مقال

 

الدولة الفلسطينية في السياسة والايدولوجيا الأمريكية

زياد اللهاليه



 
الدولة الفلسطينية في السياسة والايدولوجيا الأمريكية

بقلم زياد اللهاليه

 

zead67lh@maktoob.com

دخلت القضية الفلسطينية عقدها الثامن من الصراع والنضال بكافة أشكاله من اجل التحرير والحصول على الحرية والاستقلال  وقد قدمت على هذا المذبح عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين  ولكن القضية الفلسطينية من أكثر القضايا العالمية تعقيدا وتشابكا من حيث نوعية الاحتلال والصراع الديني والأيدلوجي  والثقافي والتاريخي مما أعطاها بعدا مختلفا عن كل القضايا الشائكة في العالم وهو البعد الديني والأيدلوجي حيث تعتبر الحركة الصهيونية فلسطين الوطن القومي لهم  وان القدس أقيمة علي أنقاض جبل الهيكل وتطالب وتعمل على جلب اليهود المقيمين في العالم وتلتقي معهم في هذا الفهم والطرح والمعتقد المسيحيين البروتستانت او (( الأصولية الإنجيلية ))  والصهيونية المسيحية ولكي ندرك أبعاد هذا التحالف وخلفياتة وأسبابه وتطوره ومكوناته لا بد من قرائه تاريخية لهذه الحركات

·        البروتستانت

وتعود نشأة هذا التيار الديني البروتستانت او (( الأصولية الإنجيلية )) الى القرن السادس عشر على يد عالم اللاهوت الالماني مارتن لوثر حينما قاد حملت الإصلاح داخل الكنيسة الكاثوليكية التي كانت متخمة بالفساد وبيع صكوك الغفران مما جعله يحس بالغبن وطالب بالحد من صلاحيات الكرسي البابوي مما دعي الكنيسة الى طردة من الكنيسة وحكمة علية بالهرطقة وعقوبتها الحرق امام الملأ مما اجبره على  العمل في السر ويتجه باتجاه اليهود الذين كان لهم تأثير في المجتمع عن طريق التاكيد ان مذهبة يعيد الاعتبار لليهود من ازدراء الكنيسة الكاثوليكية لهم وتحميلهم مسئولية دم وصلب المسيح وقد  أصدر كتابه "عيسى ولد يهوديا" وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد , وعمل على تهويد المسيحية وأصر على اعتماد التوراة العبرانية بدلا عن كتاب "العهد الجديد".وتقوم المسيحية اليهودية على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله ولكن عندما لم يساعده اليهود وضع كتاب اسماه اليهود وأكاذيبهم وتخلا عن الكثير مما طرحة

·        الصهيونية المسيحية

 فهي تقوم على نظرية الهلاك الحتمي لليهود. وهناك الكثير من الدراسات اللاهوتية في هذا المجال خلاصتها أن هلاك يهود الأرض قدر محتوم وضرورة للخلاص من "إرث الدم" الذي حمله اليهود على أكتافهم بعدما صلبوا المسيح وهم سيتحولون إلى المسيحية بعد عودته ولن يبقى شيء اسمه اليهود
ويؤمن أتباع هذا المذهب أن هناك ثلاثة إشارات إلهية يجب أن تتحقق قبل أن يعود المسيح إلى الأرض ويتفق معهم فى هذا الطرح البروتستانت، وهي: قيام دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وامتلاك مدينة القدس، وإعادة بناء هيكل سليمان، وأنه بعد تحقق تلك الإشارات فإن معركة هرمجدون، وهي معركة يعتقد الإنجيليون أنها ستقع في سهل مجدون (القدس وعكا) وأن التنبؤ بها ورد في أسفار حزقيال ويوحنا ويوشع وهي تقول: إن قوات الكفار سوف تدمر فيها، وإن المسيح سوف يظهر فوق أرض المعركة ويرفع بالجسد المؤمنين به ويخلصهم من الدمار ومن ثم يحكم العالم مدة ألف عام حتى تقوم الساعة.
ووفقًا لهذه العقيدة الدينية فإن الإنجيليين يعتبرون أن دعم قيام إسرائيل واجب شرعي مسيحي، وكذلك دعم توسعها والاعتراف بالقدس عاصمة لها، وكذلك تمويل الاستيطان اليهودي في الأرض المحتلة، بل أكثر من هذا فإن عليهم دعم المخططات الرامية إلى هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان ويرى بعض المحافضون "أن التراث التاريخي والثقافي الأميركي قائم على التراث اليهودي المسيحي Judeo- Christian ما يوضح لماذا يتخذ المواطن الأميركي العادي مواقف مؤيدة لإسرائيل

.وقد انتشرت هذه المجموعات الدينية والبروتستانتية في أوروبا والولايات المتحدة خاصة وأصبحت ذات نفوذ سياسي واقتصادي وأعلامي ومالي بل وتتحكم في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وذلك عبر نفوذها وسيطرتها على مجلسي الشيوخ والكونجرس حيث يشكل الكاثوليك ما نسبته 28.8% من الكونغرس بمجلسيه، أما المجموعات المسيحية المنضوية تحت المسيحية البروتستانتية فإنها تشكل ما تزيد نسبته عن 35% وأهم المجموعات البروتستانتية في الكونغرس طوائف معروفة كالمعمدانيين والأسقفيين والنظاميين، كما أن الكنيسة الإنجيلية تشكل ما يقرب من 8% من أعضاء الكونغرس في حين يحتل اليهود 7%. مع ان نسبة اليهود لا تزيد عن 2% من عدد السكان الكلي "وتتضاعف قوة الصهيونية المسيحية في السياسة الأميركية بواسطة مجموعات المصالح الخاصة الأخرى مثل مجموعات المحافظين الجدد ومجموعات الضغط الصهيونية اليهودية وهذا يطرح السؤال التالي

 

 ما هو دور الدين في حياة الفرد والمجتمع الأميركي ؟؟
تثير موجة التدين المتصاعدة منذ السبعينيات وبروز دور الدين في أميركا قضايا خلافية وانقسامات تجعل المواطن الأميركي في حالة استقطاب دائم وتشير نتائج استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة إلى أن معظم الأميركيين يعتبرون أنفسهم مؤمنين ومتدينين، ففي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب Gallup في منتصف التسعينيات أعرب 96% من عينة الدراسة عن إيمانهم بالله، كما أن 71% قالوا إنهم منتمون إلى كنيسة أو معبد يهودي، كما أكد 45% من العينة أنهم يمارسون العبادات والطقوس بصورة منتظمة. ما يزيد عن 56% من الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم بروتستانت، بينما 27 % يعتبرون انفسهم كاثوليكا و2% يهود.

 

وتلفت الانتباه زيادة معدلات نمو الكنائس الإنجيلية Evangelicals من حيث زيادة عدد أعضائها وزيادة نفوذها وتأثيرها في المجتمع والسياسة الأميركية، (30% بروتستانت بيض أنجيليون محافظون طبقا لإحصاء غالوب 2003 مقابل 20% من البروتستانت الليبراليين العلمانيين). وتشير بعض الإحصائيات ان عدد البروتستانت في الولايات المتحدة حوالي 77 مليون نسمة باستثناء المسيحية الصهيونية وهذه الجماعات تمتلك من الامكانيات والوسائل ما يجعلها تهيمن على السياسة الامريكية الخارجية والداخلية حيث تمتلك هذه الاتجاهات في أمريكا العديد من قنوات التليفزيون -حوالي 1400 محطة تليفزيون وإذاعة مثل فوكس نيوز، وحوالي 4000 مقدم برامج، والعديد من الصحف ووكالات الأنباء، بل ومنهم العديد من الشخصيات الأمريكية البارزة، كان منهم الرئيس ريجان والقس سيجوارت والقس فالويل والقس بات وبوش الأب والابن ورامسفيلد وغيرهم من المحافظين الجدد , وأيضا المؤسسات التابعة للكنائس الإنجيلية التي تؤمن بالمسيحية الصهيونية يدّلنا إلى أي مدى وصل نفوذهم المالي السياسي والإعلامي في أمريكا، فهناك -على سبيل المثال لا الحصر- المصرف الأمريكي المسيحي من أجل إسرائيل، مؤتمر القيادة الوطنية المسيحية من أجل إسرائيل، منظمة جبل المعبد. وتبلغ هذه المنظمات في أمريكا عمومًا حوالي 250 منظمة تدير آلاف المصارف والصحف والمؤسسات المالية والإعلامية. وتبشر هذه المنظمات المسيحية بالعديد من المفاهيم داخل أمريكا وخارجها وهذا يدلل علي دور الدين في حياة الفرد والمجتمع الامريكي وهذا ما اشرنا الية في استطلاع غالوب حيث ان 96% يؤمنون بالله كما يؤمن معظم الأميركيين بالوقائع والمعجزات الدينية والتاريخية المذكورة في الكتاب المقدس، مثل قصة الخلق وطوفان نوح وشق موسى البحر بعصاه ومعجزات السيد المسيح وغيرها بصورة حرفية. ويضاف إلى ذلك الإيمان بعودة المسيح ومعارك آخر الزمان خاصة عند الطائفة الإنجيلية. كما يعتقد معظم الأميركيين في الغيبيات والجنة والنار والأرواح الشريرة وغيرها. ولا يزال الدين في اعتقاد وسلوك معظم الأميركيين شأنا شخصيا لا يتجاوز قناعات الفرد وطريقة معيشته. وذلك نظرا للتوازن الكائن في المجتمع بين الدين والمحافظة من جانب والعلمانية وحرية الاختيار واحترام الحياة الخاصة للآخرين من جانب اخر. ولكن القناعات الدينية بالغة الأهمية في حياة الفرد والمجتمع  الأمريكي  وهذه المنظمات هي التي تحدد الدور الانتخابي للفرد والتي تكون بالأصل وفق قناعته الدينية وفي النهاية تتفق البروتستانتية والصهيونية المسيحية وغيرها من المجموعات الدينية المتعاطفة مع اسرائيل على ثلاث نقاط أساسية وهي  :....

-1 دعم إسرائيل هو التزام ديني ثابت وليس مجرد التزام سياسي متغير ومتحرك، كما تعتبر شرعية الدولة اليهودية مستمدة من التشريع الإلهي، وبالتالي اعتبار قيام الدولة تحقيقًا للنبوءات الدينية.
-2 التشديد على أن أرض إسرائيل هي كل الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته، وبالتالي تشمل كل الأرض الموعودة من النيل إلى الفرات.
-3استمرار العمل بالشعار الذي يقول: "إن الله يبارك إسرائيل ويلعن لاعنيها"، وبالتالي فإن دعم إسرائيل طريق إلى بركة الرب! بل إنه عندما يتناقض القرار الإسرائيلي مع مواثيق الشرعية الدولية أو القانون الدولي فإنه لا اعتبار لذلك، ويجب احترام القرار الإسرائيلي لأنه تعبير عن إرادة الرب! أما القوانين الدولية فإنها تعكس إرادة الإنسان، ومن الضروري احترام إرادة الرب إذا ما تناقضت مع إرادة الإنسان!

وهذا ما يفسر تصريحات بوش في إعقاب هجمات الحادي عشر من سمتمبر بان الحرب التي ستخوضها الولايات المتحدة  هي حرب صليبية وبان ما يقوم بة هي ( تعاليم الرب والرب يريد هكذا ) ليجعل سياسته وحروبه هي أوامر ربانية تأتيه من الرب مباشرة وهو ممثل الرب علي الأرض هذا أولا وثانيا استخدام الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد أي قرار يدين او يجرم إسرائيل  حيث استخدمت الولايات المتحدة هذا الحق حوالي 82 مرة حق النقض (الفيتو) لإجهاض قرارات صادرة تدين دولة الكيان الصهيوني وثالثا الدعم العسكري والمالي والسياسي الامتناهي للكيان الصهيوني ورابعا المواقف المتتالية للإدارات الأمريكية المتعاقبة اتجاه القضية الفلسطينية

 

بعد كل هذا نحن نطرح سؤال مركزي هل الولايات المتحدة بتركيبتها الأيدلوجية ومواقفها السياسية اتجاه إسرائيل تعد طرف نزيه وحيادي وراعي لعملية السلام في الشرق الأوسط ؟ وهل يمكن الاعتماد عليها ؟

اعتقد جازما انه لا يمكن تحت أي ظرف ان تصبح الولايات المتحدة طرف نزيه او راعي لعملية السلام في ظل التهود الأمريكي والارتباط الديني المزدوج ما بين المسيحية واليهودية وولاء الإدارات الأمريكية المتلاحقة للكيان الصهيوني وعدم قدرة أي من الإدارات الأمريكية تجاوز الإرادة والأهداف الاسرائيلة بدليل ان الرئيس جيمي كارتر عام 1977م حينما تحدث ان الفلسطينيين لهم الحق في وطنهم  انبرى قادة ونشطاء الصهيونيين المسيحيين، بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني للرد عليه بإعلانات تصدرت الصحف الأميركية تقول إن "الوقت قد حان لأن يؤكد المسيحيون البروتستانت إيمانهم بالنبوءة التوراتية والحق الإلهي لإسرائيل في الأرض... نحن ننظر ببالغ الاهتمام لأي محاولة لتجزئة الوطن القومي لليهود من قبل أي دولة أو حزب سياسي ,وبعد هذه الحملة أصبح كارتر أكثر تحفظا في آرائه العامة عن الفلسطينيين خلال فترة رئاسته.

وعندما حاول بوش ايضا تبني سياسة أكثر استقلالا عن السياسة الأميركية تجاه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصدت له منظمات اليمين المسيحي، فأثناء عملية الدرع الواقي العسكرية الإسرائيلية عام 2002 التي انتهت بعودة القوات الإسرائيلية إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل بيت لحم ورام الله وجنين، اضطر جورج بوش تحت الضغط الدولي لأن يبعث برسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قال له فيها "اسحب قواتك فورا".

وردا على ذلك حشد قادة الحركة الصهيونية المسيحية أبواقهم الإعلامية لتعبئة أنصارهم بإرسال آلاف الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والخطابات إلى الرئيس تحثه على عدم الضغط على إسرائيل لوقف عمليتها، ومن يومها لم ينبس بوش ببنت شفه في أي تعليق مشابه يعارض العمليات العسكرية الإسرائيلية بل أصبح يدافع عنها ويفر لها كل المبررات .

 

اذا الولايات المتحدة هي غريم وعدو سياسي للشعب الفلسطيني وتتحمل المسئولية القانونية والأخلاقية والإنسانية مما لحق الشعب الفلسطيني من احتلال  ومجازر وهي شريكة بالفعل سواء بالتأييد السياسي او الدعم المالي والعسكري او بتشريع الاحتلال على الأرض الفلسطينية وإعطاء نفسها الحق في التصرف بأملاك الغير دون وجه حق ,واعتقد انة لمن الوهم والخرافة ان توافق الولايات المتحدة على إعطاء الشعب الفلسطيني دولة ذات سيادة وقابلة للحياة او دولة وفق المفهوم والتصنيف والمعيار الدولي للدولة , ولكن في المقابل توافق على إعطاء كيان سياسي للفلسطينيين بمسمي دولة  وهو ليس دولة ولا حتى دويلة لكي تتجاوز الإدارة الأمريكية وإسرائيل هذه المعضلة للمشروع الأمريكي الصهيوني الأكبر وهو الشرق الأوسط الكبير والهيمنة على النفط والطاقة في الشرق الأوسط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزء

 

من جهة أخري تتحمل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير المسؤولية الكبرى عن القبول بسحب الملف الفلسطيني من هيئة الأمم المتحدة ووضعه بأيدي الأمريكان والتنازل عن المؤتمر الدولي  تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة والقبول بمفاوضات ثنائية الأطراف وتحت رعاية الولايات المتحدة هذه المفوضات التى استمرت أكثر من 15عام دون حل او أفق سوى المماطلة والتسويف ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وبناء جدار الفصل العنصري وتقسيم الوطن الى كنتونات مقطعة الأوصال وقتل المئات ومئات المعتقلين والمشردين والفقر المدقع والحصار الظالم كل هذا برعاية وإشراف وموافقة الولايات المتحد

 

   ورغم ذلك ما زالت القيادة الفلسطينية متمسكة بالإدارة الأمريكية وبخارطة الطريق ذات الإنتاج الأمريكي كراعي لعملية ما يسمى السلام , من هنا اعتقد انه يجب إعادة الملف الفلسطيني الى هيئة الأمم المتحدة وسحب البساط من تحت الإدارة الأمريكية وذلك عبر موقف عربي موحد يشكل تهديد حقيقي للمصالح الأمريكية في المنطقة العربية ومن جهة أخري إعادة الوجه المشرق لمنظمة التحرير الفلسطينية عبر إدخال كل الفصائل الوطنية والإسلامية إليها وتشكيل برنامج سياسي كامل متكامل يحدد الأهداف والإستراتيجية الفلسطينية , والنقطة الآخري تصعيد المقاومة وتحديثها وتكريس ثقافة المقاومة بدل ثقافة الاستسلام والخنوع والانهزام                
 

http://www.rezgar.com/m.asp?i=1331

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home