الإبداعية عند مبدعنا الرائع أحمد بوزفور،   وأكتفي  هنا بالإشارة إلى ما عرفته لغتك من اضطراب في مفتتح كلمتك هذه، وفي خاتمتها، فتأمل معي هذا التركيب في السطر الثاني :( من الإنسان إلى الحيوانات على اختلافها يتصارعون من أجل الحياة) جاعلا الفعل (يتصارعون) متعلقا بالإنسان والحيوانات ،كما حدث الاضطراب والركاكة نفساهما في السطرين الأخيرين من هذه المقالة، وهذا يدفعني إلى إعادة طرح أحد الأسئلة الكبرى ضمن أسئلة  إشكالية الكتابة وهو سؤال : كيف نكتب ؟،وهل العناية باللغة وجمالها ،وتخليصها من أي مظهر من مظاهر الركاكة ، حرصا على تمام المتعة الفنية في الأدب ، ما دام الأدب فنا لغويا قبل أي شيء آخر،أمر أصبح مما لا يجب الاحتفاء به أو حتى الالتفات إليه؟

وأنا لا أريد إخفاء ما يؤلمني الوقوف عليه في كثير من الكتابات الأدبية في السرد والنقد والشعر أيضا، والتي يتوفر لها من جوانب التقنية والمهارة الشكلية الشيء الكثير ، لكن اتفاقي مع الكثير من مضامينها ورؤيتها إلى العالم،  لا يمنعني من إظهار ما أظهره الآن ،غيرة ًورغبة ًفي الوصول بآدابنا إلى أروع المنجزات، ولن يتم ذلك لهذه الآداب، ما لم تزدد درجة عناية كتابنا باللغة في أعمالهم الروائية والشعرية معا، فترتفع بذلك قيمة أعمالهم إبداعيا وثقافيا ، وسياسيا أيضا ( فاللغة عامل توحيد ثقافي، وجداني يصل الذات في زمن التفكيك والتشتت العربي الراهن) مادام هذا الذي يهدد لساننا العربي،  لا يتوقف عن الاستقواء بكل ما هو حق أو باطل، ودع عنك القائلين بمبدإ إدخال الذات اللغوية في الكتابة ككلمة حق يراد بها باطل، ذريعة وتعلة  للهبوط بأساليبنا بدل الرقي بها ، في مواجهة الغيورين على اللغة بحجة  تجاوز الفصاحة أو التفصيح، لأن إنساننا الذي نصور حياته الواقعية أنسان عامي جاهل لا يمكن أن يتكلم الفصحى ، إن لم يزدر بها، كما هو الشأن عند إخواننا المصريين ، الذين يعتبرون عاميتهم عربية قريش القرن العشرين، ناسين أن الواقعية في أعلى معانيها هي فن إفساد الواقع ،أي إعادة تركيب عناصره برؤيا وفهم جديدين ، يطرحان العالم والأشياء في خلق جديد، ذلك هو الخلق الفني الحقيقي،  وليس نقله النقل الميكانيكي المرآوي كما تفعل  السينما والتلفزيون  في زمن البلادة والجهالة الفنيتين، خاصة بعد أن أصبحت السينما فنا جماهيريا بعد أن ترك أن يكون فن الكتابة بالصورة كما كان في البدء.. أيام اشتغال عمالقة الفن السينمائي على كتابة أعمالهم  الكلاسيكية، معتمدين تقنية الصورة وإمكاناتها الفنية.

لقد أنهيت مقالتك القصصية بنقل موقف  درامي لافت ، قد يكون جعل قراء كثيرين ، يلمسون أن هذه الكلمات  تنهمر من قلم روائي ناجح ، في تصوير مواقف دقيقة  من حياة مجتمعنا ، وقد يكونون تمنوا مثلي أن يتنبه كاتبنا المفضل ياسين رفاعية إلى تخليص  كتابته مما( يلوثها) ، وليس ذلك بعزيز على همة الكاتب  المتمرس.

(أحمد بنميمون) ـ المغرب

تعليق على مقال ياسين رفاعية (هل هناك أبد؟) القدس العربي 10/01/2007 ـ




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home