القلم السياسي

 

الخطة الأمريكية الجديدة في العراق مالجديد فيها !؟

د.محمد مسلم الحسيني



الخطة الأمريكية الجديدة في العراق، ما الجديد فيها ! ؟  

الدكتور محمد مسلم الحسيني    

بروكسل         

 

حينما يتحدث الرئيس الأمريكي أمام التلفاز هذه الأيام يغلق الأمريكيون تلفازهم أو يغيروا القناة  للهروب من سماع ما سيقوله رئيسهم !.  وهذا التصرف أصبح تصرفا روتينيا عندهم !. لم يكن هذا العمل بدافع الحقد والكره على رئيسهم كما كان يفعل العراقيون في عهد صدام حسين ، فالرئيس بوش لم يأت بأنقلاب عسكري دموي ولم يفرض نفسه بقوة الحديد والنار كما فعل صدام  , وإنما جاء بمحض رغبة الأمريكيين وإرادتهم . لكن الذي حصل هو أن رئيسهم صار يتكلم بما لا يفعل وراح يغطس في خيالات وهمية خصبة كما غطس الحكام العرب في خيالاتهم  وأوهامهم ! . وهكذا فقد صار جزءا منهم ، يتصرف بما يتصرفون.... ويفكر كما يفكرون.... وياللعجب والدهشة !.  وهكذا  فقد الشعب الأمريكي الثقة والأطمئنان في كلام وأفعال رئيسهم كما فقدت الشعوب العربية الثقة والأطمئنان في كلام وأفعال حكامها ! . أن من يريد أن يتعمق في تحليل حالة الرئيس الأمريكي بوش ونفسيته وأسرار غرابة تصرفاته ، سوف لن يجد تحليلا مقنعا ومرضيا لحالته وطبيعة تصرفاته ، عدا أنه قد سقط في مستنقع عميق بطينه ومائه  ، حيث لا يعرف طريقة الخلاص منه . وهذا هو مستنقع العراق الجديد الذي كان الخطوة الأولى من مشروعه الجبار والذي أسماه : (مشروع الشرق الأوسط الكبير) ! .                                                                             

 لم يكن في حسبان الأمريكيين أن تصل الحالة في العراق الى ما وصلت اليه اليوم من بعثرة في كل الجوانب والأمور . ولم يتصور الأمريكيون بأن القوة العسكرية هي ليست كل شيء في حسابات إدارة البلدان وتمشية شؤونها . كما لم يدركوا أيضا بأن التعامل مع شعوب بلدان الشرق الأوسط تتطلب كثير من الدراية والدراسة والحكمة والفطنة والفهم . أن الأخطاء الأمريكية التي أرتكبوها منذ بداية إجتياح العراق والى حد هذا اليوم هي أخطاء كثيرة وكبيرة في حجمها وتأثيرها ومردوداتها . كما أن ردود الفعل المعاكسة والساخطة على سياسة أمريكا في العراق في حالة تزايد مستمر وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي ومع مرور حركة الزمن . ومن يتابع الأوضاع والأحداث اليومية التي تعصف بالعراق والعراقيين كل يوم سوف يرى وكأنه قد دخل في نفق فيه بداية ولكن ليس له نهاية !. وكأن الأحوال قد وصلت الى مرحلة اللاعودة أو اللارجعة ! .                                                                                                                 

أن الأدارة الأمريكية قد أخطأت مرة أخرى هذا اليوم حينما وعدت شعوبها بتحقيق النصرفي الخطة الجديدة التي سوف ينجزها لهم جنود المارينز الجدد والذين سيصلون العراق قريبا أو ربما قد وصلوا الآن. أن المسألة هي ليست مسألة زيادة أو نقصان في عدد الجنود أو أنتشار القوات . أن الطبيب حينما يداوي مريضه الذي تحرق جسده نيران الحمى بزيادة عدد أقراص مادة الباراسيتامول سوف لن يشفي مريضه بهذه الزيادة . على الطبيب أن يفهم أسباب المرض ويعالج الداء بالتي كانت هي الداء.... . وإلاّ سوف تهدأ الحمى قليلا ثم تعود! . أن هذا المنهج العملي والعلمي  ينطبق تماما على الحالة السياسية في العراق . إذ على الأمريكيين  أن يتفحصوا أسباب العلة الحقيقية وأن يعالجوها من الجذور بدلا من الدوران في دوائر مفرغة ومن دون جدوى ! . أن الأخطاء والأسباب مفهومة ومعدودة ومعروفة ومشخصة لدواعي الخلل والتخبط والضياع في العراق وربما يعرفها السواد الأعظم من الناس كما يعرفها المختصون والضالعون في أمور السياسة وأركانها ! . وقد كتبت سابقا في مواقع الخلل والتخبط اللذان يضربان العراق في موضوع  تحت عنوان (لماذا يئن العراق ؟)، حيث لا يسع المجال الآن التحدث عن ذلك  مرة أخرى في هذا المقال .                                                                                                                          

 

أن الضجة الأعلامية التي تتحدث عنها وسائل الأعلام وكذلك الشخصيات الأمريكية المختصة بشأن العراق في إطار الخطة الأمريكية الأمنية الجديدة في العراق لا تتناسب مع الحجم الحقيقي لتأثير الحدث . إذ أن إضافة عشرين ألفا من المارينز الى القوات الأمريكية المتواجدة أصلا سوف لا يغير من المعادلة شيئا في الحسابات العسكرية والأستراتيجية . أن هذا العدد ما هو إلاّ تعويضا لعدد الخسائر التي أصابتهم . حيث أن عدد القتلى في صفوف الجيش الأمريكي قد وصل، وحسب الأحصائيات الأمريكية الرسمية ، الى ما يزيد عن الثلاثة آلاف جندي منذ الأجتياح . وطبقا للقاعدة العسكرية المتبعة والتي تقول بأن مع كل قتيل يوجد (3)  الى ( 4 ) جرحى . أي أن هنالك ما يقارب ال(12) ألف جريح أمريكي على الساحة ، وأن أخذنا عدد المرضى والمصابين بالأمراض النفسية والذين قد أصبحوا خارج نطاق الخدمة العسكرية بنظر الأعتبار ، فسيصل العدد الكلي التقريبي للخسائر المعلنة رسميا من القتلى والجرحى والمرضى الى (18) الفا لحد هذا اليوم  . فما هؤلاء الجنود الجدد الاّ سدّا للفراغ الحاصل لخسائرهم ،وتعويضا لقواتهم المتواجدة في العراق بمن أكلتهم الحرب! .وإن يعترض معترض ويقول بأن هذه الزيادة هي زيادة حقيقية للعدد الأصلي بغض النظرعن عدد الخسائر ، فأني أقول أن هذه الزيادة في عدد القوات لا تتجاوزال( 15) في المائة من العدد الأصلي ،فما قيمة هذه الزيادة العددية بالمقارنة مع الهبوط الحاد في معنويات الجنود وحماسهم . ففي المقاييس العسكرية تحسب درجة المعنوية عند الجندي قبل الحساب العددي للجنود! . فهل هنالك من معترض على أن  درجة المعنوية عند الجندي الأمريكي هابطة  وقد  وصلت أدنى مستوياتها ! ؟ .  فلا أدري مالذي يدفع الأدارة الأمريكية الى إطلاق مثل هذه الحملات الدعائية اللاّمنتجة غير تضليل أفكار الشعب الأمريكي الذي بدأ يئن ويلعن تلك الساعة التي أيد بها رئيسه بأجتياح العراق ! . وهكذا  ستبوء هذه الخطة الوهمية بالفشل كما باءت الخطط الأمريكية الوهمية الأخرى من قبلها ، وطالما لا يريد الأمريكيون أن يفهموا الواقع الحقيقي للمشكلة ، ويحاولون طمر رؤوسهم في الرمال ، كما تفعل النعامة ، هروبا من قساوة الحقيقة وصعوبة الواقع !!!.                                                                                                                  

                                         

   




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home