دراسات هامة

 

العرب والغرب: من شكلية الاستقلال الى شرعية الاحتلال

نضير الخزرجي



العرب والغرب: من شكلية الاستقلال الى شرعية الاحتلال

نضير الخزرجي*

لا تختلف مفردة العرب عن الغرب من حيث التفعيلة، ولكن البون شاسع من حيث تفعيل مفردات الحضارة وسط كل أمّة من الأمتين، فحيث نامت المجتمعات العربية على وسادة الجهل والتخلف تحت تأثير حبوب الاستبداد، أو سياط الجلاد، انتفضت اوروبا من رقدتها، فأخذت بمبادئ الحرية والشورى والديمقراطية والتعددية الحزبية، فانطلقت في عالم الرقي المدني والانتعاش الاقتصادي، لتخرج من حدود عالمها الى العالم العربي والاسلامي واضعة يدها على الامبراطورية العثمانية التي كانت تتهاوى تحت معول الجهل والاستبداد، لتسجل مع سقوط الامبراطورية العثمانية بداية النهاية للحروب الصليبية، وتركيز وتد قيمومتها في أرض المجتمعات العربية والاسلامية وتقسيمها وفق مصالحها، وتشكيل الحكومات هنا وهناك طبق سياقاتها وبرامجها في المنطقة، وتوظيف نتائجها لصالح الغرب واقتصاده وهيمنته الثقافية.
هذه الاطلالة تحكي مجمل الفصول السبعة من كتاب (العرب والغرب من شكلية الاستقلال الى شرعية الاحتلال)، للكاتبين العراقيين الدكتور عبد السلام الخزرجي وعقيلته الدكتورة رضية حسين الخزرجي، الذي صدر عن مؤسسة البلاغ في بيروت، في 520 صفحة من القطع الوزيري.
يتطرق الباحثان في الفصل الأول وتحت عنوان "الدوافع والأهداف الاستراتيجية للحملات الصليبية"، الى دوافع وأهداف الحملات الصليبية، ومقدمات الصراع الاسلامي المسيحي قبل الحملات الصليبية، وموقع فلسطين من محور الحملات ودور الكنيسة البابوية في هذه الحروب، والدوافع السياسية والدينية والتجارية، وبيان خطورة المفاهيم الصليبة على العلاقات العربية الغربية. وبيان قدرة القادة الغربيين على تطويع الدين واستخدامه استخداما ناجحا لتمرير سياساتهم الداخلية والخارجية، وبخاصة قادة الكنيسة، وكان من نتائج المعالجات الدبلوماسية البابوية وتحركها على جميع الاطراف الغربية آنذاك، انها: "نجحت في وضع الأسس الفكرية المشتركة للأطراف المسيحية جميعها سواء كانت دينية أو سياسية، أو كانت في شرق الأرض او غربها، وبذلك حققت أهدافها في غرس مفاهيم الدفاع عن المسيحية لدى كافة الاطراف المسيحية سواء من خلال الدفاع عن وجودهم المنهجي الديني أو الدفاع عن وجودهم السياسي".
وخلاصة الامر: "ان الحملات الصليبية هي نتاج سياسة اوربية قد ساهمت في صناعتها قوى الكنيسة وقوى الاقتصاد وقوى السياسة الاوربية آنذاك، صنعتها لتحقيق اهداف استراتيجية تخدم مصالح هذه الاطراف الثلاثة"، وهذه الحملات كما يقرر الكاتبان لها امتدادات في العالم العربي حتى يومنا هذا ولكن بمسميات اخرى، وأشهرها مكافحة الارهاب والتطرف.
ويسلط الكتاب في الفصل الثاني تحت عنوان "السلطة العثمانية والهوية الثقافية للأمة" الضوء على تاريخ الامبراطورية العثمانية، وما أصابها من ضعف واختراقات ثقافية وعسكرية من الغرب، ودور الماسونية في المساهمة في اسقاطها، والدور الذي لعبه حزب الاتحاد والترقي بعامة، والزعيم التركي مصطفى اتاتورك بخاصة، في ازاحة الاسلام عن الساحة السياسية وفك الارتباط بين تركيا واللغة العربية.
 وينتقد الباحثان الاتجاه القومي الذي استعار المفاهيم الغربية في فك الارتباط مع الدين والدخول في صراع غير مجدي مع الاسلام، كما فعلت اوربا مع الكنيسة، وقد وجدا ان الدين على العكس هو احد القواعد والاساسات الفكرية للعرب والمسلمين على خلاف الغرب.
 وفي مقابل النزعة القومية في تركيا كانت هناك نزعة قبلية في الجزيرة العربية، اذ: "تمكن اتاتورك من اقصاء الفكر الاسلامي السياسي من الساحة السياسية العثمانية او التركية" في المقابل: "تمكن السعوديون رغم ايديولوجيتهم الدينية من اقصاء الفكر السياسي الاسلامي العام من الساحة السياسية العربية لصالح الفكر القبلي المتحالف مع الوهابية" وبتعبير آخر: "ان السعودية تحت ضغط الظروف السياسية السائدة آنذاك اقليميا وعالميا وتحت تأثير تدخل اوربي في هذا الشأن قد تحركت لصالح الفكر القبلي المتحالف مع الفكر الوهابي على حساب الفكر الديني بصيغته الواسعة وعملت على اقصائه من الساحة السياسية". وينتهي الباحثان ضمن استنتاجاتهما الى التأكيد بأن: "الاتجاه القومي هو نزعة سياسية اوربية مصدرة الى المسلمين لأغراض اوربية، تهدف الى التفرقة بين القوميات الاسلامية واستنزافها فكريا وسياسيا"، وكانت هذه النزعة واحدة من ادوات ضرب الامة الاسلامية ولا زالت.
ويغطي الفصل الثالث "الأحداث العالمية وتنظيم العرب سياسيا 1882-1926"، اي من العام الذي شهد تحرير جماعة بيلو (Bilu) الصهيونية رسالة الى يهود العالم داعية اياهم شد الرحال الى القدس المحتلة، الى العام الذي شهد بدايات تأسيس المملكة العربية السعودية، حيث تخلل العقود الاربعة نشوء منظمات قومية انفصالية واحتلال غربي للعالمين العربي والاسلامي، وتكثيف النشاطات السياسية للأسرتين السعودية والهاشمية. ويرى الباحثان ان الاصطفافات السياسية والعسكرية لهاتين الاسرتين اثناء الحرب العالمية الاولى ساهم في اسقاط الامبراطورية العثمانية وانتعاش الحلم الصهيوني بدولة اسرائيل في فلسطين. ويعتقد الباحثان: "ان اخراج الهاشميين من أرض الجزيرة لصالح الاسرة السعودية وتعويضهم سياسيا بارض العراق وارض الاردن لم يكن الهدف منه اوربيا هو حسم الصراع السياسي الاسري بين الاسرتين العربيتين العريقتين فقط، بل كان الهدف الاساسي منه هو نقل الصراع الاسري الهاشمي السعودي الى صراع فكري بين التيار القومي والتيار الاسلامي في ساحة الهلال الخصيب وذلك لغرض تعميق الصراع بين البعدين القومي والاسلامي للامة العربية على الساحة السياسية العربي الأعم".
ويتناول الفصل الرابع "الأرث السياسي وهيكلية النظام العربي"، مستعرضا ومحللاً الوضع السياسي العام في العالمين العربي والاسلامي، حيث شمل القسم الأول منه قراءة وضع الدولة العثمانية وسقوطها، وشمل القسم الثاني منه قراءة الوضع السياسي في المنطقة حتى الحرب العربية الاسرائيلية في العام 1973. وتناول الباحثان في القسم الأول وبالتفصيل الارهاصات الاولى لسطوع نجم الأسرة الملكية السعودية في الجزيرة العربية، وبزوغ نجم الأسرة الملكية الهاشمية في الجزيرة ثم في الشام والعراق، والصراع بينهما، كما تناولا في الشطر الثاني من الفصل بيان حركة القوميين العرب في العهد العثماني وبعده حتى نشوب حرب 1973م.
 ويقدم الكتاب وثائق تاريخية تكشف حجم التعاون بين بعض اقطاب الحركة القومية العربية والحركة الصهيونية والتي مهدت لقيام دولة اسرائيل، من ذلك قيام الأمير فيصل (1885-1933م) بعقد اتفاقية مع زعيم الحركة الصهيونية حايم وايزمان (1877-1952م) في الثالث من شهر كانون الثاني يناير العام 1919م، خلال مؤتمر السلام المنعقد في باريس، وبعد ذلك كتب في الثالث من اذار مارس من العام نفسه، رسالة الى الحركة الصهيونية، يؤكد فيها: "نحن العرب، خاصة المثقفين منا، ننظر بمشاعر عميقة الى الحركة الصهيونية، نحن نتمنى لليهود الاقامة في الوطن والترحيب بهم من القلب ... نحن سنعمل سوية من اجل تحديث وتنقية الشرق الأوسط، وان حركتنا تكمل احداها الآخر، وهي حركة وطنية وليست امبريالية، وهناك مجال وسعة في سوريا لكلا الحركتين. في الحقيقة، انا ارى بأن لا يمكن لاحدنا ان ينجح بدون الآخر".
ويميل الباحثان الى ان الحروب العربية الاسرائيلية، قوضت المفاهيم العلمانية للقومية العربية وايقظت في الناس الاسلام بوصفه العنصر القوي الموحد للقومية العربية وسائر الأقوام المسلمة في العالمين العربي والاسلامي، كما ان المبادئ الاسلامية اضافت الى العرب: "ثقافة جديدة قد ازاحت تلك السلبيات التي تفرزها ثقافة العرب قبل الاسلام واضافت خزينا ثريا للثقافة العربية قد وسع من حدودها الضيقة وعمّق من مفاهيمها المحدودة والمقتصرة على الشعر والأدب واللغة، ولذا فقد نقلت ثقافة الاسلام الثقافة العربية الى مستويات عليا بعد ان كانت ثقافة ضيقة ومنعزلة محدودة قياسا بالثقافات المجاورة لها كالثقافة الفارسية في ايران والعراق والثقافة الرومانية والبيزنطينية في الهلال الخصيب وآسيا الصغرى وشمال افريقيا".
ويوضح الباحثان في الفصل الخامس معالم "التوظيف السياسي الاوربي للصراع الهاشمي السعودي"، فيبحثان في الاستراتيجية البريطانية في المنطقة واخراج الهاشميين من الجزيرة العربية وتفرد العائلة السعودية بحكم الجزيرة، ودور الغرب في الاستحواذ على المنطقة لتمرير سياساته. ومن رأي الباحثين ان الحرب العراقية الايرانية (1980-1988م) كانت في أحد أوجهها تشجيعا غربيا مقصوداً: "لغرض التخلص من الخطرين الأساسيين وهما الخطر الاسلامي المتمثل بايران والخطر القومي المتمثل بالعراق". ومن رأيهما ان سياسة اميركا في افغانستان من خلال: "توظيف الفكر الوهابي توظيفا عسكريا لأغراض سياسية تخدم المصالح الامريكية بحكم التناقض المبدئي بين الاسلام وبين الفكر الشيوعي في بعض جوانبه"، ساهم في خروج الوهابية من ارض الجزيرة، وتهديد المصالح الغربية نفسها، وخلق بؤرة صراع ونزاع: "بين الفكر السياسي الوهابي بقيادته الجديدة من جهة وبين النظام السياسي السعودي (الحليف السابق للفكر الوهابي طيلة القرنين الاخيرين) من جهة اخرى".
ويتناول الكتاب في الفصل السادس "التوظيف السياسي الغربي للأحداث الأقليمية" قبل حرب 1973 وبعدها حتى العام 2003م الذي شهد انهيار حكم الرئيس العراقي المعدوم صدام حسين (1937-2006م)، وبخاصة توظيفهم للعوامل الاقليمية لنشر العلمانية المجردة عن الدين، وفرض الحكومات العسكرية، ويعتقد الباحثان ان قيام الثورة الاسلامية في ايران في العام 1979: "أعاد البعد الاسلامي الى الساحة السياسية في العالم الاسلامي بعد غياب دام سبعة عقود (منذ سقوط الامبراطورية العثمانية)، وبعودته قد انتفض البعد الاسلامي للهوية الثقافية العربية من سباته بعد غياب مماثل، ليأخذ دوره النضالي في الساحة السياسية العربية والاسلامية"، ولهذا فان حرب الخليج الاولى 1980: "قد شكل البداية والمنطلق الأول في حرب معلنة او غير معلنة ضد الاسلام من قبل أقوام متنوعة بضمنهم عرب ومن أديان مختلفة من بينهم منتمين للاسلام ومن نظم سياسية متناقضة فلسفيا بضمنها نظم عربية قطرية وقومية ونظم عربية محافظة وراديكالية، ومن جغرافيات مختلفة تفترش أرض الشرق وأرض الغرب وبضمنها أرض العرب والاسلام". وهذا الاصطفاف رغم التناقضات الفلسفية للبلدان يهدف الى: "اسكات الصوت الاسلامي سياسيا بعد انطلاقته من سباته الذي دام سبعة عقود"، ويؤكد الباحثان ان غزو الكويت في العام 1990 ساهم في انتعاش المشروع الصهيوني في فلسطين، من خلال الحشد الغربي في المنطقة الذي ساهم نظام صدام في تحقيقه.
ويقدم الباحثان في الفصل السابع والأخير رؤيتهما "نحو استراتيجية عربية للتصحيح والمعالجة السياسية" للوقوف امام الاضرار التي خلقتها الاستراتيجية الاوروبية اولا والاميركية ثانيا وخلفتها في المنطقة، فيضعان خطوطا عريضة ومقترحات لهيكلة النظام العربي، فيدعوان الى بناء جسور الثقة بين العرب واوربا بشكل متزامن مع رفض اوربي متوقع للسياسة الاميركية، كما يدعوان الى تنشيط دور رجال الدين المسلمين في طرح الثقافة الاسلامية في صيغتها التسامحية مع الأديان الاخرى، ويدعوان الى تطبيق المنهج الديمقراطي في العالم العربي على ان لا يمس هذا التطبيق اصل الشرع والدين.
والكتاب في حقيقته هو حلقة من سلسلة كتب ضمن مشروع ثقافي نهضوي يعمل الكاتبان الأكاديميان على بيان أسسه ومرتكزاته، شرعا فيه بتحرير كتاب (السياسة التربوية في الوطن العربي: الواقع والمستقبل) الذي صدر في العام 2000، وهناك كتب ثلاثة في اطار المشروع المعرفي والنهضوي نفسه تنتظر رؤية النور قريبا.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
alrayalakhar@hotmail.com




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home