القلم النقدي

 

الشعر و الالتزام عند محمد عماري ...

عبد الرزاق المصباحي



عبدالرزاق المصباحي

تتحدد عتبة اشتغالنا الكبرى في هذه الورقة في مقاربة نصية لمنجز الشاعر المغربي محمد عماري .

مقاربة بالنظر إلى رغبتنا في تفعيل مفهوم الإمكان القرائي إذ كل قراءة – بالنسبة إلينا – هي مقاربة ممكنة , و كل مقاربة هي قراءة ممكنة " . وكدها ليس الوصول إلى الحقيقة / الدلالة الوحيدة المنطبعة في ذهن الكاتب , بل إلى التمثل الشخصاني و القراءة الفردانية التي ليس من غاياتها و عدتها إلغاء القراءات السابقة أو المحايثة : كانت لقراء نقاد أم لقراء عاديين أم للقارئ الكاتب نفسه الذي نسج النصوص و حبكها و أعلنت صرمها عنه بعدما استوت ناضجة مسبوكة و محبوكة و لها إمكان قرائي . و هنا تنبغي الإشارة إلى أننا نوظف مفهوم الإمكان القرائي توظيفين إجرائيين مختلفين :

- الأول مرتبط بالنص من حيث تنسيجه أي : من حيث هو فعل تخيلي تتحرك فيه قوى الخيال الخالص عند المبدع التي تمده بمادة الكتابة عبر تنظيم الظواهر الإدراكية و الأفكار المنتقاة من الحيز الواقعي و من تجاربه الشخصية و تصييرها بنية في العمل الفني بالإضافة إلى العناصر الفنية المائزة الأخرى المشكلة لبنيته . بعبارة جامعة : توفير مائزتي الاتساق و الانسجام في العمل الفني , و هو ما يؤهل المكتوب لاكتساب صفة النصية .

فعلا إنها أحقية الانتماء إلى النص لكن ليس بالضرورة إلى مملكة الشعر و تقلد سمة الشعرية ’ فالاستجابة التداولية و القدرة على إحداث الدلالة التي يحققها الانسجام ليستا ميسما يميز الشعر عن الخطابات الأخرى أدبية كانت أم غير أدبية . لكنه مع ذلك يشير إلى انتقال العمل من مستوى التخيل / النسج إلى مستوى التخييل / التلقي . و هو مستوى محدد لشعرية النصوص في الأدبيات الحديثة و الحداثية معا , إذ تجمع غالبية اتجاهاتها على القول بتمجيد القارئ و تتويجه بنياشين السلطة في مقابل تراجع سلطة الكاتب على نصه الذي أضحى قارئا عاديا * .

و يوضح موريس بيكهام - أحد أقطاب جمالية التلقي المبكرين و البارزين - هذا الوضع بالقول إن " العلامة بماهي إرادة المرء قوله شيئا ليس بإمكانها أن تقول شيئا إلا بوجود شخص يستقبلها و يستجيب لما تريد قوله " 1 و ينتج عن هذا المتصور أن النص باعتباره علامة كبرى - بتعبير بارط – يصبح بلا معنى و لا دلالة قائمة في غياب تلقيه المنتج المرتبط بمرجعية فلسفية ظاهراتية تقول بأن الأشياء لا توجد / و لا يمكنها أن توجد خارج الوعي بها .

و الوعي ممارسة حد مؤطر في حال النص المفهومي , و الإضاءة النقدية و الجمالية في حال النص الأدبي : الشعري على وجه التخصيص . إذ الشعر بأسئلته الأنطولوجية الكبرى و فتوحه الكشفية و العرفانية و بناه الجمالية التي تفتأ غير تابثة يستعصي على الوضع في قوالب ضيقة و سجنه في حدود مائزة مستقرة , الشعر يند عن ذلك كله , و يؤسس – في المقابل – وجوده الخاص الذي يشير إليه سارتر في إحدى تصوراته المهمة لمفهوم الشعر بوصفه " خذروفا عجيبا لا وجود له إلا في الحركة " . 2

 . و لاغرو و هي ميسمه الأساس و خصيصته المفردة , أليس التفرد أبسط تعريف للنص الأدبي كما أشار ريفاتير ؟ و الحقيقة أن أهمية متصور سارتر تنبع من إشارته إلى أمرين نافذين : الأول : علاقة الشعر بنظرية الأدب و مؤداها مساع النظرية الجادة إلى تأطير الشعر / حده , و هو الأمر الذي لا تتوفق فيه باستثناء التعلق بلبابه .

الثاني : الحركة الدلالية الثرة التي يحققها الشعر أو على الأصح تلقي الشعر’ و هو ميسم أدى إلى إعادة النظر في خطابه الواصف – النقد- من" التقييم الواعي المتوسل بآليات منهجية تعتقد في إمكانية تقويض حركة القصيد " إلى" الاستطالة الذكية / الواعية" أي التلقي المنتج, الذي يأخذ بعين الاعتبار خصيصة الإمكان التي أشر عليها الفلاسفة النقاد أو النقاد الفلاسفة على تمتع الشعر بها " و هو مفهوم يتحدد " مؤداه في أن مهمة الشعر ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا , بل رواية ما يمكن أن يقع , و الأشياء ممكنة إما بحسب الاحتمال أو بحسب الضرورة 3 .

رواية الأمور كما يمكن أن تقع هي ما تحاول عناوين منجز عماري البوح به و الإشارة إليه : بوصفه عتبات الولوج الأولى إلى عالم القصيد الذي نحاول في هذه السطور تمثل خيطه الناظم و خصائصه المائزة . " الضاحية الشموس " – معرة النعمان – مهجة بين الطين و الماء – حفريات شامية – عرس الشهيد – حيفا على أكف فرقد ...... في كل هذه المناصات تم تطلع قصدي إلى التأشير على بنيات تماثلية مع الواقع من خلال الاستناد إلى تأكيد دلالة جامعة لتلك الدوال مرتبطة بحضور سلطة المكان عبر ملفوظات : الضاحية / الشام / حيفا ....... هذه العلامات اللغوية تحيل إلى دوال – مدلولات في الوقت نفسه , محددة : لبنان – فلسطين – سوريا . و هنا يمكنا تأسيس مسار قرائي آخر انطلاقا من محمول المناص الحاضر في الوعي الجمعي و المرتبط بالمفاهيم الثلاث السابقة المتلبسة لبوسا سياسيا . هل نحن أمام شعر ملتزم ؟ **

إن فتح هذا المسار القرائي و تأسيس باقي المقاربة عليه يستدعي منا الولوج إلى المتن ’ مع تمام الاحتراس و الانتباه إلى الوشائج الثلاث المنسوجة بينه و بين العنوان . الضاحية الشموس : " يا آخر العصر ذي بيروت ارتدت فستان الليل " يبدو الاشتغال على خرق اللغة في هذه الأسطر فعلا قصديا يومئ إلى دلالة محددة هي غالبا مشكولة بالسلب يمكن تأكيدها من خلال إعادة بناء الانزياح التركيبي : فالنداء الذي يشكل بنية الاستهلال في النص تلبس وظيفة استلزامية عبر الإشارة إلى فعل أمر ملحوظ – في مقابل الأمر الملفوظ - فالقصد هنا ليس لإثارة انتباه المنادى بل إلى دعوته إلى فعلين :

- الأول : فعل الوقوف المتأمل , و الثاني : فعل الشهادة على حدث محدد, في مكان محدد . و كلاهما خصيصتين إنسانيتين مما يحدث مفارقة دلالية, إذ تأتي نسبتهما لغير عاقل /مركب إضافي " آخر العصر " . إنه انتقال من مستوى فيزيائي (زمن العصر يتميز بظواهر فيزيائية معينة ) و تاريخي ( هذه الزمنية متسمة بتغيرعا الصاعد) إلى آخر جمالي تم فيه إيقاف قوة الزمن / العصر المدمرة / الصاعدة , و تشخيص أفعاله مع قلب لنمط المتواضَع , إذ فعل الشهادة – مثلا – يرتبط بمفاهيم الحصافة و الألمعية و النبوع كالقول السائر:" فلان شاهد عصره" .

وفي النص قلب لهذا النمط فصار العصر شاهدا على حدث " ارتداء بيروت لفستان الليل " و " على غسلها لكحل الهضاب و كفكفة دمع الشمس من مقلة كل طفل عربي .... و أفعال أخر تلتقي غالبيتها في معجم دلالي يحيل إلى الخيبة العربية " بيروت تعلن انسحابها – تزف حزنها – ترحل عنا .. .. " . و رغم ذلك يبدو التشبث بالأمل المنفلت غاية مقدسة و وصلا متينا لنسيج النص بعنوانه , إذ يشي اختيار " الضاحية الشموس عنوانا ’ دالا على " تشاؤلية القصيد :" مع تغليب للإيجابي بالنظر إل أن للعناوين سلطتها في تحديد دلالة بعينها دون أخرى قد تكون مهيمنة في المتن .

و على مستوى إحالية أسطر النص إلى السياقات النصية الخارجية , يبدو مركب آخر العصر الأكثر حمولة عولمية و إشارة خاصة لإشراطاتها من حيث دلالتها على أطروحات الإنسان الأخير و النموذج الأوحد و السلطة العسكرية و الاقتصادية " عبر مماثلة المركب الإضافي " آخر العصر " بصنوه : نهاية التاريخ " التي روج لها كل من " فوكوياما " و جيجنر . هذا رغم احتراسنا كون تلك الإشارة ه يغير واعية إذ ما الذي يمنع من جعل عبارة " فوكوياما " المنادى ؟ بيد أن التأشير على على الإشراط العولمي يجد صداه في قصائد أخرى لمحمد عماري , ومن ذلك الانتقال من كينونة الشام الخصبة و الحصيفة و الجميلة : " كان الشام فخرا و بسملة وردا و سنبلة " إلى الكينونة الاقتصادية / مصدر الصراع : صار نفطنا و شما تحت المقصلة " .

و الشام ليس وحده بِؤرة هذا الصراع المتسربل بلبوسات متباينة , بل تحفل أمكنة أخرى به : في غزة – في كربلاء – في حيفا ..... حيث الطفل المعفر بالثرى يصهره حب ذا الحجر " و المدائن ترتل نشيد الرفض " و الشهيد ينبض بين اللحود .... . و هلم شعرا . إن الارتباط الديالكتي بين الشعر و التيمة في منجز عماري , يؤكد عبارتنا التأطيرية السالفة " شعر ملتزم لشاعر ملتزم " و الالتزام الذي نتحدث عنه هنا ليس ذلك الذي تم تحديده في أدبيات المقاربة الاجتماعية و التاريخية , و إن كان يحيل إليه و يوميء إلى الكثير من دلالاته . إذ ارتبط الالتزام في تلك الأدبيات بطبقة " البروليتاريا " التي ينبغي للأديب أن يجعل قلمه سلاحا لنصرتها في عملية انعكاس مرآوي واصف لمنجزاتها . هنا بالذات يتم تسمية الكاتب بالتقدمي : الذي يتخذ قراره على أساس الصراع الطبقي , إنه يقف إلى جانب البروليتاريا , هنا ينتهي استقلاله ’ إنه يوجه نشاطه لما يفيد البروليتاريا في الصراع الطبقي . و هذا ما يسمى عادة بالالتزام " 4 , على حد إشارة وولتر بنجامين .

إن الالتزام الذي نقصده توجبه لنشاط الروليتاريا ليس إلى مساندة الطبقة العاملة في صراعها الطبقي بالمعنى الجدانوفي ’ بل إلى شعوب مستضعفة هي جزء من هوية الشاعر و يجمعهما – في الوعي الجمعي – مصير مشترك . و من هذا المنطلق نكشف عن سر ذلك التماهي الذي نستشعره في نصوص عماري مع الكتابات الملتزمة الأخرى بخاصة كتابات الشعراء الفلسطينيين التي تناولت التيمات نفسها و أحيانا بالملفوظات عينها .

 و ندلل على ذلك بنهايتي قصيدتين هما حجر فوق بياض الثلج : سر من رآى امرأة (..) يصهرها حب ذا الحجر الهائم في الخلاء . يربو فوق بياض الثلج يخضر خبزا و ماء . و قصيدة " الضاحية الشموس " : يا ساري الليل أسرج حزامك و انسف أشلاء عدوك فالنصر آت ’ آت . تذكرنا القصيدتين بأشعار درويش و سميح القاسم الحماسية , و تحيل - من مستوى نفسي – إلى غريزتي الآيروس التي تسعى شعوب العالم و أغلبها عربية مسلمة إلى إحلالها و التناتوس التي يسعى الآخر القوي تكريسها في زحف مدمر .’ إحلال و تكريس الغريزتين بأبعادهما المادية و المجازية . إن هذا الحضور القوي للثيمة يدفعنا إلى التساؤل التالي : هل فقد الشاعر فعلا " استقلاله " على حد إشارة بنجامين السابقة؟ شعر "عماري نفسه من يتولى الإجابة عن هذا السؤال المركزي : " دلني أيها الورد النائم في الخلاء عن مهجة بين الطين و الماء . " تشير ياء المتكلم في الفعل دلني إلى حضور " أنا " الشاعر التي تكاد تغيب في مجمل شعره على غير عادة الشعراء .

و يتكاثف هذا الحضور من خلال إعلان الانتماء " أعلن انتمائي " أو لحظة قراءة بقايا أنثى وسمها في القصيدة عينها بتلبس أزهار الثلج . إن الانتقال من الآخر إلى الأنا , من الذات إلى الموضوع . يشي - انطلاقا من منطوق الأسطر - بقصدية ملحة للانفلات من الاستلاب الذي يمارسه الموضوع / الثيمة من حافة . و يلمح - من حافة ثانية - إلى تأسيس المنجز لمفهوم آخر للشعر نموذجه الإرشادي جوى و تدليه عميقين ينزله بالشاعر ذلك الذي أسماه سارتر جحيما . لكن , لنشاغب الأسطر السالفة قليلا و نعتبر أن هذا المنطوق ليس إلا " فعلا للوهم " بتعبير كولريدج , و ننطلق من الأفعال نفسها التي تدل على حضور الأنا لفتح بعد دلالي آخر : فياء المتكلم السابقة ارتبطت بالفعل " دل " الذي جاء قي صيغة البناء للمجهول مبنى و دلالة : إن من يطلب دليلا له واقع لا محالة في الضياع و التيه المؤقتين و ينتظر قوة خارجة عنه , قوة موضوعية هي " الورد " في سياق الحال لتقوم بفعل الدلالة المنعدمة سلفا .

و انعدام الدلالة يعني فقدان المعنى , و غيابهما يرجع العالم إلى السديم الأول يترتب عن ذلك إذن : غياب الواقع و الحقيقة و الإدراك المنظم .. و تسود التعمية و يتسلطن الجهل , إنها حال الكاوس بامتياز . أمام هذه الحال الوجودية لا يجد الشاعر إلا أن يؤجل إعلان انتمائه ’ و بعد تأجيل ملحوظ ’ يقوم بذلك لكن بعد أن تنتهي مؤقتا حال الكاوس الذي يشير إليه الشرط في هذا السطر : " حين ينام الماء’ أعلن انتمائي " . ونوم الماء في أحد أبعاده الدلالية دليل على الصفاء و السكون النفسيين و الماديين . رغم أن السكون ذاته لا يأتي إلا قبل أو بعد عاصفة .

إجمالا فإن " عماري " لا يكف عن طرح الأسئلة الكيانية الكبرى ’ دون الابتعاد في منجزه - طبعا - عن شاطئ الشعر و خطابه ’ موضوعا كما في "معرة النعمان " أو بنية عبر صور خياله الخالص و انزياحاته البسيطة و الموحية معا . و في الحالين كليهما يتكلم صدقه نيابة عنه في شعره أو في تواصله معك حين يضيق الكون الفسيح به , و هو الذي كلما أرسل إلي قصيدة من بحر شعره يسميها نزيفا . و البشرى أن نزيفه الشعري سيضمن أضمومة شعرية ثانية , و في انتظار ذلك دامت لشاعرنا مسرة التألق و عشق الإبداع . مع تمام رجائنا – طبعا – بأن تصيب " حمى العقوق " كائنه الشعري حتى يتسنى لنا إنتاج إبداع ثان بموازاته و على مشارفه .

 

.الهوامش :

 * - تصورات بارث القائلة بموت المؤلف و تقويض سلطته الكلاسية على منجزه.

 1- عبد العزيز حمودة , الخروج من التيه : دراسة في سلطة النص , عالم المعرفة . العدد : 298 .نوفمبر -2005 ص : 114

. 2 - عبد الرحمان عبدالسلام محمود , " وعي الشعر : قراءة تأصيلية في اللغة و المصطلح النقدي , عالم الفكر , العدد 1 المجلد 34 يوليو – سبتمبر 2005 ص : 88 .

 3- نفسه ص : 88

 ** - الإشارة التأطيرية هنا آلية منهجية و ليست حكما نقديا على المنجز .

4- عبد العزيز حمودة , الخروج من التيه : دراسة في سلطة النص . مذكور . ص : 226 .




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home