مقال

 

شاعرانسان ... في قناة العربية!

نجاح محمد علي



شاعرانسان ... في قناة العربية!

 

هموم الأرض والانسان في شعر حسن عرب

 

 

 دبي نجاح محمد علي

لقد كانت الصدفة، والصدفة وحدها هي التي جمعتني بزميلي الشاعر الفلسطيني حسن عرب، الذي يعمل معي في قناة العربية، وفوجئت بأنه لم يهتم يوماً بنشر قصائده، فلهذا لم يعرفه أحد، وبقي يكتب الشعر لنفسه وللمقربين منه، كهواية أحبها ليس إلا.

فوجئت بروعة التصوير في شعره، وقد قرأ لي شيئاً منه، ولولا أن الصدفة أيضاً هي التي دعتنا إلى الحديث عن الشعر، لبقي هذا الشاعر مجهولاً بالنسبة لي، ولكثير من القراء الذين يقرأون هذا المقال الآن.

 

لن أطيل عليكم، وسأعرض نماذج من شعره، ال تي اطلعني عليه ا بعد إلحاح مني، فكانت هذه المفاجأة، التي ستصيبكم أنتم أيضا بالدهشة والإعجاب.

 

من كتاب له لم ينشر بعد سمَّاه ( أشياء لا تفهمها الأرض) يقع في نحو 165 صفحة، وهو كله قصة شعرية واحدة، يطفو فيها صراع الإنسان على هذا الكوكب، منذ عهد آدم إلى الآن، قصيدة ذات نكهة غريبة، وطقوس ساحرة، اخترت لكم منها هذه المقطوعات:

يقول الشاعر حسن عرب في أحد فصول قصيدته، ويتحدث فيها عن قصة الطوفان، ونقل جثة آدم إلى السفينة:

اخفِها عن أعين الفانين عمراً

هذه الروحُ على الياقوتِ تغفو

رعشَ البردُ عليها في المساءْ

واستفاقتْ عندما

أطفَأَ الشيطانُ قداسَ الشتاءْ

فاصطفي يا نوح

واسكبي

من رغوةِ الإيمانِ يا سماءْ

وتبدي ملامح القصيدة، عشق الشاعر حسن، لقصص التراث، والقصص الديني على وجه الخصوص . يقول في مناجاة لقمان للرياح، بعد أن ينجيه الله من كيد ملك الجان، الذي يمثل دور الشر في القصيدة:

ويهدأُ لقمانُ

يناجي

يهمسُ للريح:

إلهي

يمنحُ ألوانَ الذهب القدسي حصاداً

في القلبِ الخائفِ كالمصباح

حين تهبُّ إرادته فوق الأكوان

تتغشى مثل ضياء الصبحْ

قلبَ الإنسان المثمر

أو سنبلةَ القمحْ

فتردُّ الريح:

حلِّق يا لقمان

حفيفُ جناحك ضمَّخَ أنفاس الشاطئ بالطيب

واتلُ صلاتَكَ قربَ الموج

لتبعث في المرجان حياةْ

واكتب كلماتِ الحكمةِ في جبهةِ

كوكبنا المشكاةْ

وفي صراع بين العقل والقلب، بين حكمة الإنسان المتمثلة في سقراط، وبين العشق:

 


هذا سقراط

يشاهد عند العصر سباقَ الخيل

ينظرُ فوق السحر وتحت الخيلاء

فيرى بين الحشدِ أميرة

تمتدُّ جدائِلُها تتفرَّعُ كالريح

  على الأسوار

      لتعانق اذيالَ الخيل

رفعتْ يدها

ألقتْ منديلاً كالليلِ

        على المضمار

             وجرى السيل

كان الذهبُ المالحُ

كالمرآةْ

يداعب حسناوات الصيف

وتعالتْ صيحاتُ الناس

وعلى الضفّة سقراط

يغفو .... في يده السيف

وفي الأخرى المنديلْ


والقصة هي عبارة عن سيمفونية رائعة، ولا غنى للقارئ عن قراءتها كاملة، فذلك الإحساس لا يمكن الوصول إليه، إلا إذا تسلسلت في القصة، صفحة بصفحة، فحينها تحس بالرحلة عبر الزمن، من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، وهذه المقاطع وإن كانت تعطي فكرة عن النكهة التي كتبت بها هذه القصيدة، إلا انها ليست كافية للولوج إلى أعماق جو القصيدة، ولتعذر نشر هذه القصيدة كاملة، ولأكون منصفاً، فسوف أختار لكم أيضاً هذه الأجزاء:

يقول الشاعر حسن في ظهور الجنية، التي تمثل الشر والإغواء لأفراد القبيلة:

وتظهر الجنيّةْ

تلبسُ   الوانَ الضباب كالحريرْ

تداعبُ الأدمغةَ الإنسيّةْ

وتنفث الاخيلة الشعريّةْ

        تمتطي السحابَ والشعورْ

تهيء الاغواءَ للكهولِ قبل موتهم

بلمسةٍ سحريةْ

يبدون حالمين

يغرقون في التهافت الجريء والمصيرْ

 

وهذة الجنية الجميلةْ

   حين تريد ان تعاقب القبيلةْ

تسجد للنجوم والكواكب

و ترسمُ الوشمَ على الوجوه

       وتصنعُ الأقنعةَ الثقيلة

وتقرعُ الطبولَ بالاغصانْ

     معلنةً سذاجة الانسانْ

وقصة هذه الجنية، تسيطر على جزء كبير من هذه القصيدة الرائعة، وقد أبدع الشاعر في تصويرها، إلى درجة أنك تتخيل الصور أمامك، يسحبك رويدا رويدا إلى داخل الأحداث، لتصبح جزءاً منها، ولا تملك إلا أن تتابع وتقرأ القصة كاملة، وكأنك تخرج من حلم إلى آخر، لقد ولجت هذه الجنية، إلى جسد إبنة زعيم القبيلة الجميلة الطيبة، فامتزج الخير مع الشر، ولعمري فإن تصوير الشاعر لمشهد الفتاة، وهي تمشي مترنحة متثاقلة، من وطأة روح الجنية التي بداخلها، لهو مدرسة شعرية بحد ذاتها، إنه مونوج رائع ساحر، في عالم أسطوري مرعب وحزين في آن واحد، فهو يقول:

وتغفو النجومُ

فتسري فتاةُ القبيلةِ

تحت ستارِ الظلام

تجرُّ الجناحَ على الطين

وتلقي بأثقالها كالولادةْ

على كومةِ العشب تهوي

وتستشعرُ الهمس في الليل

تحلم ...  ويرتعش الريشْ

ويطفو التثاؤبُ

كالمسكِ عند الضحى

ويظهر خوفُ الكواكب في شفةِ الشمسِ

تلثمُ سحرَ القلادةْ

فتلوي جدائِلَها كالأفاعي

وتهصر في العشب اوتارها

وتغدو التلالُ وسادةْ

لشيطانةٍ تستريحْ

ويهتزُّ من فوقها العشبُ خوفاً

وَنَتَّهِمُ الريحْ

إن معالجة الشاعر للقصة والأسطورة، له سحر خاص، لم أشاهده من قبل، اقرأوا معي الآن هذا المقطع، الذي يتحدث فيه الشاعر على لسان ملك الجان، عن موسى الطفل في قصر فرعون، فهو من أجمل المقاطع:


كنتُ أراقب  يوماً  موسى

وأراه يعبث في الحوض

يلقي بسفينتة الورقية في الماءْ

أمسَكَ بالدفَّة

لفَّ حبالَ نجاةٍ حول الخصرِ

وأبحَرَ

لكنْ حين رآني الماءُ

انقلبَ الحوض

فصاح   الفرعونْ

موسى الطفل أذلَّ البحرْ

وضحك الكونْ

وخلاصة القول ان هذا الشعر له شفافية ونكهة وروح، لا نجدها في أشعار الكثير من شعراء الحداثة الكبار، ففيها امتزاج خاص بين أجزائه وصوره، وتكثيف للمكان والزمان، برهافة شاعرية تشد القارئ وتسيطر عليه، وليعذرني القراء فالقصيدة طويلة جداً، اكتفيت منها بهذه العجالة، وأنتظر معكم صدور هذا الديوان الرائع، وأتمنى من الشاعر حسن عرب أن لا يبخل علينا، وأن يشاركنا إبداعاته الجميلة دائما.

 واختتم كلامي بمقطع جميل على لسان العرافة، ويحمل هذا المقطع نبوءة بالقادم الجديد، الذي سيهزم أقطاب الشر، تحس وأنت تقرؤه بروعةٍ خاصة، وموسيقى داخلية تفوق الوصف:

 يولدُ في خيوطِ العنكبوتْ

في غفلةِ الشموس يهتدي الصغير 

يهشِّم الألواحَ والدسور

في جسد التابوتْ

وينبش الأيام والدهور

فيكشف السرَّ لأهل الأرضِ

قبل أن يموتْ

وتسكن الضوضاءُ عن ساكنةِ القبور 

ديوان حسن عرب

وقدم للديوان زميلنا الأديب المبدع والشاعر الجميل الاستاذ حسن فراّج وكتب:

     لأول وهلة ، حين قدم لي صديقي الشاعر " حسن عرب " ديوانه ، نظرت إليه نظرة المتجول في  الأسواق ، ينظر إلى دكاكينها دون تفحص لمحتواها ، ويقيني أنها بضاعة استهلاكية وقتية .. ولكن ما إن قرأت أول قصيدة حتى شدتني إلى الأخرى والتي تليها وقد أكملت الديوان ، وأنا في شغف إلى المزيد من تلك القصائد .. قصائد تمتلك في لغتها وفي شكلها ومحتواها .. أي في بنيتها الذاتية والفنية روح العالمية ، والقدرة على الإخصاب في حقول اللغات الأخرى .. بذات الرسالة الإبداعية ، والدلالات والصور والمعاني والإيحاءات والمشاعر ، إنها قصائد قابلة للطواف اللغوي ..

        فأسرار البلاغة والنحو وحدها ـ حسب تقديري ـ ليست كافية لتحليل تلك النصوص ، والتي تعتبر بحق حداثة مقيدة بفكرة وأسلوب متميز ، لم تعد قادرة على أن تعمل كما يجب على تأطير الانزياحات التي تجترحها تلك النصوص الشعرية ، وما تكتنز به من أساطير وتصوف وأيدولوجيا وفلسفة .

      وقدسعى " حسن عرب "  في قصائده إلى تحديث الشعر العربي بالدعوة إلى التعبير عن الوجدان الفردي بقوة .. وبالسعي إلى تأصيل مفهوم جديد للشعر العربي متأثرا بالمفهوم الرومانسي الغربي .. إنها بالفعل حداثة الأسلوب والفكرة .. في حالة فردية تؤسس لمدرسة أدبية فريدة وجديدة تعتمد القصيدة الواحدة بأفكار متعددة .

        فلهذه النصوص تقاليد خاصة وطقوس غريبة .. قررت أن لا أغوص فيها .. وقد لا أتقن فن العوم .. بل سأمخر إلى العباب علني آتي بحفنة رمل أو محارة , تاركاً لغيري تأطير هذا القالب ليرتكز على أرض صلبة دون أن ينكسر ..




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home