دراسات هامة

 

كتاب جديد "نحو ثقافة تأصيلية" للكاتب الفلسطيني محمد شاويش

د. حسين شاويش




كتاب جديد "نحو ثقافة تأصيلية" للكاتب الفلسطيني محمد شاويش


صدر حديثاً عن دار نينوى-دمشق بالاشتراك مع الدار العربية للعلوم-ناشرون-بيروت كتاب "نحو ثقافة تأصيلية (البيان التأصيلي) والمقال التالي هو تقديم للكتاب كتبه الدكتور حسين شاويش-برلين

التأصيلية والعودة الى الذات(1)


د. حسين شاويش
بدلا من المقدمة:
يجد العربي نفسه في نهايات القرن العشرين في وضع عجيب، فهو يكاد يطرح الاسئلة نفسها التي طرحها على نفسه في بدايات هذا القرن! وسواء أدار السؤال حول الحرية أو حول الخبز فلا بد أن يذكر الغرب ومصالح الغرب وتدخله. والأمر هو هو في العشرينات كما في التسعينات! ولكن صياغة السؤال كانت تختلف. وليس هذا الاختلاف ثانويا، بل لعله أحيانا بيت القصيد لأن صيغة معينة للسؤال تستدعي أجوبة معينة وتستبعد أخرى. وتأمل معي السؤالين الشهيرين التاليين: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ و:ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ إن السؤال الأول يستدعي فكرة اللحاق بالغير (ويشي بأفضلية الغير لأنه سابق)، أما السؤال الثاني فهو بالعكس يحدد المسلمين كذات والغير كموضوع (وفي الخلفية يتم تصوير ذلك الغير كخاسر). غير أن العقود التي مرت على المنطقة جعلت الأسئلة كلها تكاد تتركّز حول مسألة اللحاق بالغرب المتقدم ولذلك فمن المبرر أن يطلق على الأجوبة كلها -تقريبا- وصمة: الأجوبة التغريبية، وأن ينشأ بمقابلها "الجواب التأصيلي". ومنطلق مشروعية هذا الجواب هو نفسه منطلق لامشروعية الجواب التغريبي أي: موقع الذات من المسألة. السؤال التغريبي يغيب الذات والتأصيلي ينطلق منها. ويقصد بال "تغريبي" هنا كل من الحداثيين والإسلاميين لأن كليهما يريد أن يقضي على الذات التقليدية لصالح مشروع تخيلي هو "حتّة من أوربا" -بتعبير الشاعر الشعبي المصري- والفرق الوحيد بين شقي المشروع التغريبي هو أن الاسلاميين يريدونها "ذاتا اوربية مسلمة"!
غير أنني أود أن أناقش فكرة "المشروعية" بمزيد من التوسع فقد طرح الثوريون ذات مرة سؤال: تطور أم ثورة؟(2) وقد قصد يومها التساؤل عن سرعة إجراء التغيير الاجتماعي- السياسي وطريقته وكانت وجهة التغيير ليست محل سؤال فهي تطور صاعد الى الأمام ينتهي بالاشتراكية يستمد "مشروعيته" من الناحية المنطقية من جدل هيغل الذي كُسي رداء ماديا ومن الناحية الواقعية من ثورات القرن التاسع عشر ومن الناحية الأخلاقية من وعي الطبقة العاملة لظلمها وإرادتها الإطاحة بالنظام الذي يستدعي هذا الظلم ومن حقيقة أن هؤلاء المظلومين هم أكثرية المجتمع (3) وفي حين خيّبت التغيرات التالية في التاريخ الألماني -حيث طرح السؤال المذكور- آمال كل من الاصلاحيين والثوريين (الثورة جربت وفشلت والاصلاحية قضت عليها النازية)، فإن "التطور" اللاحق قد غير من صيغة السؤال ككل، أو لعلنا نكون أكثر اعتدالا إذا قلنا أنه طرح أسئلة أخرى ونزع المشروعية عن "الاجماع" على وجهة التطور، وذلك على الأصعدة الثلاثة المذكورة أنفا. فمن جهة منطق التطور الصاعد أثبتت الوقائع أن بعض خبرات الشعوب الإيجابية فعلا تضيع خلال "تطورها" ولأسباب لا علاقة لها بالأفضلية بل بعلاقات قوة أو قسر خارجي (وهذا ينطبق على الشعوب الأوربية كما ينطبق على غيرها ويبدو أن علينا أن نقول: وخاصة على غيرها). مما ينزع عن الجدل الهيغلي صفة القانون العام ويترك له في أحسن الحالات صفة "نموذج" قد يناسب تغيرات معينة وفي فترات بعينها ولا يناسب أخرى. وعلى الصعيد الواقعي فقوى التغيير فقدت رؤية التثوير أو التغيير الشامل لكامل البنية الاجتماعية وهذا يصدق على ما يدعى "الغرب" كاملا. أما من الجهة الأخلاقية فالطبقة العاملة لا تستطيع ادعاء تمثيل المجتمع الغربي لأنها لم تعد الأكثرية كما أنها وافقت على شيء يشبه ما سمي ذات يوم -وإن في سياق آخر- "مصالحة تاريخية"(4)
لقد طرحت أسئلة مشابهة في الساحة الفكرية والسياسية العربية، وإن كانت الصيغ تختلف نوعا ما لأن الطارحين كانوا يمثلون قوى واقعية أخرى ولأن تلك الأسئلة كانت تستمد مشروعيتها من واقع مختلف ومن مصادر مختلفة. بعض تلك الأسئلة مازال يطرح بالإلحاح نفسه رغم أنه فقد مشروعية الطرح وبعضها الآخر مازال يطرح وبمشروعية وأخيرا فإن البعض منها لم يطرح رغم أنه كان ينبغي أن يطرح لتوفر المشروعية أي وجود من لهم المصلحة بل وكونهم الأكثرية (ما تسميه التأصيلية: المجتمع الصامت) وما ذلك إلا لغياب ممثلي هذه الأكثرية عن حلبة السجال.
ولعل ميزة السؤال التأصيلي تكمن في تلبيته للشروط التي يفرضها مقياس "المشروعية" المنطقية والواقعية والأخلاقية كما عرضتها أعلاه من خلال المثال الغربي المعروف.فمشروعيتها المنطقية مستمدة من فهم معين للتغيير ينطلق من "مادة التغيير" نفسها لا لاستبدالها بأخرى وهمية أو مفروضة بل لتأمين تجددها الدائم. يستشهد محمد شاويش بهذا "البرنامج التغييري" ذي المنطق شبه الرياضي (بما يناسب موضوع التغيير المنشود طبعا) والذي سبق أن اقترحه محمود شاكر:
"التجديد لا يمكن أن يكون مفهوما ذا معنى إلا أن ينشأ نشأة طبيعية من داخل ثقافة متكاملة متماسكة حية في أنفس أهلها، ثم لا يأتي التجديد إلا من متمكن النشأة في ثقافته، متمكن في لسانه ولغته متدوق لما هو ناشى فيه من آداب وفنون وتاريخ، مغروس تاريخه في تاريخها وفي عقائدها، في زمان قوتها وضعفها، ومع المتحدر إليه من خيرها وشرها، محسا بذلك كله إحساسا خاليا من الشوائب، ثم لا يكون التجديد تجديدا إلا من حوار ذكي بين التفاصيل الكثيرة المتشابكة المعقدة التي تنطوي عليها هذه الثقافة، وبين رؤية جديدة نافذة، حين يلوح للمجدد طريق آخر يمكن سلوكه، من خلاله يستطيع أن يقطع تشابكا من ناحية ليصله من ناحية أخرى وصلا يجعله أكثر استقامة ووضوحا، وأن يحل عقدة من طرف ليربطها من طرف آخر ربطا يزيدها قوة ومتانة وسلاسة (5) إن منطق التغيير هذا يجد سندا جديدا في فشل تجربة التغيير الجذري لكامل النظام الاجتماعي ومحاولة استبداله بنظام بديل.
أما المشروعية الواقعية فتكمن في أن جوهر كل ما تدعو اليه التأصيلية هو العودة الى هؤلاء البشر الواقعيين الذين هم لحمة وسدى الفعل التاريخي (والذين بدؤوا يتململون على أية حال) والذين توضع الحلول لمشاكلهم بغيابهم وكأنهم غير موجودين. أما المشروعية الأخلاقية فتستند إلى هذه الحقيقة نفسها فالتأصيلية تريد أن تصبح صوت الذين لا صوت لهم. وهي بهذا تحدد مهمة أخلاقية أخرى هي إزالة "الاستلاب" الثقافي والحضاري. ولشرح هذه النقطة لا بد من الإشارة إلى أن الاستلاب يعني هنا الاعتقاد بدونية الذات الحضارية والثقافية اعتقادا يبعث على محاولة التنكر لهذه الذات وتخيل امكانية استبدالها بذات "عليا" أو مثالية. وهذا "الداء" -كما نعرف جميعا- هو ظاهرة تكاد تكون قاسما مشتركا بين المثقفين العرب ومن البديهي أن تلك الذات الوهمية المثالية هي في هذه الحال الذات الاوربية. إن هذا الاستلاب ليس مشكلة فردية فحسب، بل قد يكون أساسا نفسيا لكوارث اجتماعية وسياسية تنشأ عن قبول سيطرة حضارة (أو حتى جيش) ما دعوناه الذات المثالية وإهمال أي رعاية أوتطوير للثقافة الخاصة إن لم يكن قتلها العمد. ولذلك تطرح التأصيلية بالحاح "شبه المسلمة" التالية: إن المثقف الذي يحتقر مجتمعه انما يحتقر بذلك ذاته الخاصة وذلك -ودائما- لصالح ذات أخرى ومجتمع آخر. وليست هذه الأطروحة واضحة بذاتها شأن المسلمات المعروفة فهذا التسليم بالهوية الواحدة للمجتمع والفرد هو أمر ملغز. وقد لا نجد مشكلة في اعتبار أن المجتمع هو ذاتنا الحقيقية الجمعية ولكن ماذا عن الذات الفردية؟ ما الذي يبرر الحكم بأن غضب الفرد العربي من مجتمعه هو غضب من ذاته؟ ومن ثم فاحتقاره له هو شيء يشبه المازوخية؟ ودائما لصالح ذات ومجتمع آخرين أليس من الطبيعي أن يثير في نفسي قمع مجتمعي لي حقدا على هذا المجتمع، هكذا ككل أو كبنية اجتماعية، متمنيا لها الزوال لترثها بنية اجتماعية أخرى تتيح لي حرية القرار والتصرف؟ الجواب ليس بهذه البساطة! إذ لكي أفسر قمعا معيّنا بأنه "قمع المجتمع لي" يجب أولا أن أجعل من الفرد القامع (أو المجموعة الصغيرة القامعة) ممثلا للمجتمع (عملية التجريد هذه هي عادة من مميزات المثقفين) وأن أنزع المشروعية عن ذلك القمع أي ألا أكون مقتنعا بأنه الطريقة الطبيعية للسلوك في الحالة المعنية وهذا يتطلب معرفتي بوجود نماذج أخرى للسلوك أصفها باللاقمعية وهذا ليس أمرا بديهيا أبدا (مسألة تعلم لا مسألة غريزة). الشيء نفسه ينطبق على المجتمع فإن من لا يتخيل (أو لا يريد) مجتمعا بديلا لا يتمنى زوال المجتمع الحالي. إذن فليس "من الطبيعي" أن يحقد المقموع على المجتمع -وانا أقصد حالة القمع المستند الى أسباب اجتماعية طبعا وليس الاعتداء الفردي الذي ترفضه المعايير الاجتماعية على أية حال- ويتمنى زواله. من الواضح أيضا أن رفضي للسلوك القمعي لايعني من الناحية المنطقية آليا رفضي للمجتمع ككل حتى ولو كان ذلك القمع مبرراً اجتماعيا فالقيم الاجتماعية مطاطة ومتغيرة وقابلة للتلاعب الواعي وغير الواعي (بل كثيرا ما يتم "التآمر" الجماعي وشبه المفضوح للّف على قيمة اجتماعية لا يمكن ماديا الوفاء لها -الخطيبة التي تستعير الحلي والحلل من قريباتها لتظهر بها يوم العرس انقاذا لماء وجه عريسها الفقيرمثلا-)، إنني يجب أن أكون قد حكمت سلفا على كامل البنية الاجتماعية بالفساد لكي أشعر ب"الحقد على المجتمع" كلما "دق الكوز بالجرة" كما يقول مثل أهل الشام. ولكننا لا يمكن أن نحكم على بنية اجتماعية كاملة الا بمقارنتها ببنية أخرى نستعملها كمقياس. وهذا المقياس جاهز دائما ونحن نسمع به يوميا فهو أحيانا "المجتمع المتحضر" أو الاشتراكي وأحيانا "المجتمع الاسلامي" ،كان موجودا في موسكو أو بطرسبورج أيام لينين أو في المدينة المنورة أيام النبوة...وأيا كان فهو من الناحية النفسية ذاتٌ وهميةٌ بديلة يراد لها أن تحل محل الذات الحقيقية المرفوضة والمحتقرة.
ولعله قد أن الأوان لأن أركز على الفرق بين الفكرة التأصيلية التي أتناولها هنا بالبحث وبين ما يسمى عادة الأصولية، فلقد أدرك القارى أنهما شيئان مختلفان، بل لعلي لن أكون مبالغا ان قلت أن التأصيلية تحاول اثبات بعد ما يسمى أصولية عن "الأصول" أي عن الذات الاجتماعية والثقافية وأن غربتها عن المجتمع تكاد تساوي غربة تلك التيارات الموصومة بأنها تيارات مستوردة! وأدبيات تلك "الأصولية" تزوّد "التأصيليين" ببرهان حاسم على ذلك. فسيد قطب يعلن لا غربته عن مجتمعه فحسب بل وعداءه له أيضا لأن ذلك المجتمع "جاهلي" في نظره. النتيجة نفسها يمكن التوصّل لها سواء باستعراض "نظام الاشارات" الذي يعبر من خلاله "الأصوليون" (6) عن أنفسهم (ما يسمى "الحجاب الشرعي" مثلا الذي لا علاقة له بما ترتديه المرأة العربية العادية) أو بتحليل الموقف العدائي من "تعبيرات الدين الشعبي الفنية والفكرية" (الفرق الصوفية مثلا بتراثها الغني من الفلسفة وحتى الموسيقى) ومن التراث الفقهي الاسلامي شديد التنوع والغنى أو -وهي ثالثة الأثافي- الموقف المدمّر وطنيا من الأديان والطوائف الأخرى على أرض الوطن. وبكلمات محمد شاويش:"إن التحليل الذي تعوّدنا عليه إذن للحركات الاسلامية والذي يبتدئ دوما بوصف المجتمع التقليدي وكيف أن هذا المجتمع في زعم الباحثين يرد على الغزو الفكري والسياسي والاقتصادي الغربي بابتكار "الحل الاسلامي" هو تحليل سطحي.....العلاقة بين المجتمع العربي التقليدي و"الاسلاميين" لا تزيد ولا تنقص عن العلاقة بين هذا المجتمع والبعثيين أو الشيوعيين لأن هذا المجتمع منذ بداية عصر النهضة سكت ولم ينطق أحد باسمه وبالعكس كان الهم الاساسي لكل هذه التيارات قمع التعبيرات الحرة لهذا المجتمع لانها بالنسبة للتقدميين تخلف وبالنسبة للاسلاميين ضلال وانحراف عن "الاسلام الحقيقي".

"أصول" التأصيلية ومجالاتها:
تبدو التأصيلية أحيانا كاتجاه عام في مسائل الثقافة يريد أن يركز على تميز الذات الثقافية والحضارية العربية الاسلامية تميزا يقضي على أي سبب للاستلاب الثقافي والحضاري، وأحيانا أخرى لا تكتفي بهذا الموقف شبه الأكاديمي بل تخوض غمار الجدال السياسي،حيث تؤكد التزامها بالمجتمع الأهلي الذي أُخرس واستبعد كليا من ساحة القرار. ولنتأمل هذا النداء الذي قيل بمناسبة وفاة هادي العلوي :"...وإن السير في هذا الاتجاه، اتجاه التقارب بين المخلصين من التيارات الوطنية العربية: اليسارية والقومية والاسلامية يمكن أن يقودنا الى اتجاه جديد.. اتجاه تأصيلي يأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين: الالتزام بهوية الجموع والانحياز الى مصالح الأغلبية ضد الاستكبار الخارجي والشرائح الموالية له في الداخل، اتجاه يأخذ من اليسار موقفه ضد الاستغلال والقهر الطبقي ويأخذ من التيارات السياسية الثورية التقليدية تمسكها بالهوية الثقافية والحضارية (وأمثلتنا العليا في هذا الأمير عبد القادر وعمر المختار وأبطال الأزهر الذين واجهوا نابليون وعز الدين القسام وأبطال ثورة العشرين في العراق) ومن التيارات الدينية ما تشترك فيه هذه مع التيارات التقليدية من وطنية جذرية" . ولا أظن أنني أجانب الصواب إذا اعتبرت البحث الثقافي جزءً نظرياً وهذه الرؤية السياسية التي يمكن وصفها بالوطنية الجذرية تطبيقا على الواقع العربي الاسلامي الحالي.
ولعل اتجاها بهذا الطموح لن "يوفّر" حقلا من حقول الثقافة لا يحاول استثماره إما لدعم أطروحاته أو لزرع هذه الأطروحات في ذلك الحقل مثريا بذلك الأصناف المزروعة بصنف جديد ومتيحا الفرصة لصنفه بالترعرع والنمو.
1- علم النفس والتحليل النفسي: على أن يفهم من هذين التعبيرين ظاهرهما فحسب، أعني طرق البحث (الاستبطان والمنهج الظاهري مثلا) وموضوعه (على ألا ننسى الجدة الحقيقية لموضوع الاستلاب والتي كثيرا ما أغمطت حقها). والمفهوم المركزي في هذا الحقل هو الاستلاب، مفهوماً بطريقة خاصة –أنظر أعلاه (7) ولعل أهمية اللجوء الى الطريقة العلم- نفسية قد تراجعت في البحث التأصيلي لصالح استخدام أدوات التحليل السيميائية دون أن تختفي "وما كان ينبغي لها" وليس لأن البداية الزمنية لهذا الاتجاه بكامله بدأت في الحقل العلم- نفسي فحسب ولكن لأن طبيعة المشكلات المطروحة تحتم هذا النوع من التحليل فالمشكلة الأكثر تناولا هي على أية حال الاستلاب الثقافي ولعلاجها يجب بلا شك إعادة الاعتبار للثقافة الخاصة بتشريحها نظريا ومقارنتها بمثيلاتها لتبيان تميزها ولكن يجب من ناحية أخرى وبالعناية الفائقة نفسها "علاج" الآليات النفسية التي سببت ورافقت وتلت وثبتت ذلك الاستلاب المذكور. إحدى هذه الآليات هي "اجتياف وجهة النظر الغربية في المجتمع والثقافة العربيين التقليديين" أي اعتماد وجهة النظر تلك (التي تحتقر شأن الثقافة العربية كما هو معروف أو تعتبرها دون نظيرتها الغربية على أية حال) وترديدها والاقتناع بها على أنها وجهة النظر الخاصة. أما لماذا يتم هذا الاجتياف فهو وبكلمات إبن خلدون "لأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها" وبالتالي بكل شاراته وعاداته..وطبعا آرائه. إن قوة الغالب -أي الغرب هنا- يتم ربطها في أذهان المغلوبين ب "شاراته" وصفاته وآرائه واعتبار ذلك كلا واحدا بعضه يؤدي الى بعض رغم أن تلك "الصفات" قد لا يكون لها أدنى علاقة بقوته بالذات، والأمر لا يعدو ما يحدث في الفعل الشرطي لدى كلب بافلوف الذي ارتبط بذهنه الطعام بصوت الجرس فصار يسيل لعابه لسماع قرع ذلك الجرس رغم أنه لا طعام هناك ولا ما يحزنون!
2- العلوم الانسانية: ولقد آثرت هذا التعميم بسبب تداخل هذه العلوم وأخذها من بعضها كما هو معروف. الى الانتروبولوجيا البنيوية -ك. ل.شتراوس- يمكن أن نعزو الفكرة الهامة التي تزيل تقسيم الثقافات الى متقدمة ومتخلفة وتجعل من كل وحدة ثقافية بنية متكاملة بعض أنسقتها يدعم ويكمل البعض الآخر. هذه الفكرة تستند التأصيلية إليها ليس فقط في هجومها على وصمة التخلّف التي وصمت بها الثقافة العربية، بل وفي استنكارها المحق للإلغاء والتمزيق القمعي ل"أنسقة" كاملة من البنية الاجتماعية والثقافية العربية- الاسلامية فقط لأن تلك الأنسقة لا تتناسب مع أفكار نظرية استلابية غالبا ولا علاقة لها بالبنية الواقعية. مثلا: إجبار المرأة على خلع أو على وضع غطاء الرأس. في أفغانستان حبست المرأة في منزلها وفي أمكنة أخرى عريّ رأسها وفي الحالتين بالقوة. أما أن تترك لتعبر عن نفسها بنفسها كما يليق بالبشر الناضجين وأن تترك البنية الاجتماعية لتتطور بنفسها -بفعل قوى التغيير الداخلية لا القسر الخارجي- فهذا يحتاج الى شيء من احترام هذه البنية والتفكير من داخلها...
-أمامن السيمياء (أو السيميوطيقا) فقد استمدّت التأصيلية الكثير جدا من أدوات التحليل وخاصة عندما كان الأمر يدور حول الدراسة المقارنة للثقافتين العربية والغربية. وهنا يجب التخصيص، فعلم النحو (والنحو المقارن) قليل الجدوى فيما يخص حقل بحثنا ولكن كلا من علمي المعاني (سيمانطيقا) والسيمياء العملية (براكتيقا) جليل الفائدة وخاصة في إيضاح سر عدم التفاهم أوسوئه بين أبناء الثقافات المختلفة، فالأول يشرح لنا لماذا تؤدي الترجمة الحرفية الى سوء فهم إجباري في الكثير جدا من الحالات والثاني يشرح لنا كيف أن "الموقف الاتصالي" الواقعي مشحون بالخلفيات الثقافية وأن ما يقوله أحدنا ويعطيه من اشارات في موقف معين ليس طبيعيا على الاطلاق ولا مشترك بين البشر وقد يفهمه ابن ثقافة مختلفة بشكل معاكس تماما للمطلوب...
3 -الماركسية: ولعل المقصود هنا التحليل الماركسي في مجالي الاقتصاد والمجتمع والذي يساعد على فهم المصالح المادية المختلفة للطبقات ويعري الخلفيات المصلحية لتدخل الامبريالية في شؤون الشعوب ولتبعية "الكومبرادور" المحلي ويوضح من ثمة الحدود الممكنة لوطنية هذه الطبقة...
4 -العلوم الخاصة لفروع الثقافة بعمومها كالموسيقى والادب والثقافة العربية- الاسلامية خصوصا كعلم الفقه واصوله والكلام واللغة العربية.. إن البحث في هذه العلوم هو في الوقت نفسه منطلق وهدف للمشروع التأصيلي. ولنأخذ الموسيقى مثلا: إن اكتشاف أن كل مقامات الموسيقى الغربية يمكن اعتبارها تنويعات على مقامين اثنين فقط من مقامات الموسيقى العربية- "الشرقية" التي تشمل بالاضافة اليهما مقامات أخرى، هذا الاكتشاف يدفع الباحث التأصيلي الى الحفر في كنوز هذه الموسيقى الغنية ونبشها وبعثها و-وهو الأهم- إحيائها في آذان ونفوس أهلها (وليس ذلك عسيرا لأن تلك الآذان معتادة على الأنغام الأساسية لهذه الموسيقى، بل إن هذا الاعتياد هو أحد "روائز" الانتماء للثقافة المعنية) كيلا يهجروها الى موسيقى أخرى أقل غنى وثراء وأبعد عن تكوينهم الثقافي الأعمق (ولذلك فهم لن يتذوقوها ولو تظاهروا بذلك لأسباب استلابية). إذن فقد كان البحث منطلقا وأصبح هدفا! ولكن الهدف البعيد في هذا الحقل هو بناء نظرية ما يدعوه كاتبنا "منظومات اللغات الموازية" :"إن من الواجب بناء نظرية دقيقة تتناول دراسة منظومات ما أسميه: "اللغات الموازية" وعلاقاتها مع بعضها وقوانين تعقدها وتغيرها وأعني بمصطلح "اللغات الموازية" المنظومات الموازية للغة في مجتمع ما فالموسيقى العربية هي "لغة موازية" للغة العربية مثلا وبالمثل قد نجد لغة فن-تشكيلية موازية الخ. ومن واجب هذه النظرية أن تستنتج "قواعد" لهذه اللغات الموازية، وهذه القواعد ستستخدم "التأصيلية" كأرضية منطقية دقيقة تبنى عليها الأحكام و"النقد الثقافي التأصيلي". وبكلمات أخرى فهو مشروع اكتشاف البنية الداخلية للثقافة العربية.
نقد أولي أو: مخاطر ومزالق
إن المنزلق الحتمي لأي توصيف لبنية ثقافية ما هو إهمال رصد "لحظة الصيرورة" -لأن الوصف ساكن والموصوف متحرك- وإهمال حقيقة أن البنية بذاتها ليست حقيقة! بل تركيب ذهني تقريبي. والى هذا الحد فالمنزلق حتمي فعلا أي لا يمكن تجنبه ومن ثم فهو "ليس عيبا" وكل ما يتوجب على الباحث هو ألا ينسى هذه الحقيقة ويحرص على "التقاط صوره الفوتوغرافية" للبنية الاجتماعية في مراحل مختلفة ومقارنتها بعضها ببعض..! و أنا لا أريد هنا أن أتوسع في هذه المسألة النظرية التي شغلت البنيويين وناقديهم أكثر! وسأعتبرها واضحة بذاتها لأنطلق الى الجانب العملي من المسألة. فالمجتمع العربي يتعرض منذ حوالي القرنين الى "خضة" عنيفة والمتأمل لأنسقته الاقتصادية والايديولوجية والسياسية سيستنتج أنها تحولت من حالة بنية متماسكة (بغض النظر عن قوتها وضعفها) قبل هذه الخضة الى بنية مهلهلة بعض أجزائها لا يناسب بعضها الآخر. ولا شك أن هذه الكارثة هي جريمة تشخصها التأصيلية خير تشخيص عندما تصف القمع الذي مورس على البنية من خارجها...الخ ولكن ذلك لا يغير من حقيقة أن بعض هذه الأنسقة "الغريبة" قد أصبح من الرسوخ بحيث لا يمكن استئصاله دون قمع جديد وجروح جديدة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فكل أنسقة البنية تلك لم تعد منفصلة عن البنى الخارجية وخاصة النسق الاقتصادي، وهذا الواقع الجديد سيتطلب بلا شك تحديات بعضها ثقافي محض.
من التغيرات البنوية في هذا القرن الأخير التحول التدريجي -والذي ما زال في مرحلة الصيرورة- للوحدة الاجتماعية الاساسية من العائلة الكبيرة الى العائلة الصغيرة وفي حالات خاصة الى الفرد. وهذا يقتضي تحولا جذريا لنظام القيم وتغييرا موازيا في مجال انتاج الثقافة واستهلاكها. وإذا كان هذا التغيّر منسجما مع تغير الأنسقة الاقتصادية (التحول الرأسمالي) والسياسية (في حالات اللبرالية التي ما تزال استثناء) فلا أراه الا نهائيا، وهو يقتضي فيما أرى فهما للتأصيلية يجد فيه الفرد نفسه متمتعا بالحرية نفسها -على الأقل- التي يتمتع بها في المجتمع التقليدي في صورته الحالية.
-وأخيرا ما هي مداخل الايديولوجيا الى بحث كهذا وكيف يمكن سد تلك المداخل؟ فالمنزلق الايديولوجي لا محيص عنه في أية دعوة جديدة كهذه تبدأ بالسجال مع تيارات فكرية راسخة وذات مؤسسات أصبحت عريقة. وأعتقد أن عملية السجال هذه بحد ذاتها هي مناسبة أولى للتأدلج اللاواعي، المثال الذي لاحظته هو أن السجال مع الحداثيين أدى الى نوع من "الكف" نال من كل ما له علاقة بالتحديث، فكانت النتيجة تشييد جدار صيني بين عالمين أحدهما مظلوم تماما سمته تقليدي والآخر ظالم ومدّعٍ سمته تحديثي. إن النماذج الذهنية لا بد منها، هذا واضح، ولكنها تتحول أحيانا الى أصنام وتمنعنا من رؤية ما هو أهم منها وما هو مبرر قبولنا لها أصلا ، أعني الواقع المعقد و"غير الانموذجي".
وبعد
فإن التأصيلية ليست بفلسفة جديدة، إنها "صيحة في واد" -بتعبير للكواكبي في سياق مشابه-، ولكنّه ليس بالوادي الخالي كما كان الأمر أيام الكواكبي، ولذلك فالأمل كبير بأن نسمع الصدى، منبعثا لا من سفوحه بل من حناجر أهله.

هوامش

(1) هذا المقال كتب كتقديم لكتاب "نحو ثقافة تأصيلية"-البيان التأصيلي تأليف محمد شاويش الذي صدر حديثاً عن دار نينوى-دمشق والدار العربية للعلوم –ناشرون-بيروت.
(2) راجع مثلاً كتاب "إصلاح أم ثورة" وهو كتاب كان ذات يوم شهيراً كتبته روزا لوكسمبرغ لتدحض كاوتسكي والإصلاحيين في الاشتراكية الديمقراطية الألمانية
(3) ولو بقيت أكثرية صامتة لظل ثقلها أخلاقياً لا سياسياً وهو الحال للأسف مع الأغلبية العربية الفقيرة
(4) الدولة الألمانية الحالية تسمي نفسها sozialstaat وهو ما يمكن ترجمته بدولة تضامن اجتماعي
(5) محمود شاكر-مقدمة كتاب "المتنبي" ص34-35
(6) سبب الأقواس لا يكمن فقط في عدم دقة التسمية وإنما في أنها "مزحة" تاريخية أن تكون الظاهرة عربية ويسميها عربي (أنور عبد الملك) باسم أجنبي مأخوذ من تاريخ غربي ثم يتم تبني الترجمة العربية لهذا الاسم من قبل العرب!
راجع لمتابعة معاني الاستلاب ومظاهره كتاب "الحب والاستلاب"،دراسة في التحليل النفسي للشخصية المستلبة" ،دار الكنوز الأدبية ،بيروت1995 وهي دراسة لكاتبنا شارك فيها كاتب هذه المقالة. وفي هذا الكتاب شرح للفرق في منهج البحث وموضوعه..بين الطريقة المتبعة هنا وكل من طريقة فرويد وطرق التجريبيين




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home