قصة

 

شيخ ألبس الرجال الخمار

محمد سنجر



دخلت إلى غرفتي الكئيبة
أغلقت الباب خلفي سريعا

أسندته بجسدي
أحاول منع هذه البرودة التي تلاحقني تصر على افتراسي
تحاول النفاذ من خلال شقوقه
جسدي يرتعد من شدة البرودة
أسناني تصطك ببعضها البعض
آه من هذا الألم الذي توغل إلى عظامي
أحاول الانكماش داخل جسدي
لعلي أنجح في الهرب من هذا الصقيع المرعب
ارتديت جميع ملابسي فوق بعضها البعض
ولجت تحت الأغطية الصوفية
أكفن بها جسدي من قمة رأسي لأخمص قدمي
أحاول حبس أنفاسي الحارة الخارجة من صدري داخل أغطيتي
لعلها تمنحني شيئا من الدفء
اللهم لك الحمد
أخيرا عدت إلى سريري ؟
كم أنا سعيد حقا
قلما يحس الإنسان بالسعادة في أيامنا هذه
أرجو ألا يكون حلما
بدأ الدفء رويدا رويدا يسري بأطرافي المتجمدة
منهك أنا
لقد كان يوما شاقا للغاية
هكذا لن أستطيع الحصول على أربع ساعات من النوم
و غدا يوم شاق آخر
ماذا سأفعل ؟
هل سأستيقظ لصلاة الفجر ؟
أرجو من الله ألا أسمع الأذان
فلو استيقظت للصلاة
لن أحصل إلا على ثلاث ساعات فقط من الراحة
فالساعة الآن تقترب من الثانية بعد منتصف الليل
و علاوة على هذا الإرهاق الذي سيطر على جسدي
كيف سأذهب إلى المسجد في هذا البرد القارص ؟
دعوت الله ألا أستيقظ عند سماع الأذان
يا رب
لم أحس بشيء بعدها

*******************

ارتجفت متلذذا منتشيا
و عندما زالت الرجفة
استيقظت على أحساس بالبرودة
تبللت الملابس
عندها أيقنت استجابة الدعاء
فهذا سبب آخر يستحيل معه الذهاب لصلاة الفجر
فمن أين لي الآن بماء دافئ للغسل
حمدت الله
لم أشعر بشيء بعدها

*******************

كأنه الحلم
سمعت صوت المؤذن
( اللـــــــه أكبر اللــــــــــــــــه أكبر )
لا ، لا ، لا
إنما أنا أحلم
فتحت عيني
لا إنه حلم
بدليل أنني لا أسمع شيئا الآن
( اللـــــــــه أكبر اللـــــــــــــــــــــــــه أكبر )
لا
إنه صوت الأذان بالفعل
ما العمل الآن ؟
البرد القارص ما زال متربصا بي
ينتظر خروجي من تحت أغطيتي فيفترسني
( أشهد ألا إله إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــه )
ما العمل ؟
الحل هو أن أنام حتى الإقامة
خمس دقائق فقط
( أشهد ألا إلـــــــه إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــــه )
سأقوم عندها و قد دب النشاط في بدني
خمس دقائق فقط
( أشهد أن محمدا رسول اللـــــــــــــــــــــه )
كيف سأتوضأ إذن ؟
فالمياه الآن تكاد تقترب من التجمد
لا ، لا ، لاااااااااااااااااااااااا
أي وضوء أيها الأبله ؟
هل نسيت أنه يلزمك غسلا للجنابة ؟
لا ، مستحـــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
( أشهد أن محمدا رســـول اللــــــــــــــــــــــــــــــــه )
كيف سأخرج من تحت هذا الدفء الذي أنعم به ؟
كيف سأذهب في هذا الصقيع إلى الحمام للغسل ؟
من أين لي الآن بماء ساخن ؟
و حتى لو فرضنا جدلا أنني سأقوم و أشعل الموقد على الماء
فكيف سأخرج في هذه البرودة و أنا مغتسل بماء دافئ
إنما أكون عندها كمن يقتل نفسه
نعم
و لا ضرر و لا ضرار
سيسامحني الله لأن لي عذرا
( عندها سمعت صوت نفسي اللوامة )
: ألا تذكر هذا الرجل الأعمى
نعم الأعمى الذي أتي رسول الله
صلى الله عليه و سلم
ليعفيه من صلاة الفجر في المسجد فهو لا يجد من يأخذ بيده إلى المسجد
و بعدما سمح له و هم الرجل بالانصراف
ناداه صلى الله عليه و سلم و سأله
: هل تسمع الأذان ؟
و لما أجابه الرجل بنعم
قال له صلوات ربي و سلامه عليه
( فلتلبي النداء )
( حي على الصلاااااااااة )
لا حول و لا قوة إلا بالله
( لكن نفسي اللوامة أبت إلا أن تزيدني )
: أزيدك من الشعر بيتا ؟
هل نسيت صورة هذا الشيخ المقعد المسن
الذي كان رحمة الله عليه يأبى إلا أن يصلي الفجر في المسجد
يصر على الذهاب برغم أنه كان مقعدا
يصر على الذهاب و لو محمولا على الأعناق
( حي على الصلاااااااااااااااااااااااة )
: لا حول و لا قوة إلا بالله
( حاولت أثني نفسي عن تذكر المشهد
إلا أنها أبت إلا أن تعريني أمامها )
: هل نسيت هذا الشيخ رحمة الله عليه
الذي كان موقنا بتربص أحفاد القردة و الخنازير له
و يوقن أنه هدفا سهلا لهم
و مع ذلك لم يمنعه هذا عن الذهاب إلى المسجد
بالله عليك ألا تخجل من نفسك
أي برد هذا الذي تتمسح به؟
أي جنابة هذه و أي غسل و أية مياه باردة التي تحاول أن تأخذها حجة لتتحجج بها لكي لا تذهب للصلاة
( حي على الفلاااااااااااااااح )
بالله عليك ألا تخجل من نفسك عندما تتذكر هذا الشيخ ؟
الذي تربص به الخنازير بطائراتهم ( و هو يعلم )
أمطروه بقذائفهم و صواريخهم ( و هو يعلم )
و الله إني لأحسدك يا شيخ (أحمد ياسين)
( حي على الفلاااااااااااااااااااااااح )
مزقوا جسده الكريم إربا ( و هو يعلم علم اليقين أن كل هذا يمكن أن يحدث له )
ليبعث يوم القيامة و يلقى ربه و هو ذاهب لصلاة الفجر
فستلاقي ربك و دمك يفوح عبقا و عطرا
لم تتحجج يوما لا بالرصاص
و لا بالقنابل و لا بالقذائف و لا بالصواريخ
و لا حتى بالقنابل الذرية
و الله إني لأخجل من نفسي عندما أتذكرك أيها الشيخ المقعد
يا خجل الشباب و الرجال عندما نتذكرك أيها المسن
و الله إني منذ رأيت أشلاءك الكريمة مبعثرة هنا و هناك
أخجل أن أدعي أنني مسلم
أخجل أن أدعي أنني رجل
( الصلاة خير من النــــــــــــــوم )
انتفضت ملدوغا أردد
: صدقت و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم
( أزحت عن جسدي هذه الأكفان
لم أحس ببرد و لا صقيع
( الصلاة خير من النـــــــــــوم )
: نعم صدقت و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم
( أية برودة هذه و أي صقيع
جريت إلى الحمام أغتسل سريعا
لم أحس بهذا الماء البارد المرعب الذي كنت أتخيله
( الله أكبر اللــــــــــه أكبر )
: الله أكبر الله أكبر
( كل ما كان يجول بخاطري
صورة الأشلاء الكريمة المبعثرة هنا و هناك)
( لا إله إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــه )
: يرحمك الله أيها المسن المقعد أيها الشيخ أحمد ياسين
مسن و مقعد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بل نحن المسنون المقعدون
فأنت الشباب و أنت الرجولة
أما نحن فلقد
شاخ إسلامنا ، مات إيماننا
شاخت عزيمتنا
ماتت فينا النخوة و الرجولة
وجدتني أفتح النافذة أصرخ
:يا من تدعون أنكم شباب و رجال المسلمين
يا من يتأخر عن صلاة الفجر مهما كانت حجته
و الله لقد ألبسكم الشيخ الشاب أحمد ياسين
الخمار و الحجاب و البرقعا
( عندها نزعت عني الخمار و البرقع
مزقتهما و نزلت أهرول إلى المسجد )




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home