القلم السياسي

 

إعدام صدام إعدام صليبي طائفي

محمد البقاش



إعدام صدام إعدام صليبي طائفي

( مقالة تحليلية استشرافية )

 
محمد البقاش
 

لا أحب أن يقفز ’فوَيْصح   يعربد ظانا أن عربدته يستطيع بها قلب الحقائق تحت شعارات يتستر خلفها من مثل التلويح بالإرهاب ودعم الإرهاب والتحريض على الإرهاب.. كل ذلك بات مقيتا لا يركبه إلا الوصولي الفاشل، الانتهازي الذي اهتز تحته عرشه وخشي من ملاحقته في أموال الناس وحقوقهم ودمائهم وخيانته لهم..

يذكرني هذا المشهد بمحاكم التفتيش، ومن ضمن المضحكات المبكيات حرق الناس لمجرد مخالفتهم قانونا يحظر الاغتسال والاستحمام بدعوى أنهم أناس يتطهرون، حصل ذلك في غرناطة سنة 1529 حضره رجال الدين وانتشوا له.

إن إعدام صدام حسين كان يجب أن لا يناقش لولا غياب الحق والعدل، وبالتالي أهله وأربابه عن مراكز القرار؛ إذ من الطبيعي عندهم أن لا يسار إلى الوضع الذي نحن عليه لأنهم حاموا الحقوق ورادّو المظالم إلى أهلها، فلا يقبل فرد منهم أن ’يحتل العراق، وعليه لا يكون هناك اعتقال لصدام مبدأ من طرف المحتل، قد تكون هناك اعتقالات واغتيالات وتمرد وثورة ولكن ليس بيد الأجنبي غير العربي وغير المسلم، قد تكون بيد ( أجنبي ) من نفس الدار، ويحمل نفس المبدأ وله نفس التصور.. ثم إنه حين حصل الاحتلال سنة 2003 وتم اعتقال صدام حسين ما كان للأحرار أن يقبلوا بذلك داخل العراق أو خارجه، فعلى الأقل كان يجب ( وقد حصل بيد أفراد وجماعات بشكل لم يغير من الأمر في جوهره شيئا ) أن يمنعوا بسط يد المحتل ويشلّوها لا أن يسمحوا لها باعتقاله، وحين لم يحصل ذلك وبعد مضي وقت من جلسات ومرافعات خاوية حوكم صدام لإنقاذ الجمهوريين في الانتخابات النصفية لسنة 2006 ، حوكم بالإعدام ليرفع رصيد الجمهوريين دون جدوى، واليوم ’يحاكم صدام بالإعدام مرة أخرى و’ينفّذ فيه الحكم في أسرع وقت، وبظروف ليست له، فلماذا الإعدام إذن ؟ ولماذا في هذا التوقيت بالضبط ؟

كثرت الأقوال وتشعبت التحليلات وظهرت آراء وتماثلت مواقف لتدل بعضها على وعي يصدح به العالم العربي والإسلامي، ولكن لا أحد منها أشار إلى دافع آخر هو الدافع الصليبي المقيت الذي ابتدأ جهارا سنة 2001 ثم تحول إلى سر، وليس هذا هو القول الفصل في صليبية بوش، لا، فالرجل صليبي قبل ولوجه البيت الأبيض.

الحديث عن الإعدام خارج هاتين النقطتين، خارج الصليبية التوراتية والطائفية العنصرية قد يفيد في كشف أمور غائبة، ولكنه لن يمدنا بالصورة الحقيقية التي تتطلب موقفا يتناسب معها، وإجراء ’يتخذ حينها، فالقول برفع وتيرة الاضطرابات على طريقة الأرض المحروقة من أجل الخروج من العراق  قول لا يصل به صاحبه إلى ملامسة رغبة أمريكا في البقاء جاثمة على صدر شعب العراق مادام هناك ما تحتاج إليه في بلده وهو الطاقة. صحيح أنه قد يدفع نهج سياسة الأرض المحروقة إلى الانكفاء قليلا حماية للجنود الأمريكيين، وقد ’يعجل بإرسال قوات إضافية إلى العراق، ولكنه لن يخرج عن تقليص الدور الأمريكي في العراق سياسيا دون المساس بالسياسة المنتهجة في الحفاظ على مصادر الطاقة ولو اقتضى الحال الاكتفاء بحمايتها لوحدها وترك اللاعبين على الساحة يتقاتلون لاستنزافهم وإرباكهم والتفرج عليهم بغية انتخاب ما يؤمل منه التفاوض معه تحت مظاهر ديمقراطية تبقي السبب وتذهب بالمسبب، هذا ممكن، ولكني لا أراه إلا إذا دخلت أطراف عربية بجيشها لدعم هذا وضرب ذاك، تدخل تحت أي مسمى سواء كان منظمة الدول العربية أو غيرها.

وقد يقال أن إعدام صدام حسين منعطف حاسم ومفترق لا يخاض فيه طريق إلا بعد تدمير الذي ’طوي بغية عدم العودة، يسعى إلى قطع الطريق عن أي عودة محتملة لصدام إلى الواجهة وهو ما لم تره أمريكا إلا في الماضي القريب، ثم أهملته، الأمر يتعلق بزيارة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد لصدام في سجنه والتفاوض معه على سيناريوهات ’دكّت تحتها مساومات كلها دجل وكذب فطن لها صدام حسين فلم ينسق معها، كان ذلك عن طريق رامسفيلد بطل الأدوية الفاسدة التي روج لها في الولايات المتحدة الأمريكية في جشع استهان بصحة شعبه فكيف بالعراقيين أو غيرهم؟؛ دون جدوى، هذا القول كان يمكن أن يظل نبتة جافة لا تزورها أية رطوبة حتى تنبت، ولكنها تظل نواة بقابلية الإنبات لولا إعدام صدام، فلقد تم الحسم فيها بتنفيذ حكم الإعدام، وبالتالي ومهما طالت الاضطرابات وارتفعت لها وتيرة المقاومة في العراق أو خارجه ضد أمريكا ومصالحها، فإن ذلك في نظر بوش يعتبر عابرا، لا يستظل به وهو إلى زوال والأمر زمني، كل ذلك لن يقلب السياسة الأمريكية المتبعة في العراق، هكذا ظن بوش، ولكنه ظن دون حصانة، خصوصا بعدما ظهر للعيان قدرة الأفراد والجماعات على إفشال مخططات الدول، وهذه القوى موجودة في العراق وأفغانستان وفي العراق ربما بزيادة أكثر لا يدركها الضبع البليد كما سمته الأديبة المغربية خناتة بنونة.

هناك أقوال كثيرة تأخذ إعدام صدام حسين وتذهب به عدة مذاهب ولا عجب، ولكنها كلها تسير في اتجاه واحد أو تكاد، ’يظن أنه اتجاهات عديدة متعددة بسبب المغالطات الممارسة في الدجل الإعلامي وأجراء الإمبريالية من المثقفين المحسوبين على الأمة والشعوب المستضعفة، هذا التعاطي المغلوط مع السياسة الأمريكية في العراق لا يكاد يثبت على مشهد يبنى له الرأي العام الواعي حتى ينقلب خاسئا تحت وطأة الوعي السياسي الذي يدفئ الشعوب والأمم وينجيها من الضربات الموجعة والمميتة .

ليس هذا ما ينشده بوش بإعدامه صدام حسين، وليس ما يشاع عن كراهيته له وأسرته، لأن الحب والكراهية لا يدخلان السياسة ولا يلجان باب التنظير للمستقبل ولو امتلأت بهما القلوب، صحيح قد يلعب الحب والكراهية دورا مخذلا أو مثبطا أو موقعا.. ولكن ذلك لن يكون إلا إذا انفرد بالقرار غبي مثل بوش، وعليه فإن إعدام صدام حسين يستهدف غاية مزدوجة، ويركب إليها على مطية الطائفية العنصرية، الغاية المزدوجة هي:

 

أولا:  الحكام المسلمون بما فيهم العرب والترك والبربر والأفغان والأزبك وغيرهم.

ثانيا: الإشباع الروحي الصليبي.

 

أ ــ لا أزعم توارد الخواطر وهو واقع فأقرر سبقا سياسيا طلع به سياسي مغربي أشار في قناة الجزيرة في لقاء معه عقب إعدام صدام حسين إلى أن الحكام العرب معنيون بإعدامه، وسيأتي عليهم الدور حين لا تعد لأمريكا مصلحة فيهم حسب تعبيره، هذا صحيح ليس من الآن، بل من زمن بعيد سياسيا، فحرب الخليج الثانية حرب دول التحالف بما فيها بعض الدول العربية كمصر والسعودية وسوريا والمغرب.. للعراق أفرزت دراسات تنظيرية امتلأت بها مكتبة البيت الأبيض وأضحت خيارات قائمة لأيّ رئيس يختار المضي فيها، لقد ’وضعت بين يدي بوش الأب وخلفه كلينتون، ثم بوش الابن ولم تزل، منها ما ورد في كتاب بعنوان : الإعلام والطبيعة، كسيناريو على لسان فضيلة الصباح من الأسرة الحاكمة في الكويت إذ تقول : (( عندما كنت طالبة بإحدى جامعات سويسرا كان ذلك على ما أذكره قبل سقوط الشاه.. أعطاني أحد زملائي كتابا مقطوعا غلافه لـ سي أي إي ــ وكالة الاستخبارات الأمريكية ــ تبحث عنه وقامت بتشطيب سويسرا في 24 ساعة لإعدام أي نسخة منه، وقد أعطاني فرصة لقراءته في أربع ساعات ، كان الكتاب يتعرض لما يحدث في نهاية هذا القرن ــ القرن العشرون ــ وكاتبه كان أحد أعضاء البنتاجون، وكان عضوا في وفد القمة بين الرئيس الأمريكي والسوفيتي في ذلك الوقت... وفي الفصل الأخير من الكتاب وجدت هناك خريطة وليس عليها أثر للكويت على الإطلاق.. وشاهدت دولة صغيرة في الشمال وهي مناطق البترول في العبيدات مكتوب عليها : الدولة البترولية العالمية، وأعلامها أعلام الأمم المتحدة )) ــ 1 ــ .

هذا السيناريو لم يحدث في أواخر القرن الماضي ولن يحدث أبدا، فقد بات من غير الممكن، والسياسة فن الممكن، لأنه غير مستوف للوعي على القوى الروحية التي تعمل في الشعوب والأمم وتهزم أحيانا القوى المادية، فمن الغباء تسمية الدولة البترولية العالمية ترفرف عليها أعلام الأمم المتحدة إلا أن يراد تقسيم التركة بين دول العالم الكبرى القادرة على المنافسة وهو ما لم ترضه أمريكا، لأنها تسعى للتفرد، ومع ذلك ’وضع بين يدي الإدارة الأمريكية على غبائه.

 ولقد علمنا سياسيا عندما دخل صدام إلى الكويت رضا بريطانيا على فعلته، واذكروا إن شئتم تسكع مارغريت تاتشر في الولايات المتحدة الأمريكية دون القيام بواجب الإسراع بالسفر والعودة على جناح البرق لإدارة حدث خطير يمس دويلة تابعة لها وهي الكويت، فلماذا لم يحصل ذلك من تاتشر إن لم يكن باتفاق مع صدام أو على الأقل بإعطائه الضوء الأخضر وقد خدعته حين انقلبت ضده وسمحت فيه ورمته كما رمت أمريكا الشاه حين سار معها بعد فوات الأوان كجراذ ميت حسب تصريحه في مذكراته ؟ هذا للأسف هو مستنقع الارتباط بالأجنبي. فصدام لم يكن يسير مع أمريكا ساعتها على الرغم من جلوسه إلى السفيرة الأمريكية قبل دخوله الكويت، الشيء الذي يظهر التخلي عن المخططات واستبدالها بغيرها، يظهر تقديم أعمال وتأخير أخرى، يظهر إلغاء أعمال واستبدالها بأخرى وهذه هي السياسة الحقيقة التي تعمل على الظروف والملابسات ولا تتعلق بالخيال وهي تدرك وجود من يحلم بمثل حلمها ويعمل ضدها.

كما نقلت وسائل الإعلام المختلفة عدة سيناريوهات ’قصد تسريبها من مراكز الاستخبارات الغربية قصد حلحلة الأوضاع السياسية، وجس نبض الشارع العربي والإسلامي وقد شبعوا حتى باتوا مطمئنين إلى عدم جدواه، فلم يعد يقف في وجههم بحسب نظرهم دولة تعرقل مخططاتهم من شرق أوسط كبير إلى جديد.. ولقد وقع اختيارهم على تغيير نظام الحكم السعودي  إلى دولتين وسيفعلون قريبا ولا ضرورة أن يكون التغيير بدولتين، دولة روحية دينية تأخذ الحجاز وتتدثر بمكة والمدينة فتعيش على الصدقات والسياحة الدينية، ودولة دنيوية تأخذ تهامة والعبيدات وكل البقع التي يقبع فيها البترول، ولن يشفع لمنبطح انبطاحه.

ووقع اختيارهم أيضا على تغيير النظام الليبي ولن يشفع للقذافي باخرة الشعب والأمة المثخنة بأسباب العز والتي قدمها ولاء وعربونا على حسن النية، ومع ذلك سيطوّح به، ولن يحكم سيف الإسلام ولا خنجر الإسلام بعده.

وقد استثني من طرفهم الداعي إلى التعقل حسني مبارك، إذ كلما أصاب العرب والمسلمين رزء، وألمت بهم مصيبة من طرف أمريكا بادر إلى فرملة شعبه بخرافة التعقل، استثني هذا الرجل ليس لمحبتهم فيه، بل لفراغ الساحة السياسية من نماذج مثله ومثل السادات، فولده تقبل به أمريكا، وقائد المخابرات تقبل به أيضا، ولكن ذلك ضدا على إرادتها لخوفها من الشعب المصري الرافض للرجل وأبيه ولقائد المخابرات، وعليه اختارت استمرار الوضع المباركي عند غيابه أو تغييبه حتى تتمكن وعلى مهل من صنع عميل يستطيع جمع أكبر قدر ممكن من الشعب المصري حوله حتى لا تتحرر مصر من التبعية والهيمنة التي يكرسها الحاكم الحالي والذي سيخلفه.

هذه السيناريوهات إذا أرادت أمريكا السير فيها فستخطو إلى جانب حكامنا. ستخطو إلى جانب حاكم هيأ بلده وروّض شعبه على التلذذ بالخيانة وإتقان فن الانبطاح. على الحاكم أن يسير ويساير مخافة الوقوع فيما وقع فيه صدام حسين وهو إرهاب فظيع، يتجلى هذا قبل الإعدام، يتجلى في وقت اعتقال صدام وإظهاره بالمظهر الذليل وكأنه يستعطي في أبواب الجيران أو على قارعة الطريق ليهرع معمر القذافي تحت الخوف ليزف باخرة محمّلة بالمواد الكيماوية وهي ملك للشعب الليبي، ويقدمها إلى اللصوص الدوليين في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب قاطبة ظنا منه أنه ناج، لا والله، لا بد أن تبسط أمريكا يدها على بترول ليبيا بعد تفاهمها عليه مع بريطانيا، ولن يكون ذلك بحضور القذافي وأعوانه، سيطاح به وسيقدم للمحاكمة وقد ’يعدم وهذا المرجح لأن رقبته مثل رقبة كل الحكام العرب ضخمة الاستذراع، والدماء أهرقت في ليبيا للمعارضين، وفي كل البلاد العربية، وربما لا ’يعدم.

وإذن فإن إعدام صدام حسين رسالة واضحة أكثر من رسالة سجنه وهيئته التي أرغم على الظهور بها لوسائل الإعلام. الحالة الأولى أثارت الخوف من مغبة معارضة سياسة أمريكا. والحالة الثانية أسكنت الرعب والإرهاب في قلوب الذين يرفضون أمريكا، ولكنهم لا يملكون إلا استرضاءها والسير في مخططاتها مع التسليم التام لإرادتها، ويا ليتهم ينجون من استعمالهم ذرائع يصعد فوقها عملاء تخفيهم جهد المستطاع حتى تعود بجنودها إلى بلادها وتضمن وصول الغلال حتى باب بيتها وهذا شبه مستحيل لاستفحال المقت والكراهية لها من طرف الشعوب المستضعفة وأحرار العالم.

لم يقرروا إعدام صدام إلا بعدما يئسوا من طاعته؛ علما بأنه قد ذاق العمالة الأمريكية وسار فيها، ولكن سرعان ما عاد إلى العمالة القديمة لأوروبا ممثلة في إنجلترا وهذا ليس سرا، ثم انقلب على الجميع، ولم يحسن تحصين نفسه بشعبه، ظن أن القوة العسكرية دون التوافق مع نفس الجيش على قضايا كبرى تخص الشعب العراقي هي لب الحصن، فالشعب إذا لم يعتبر قضايا الحاكم قضاياه فسيتركه لمصيره، للمصائب، لن يتخذ معه إجراء الحياة أو الموت في منازلاته، وقد يسلمه، وهذا هو واقع الحكام العرب والحكام القائمين على الأمة، يعادون من كان أولى بهم أن يحبوه ويحتموا به ويتركوا قضية المناصب للأمة ذاتها، فالمسألة ليست مسألة مناصب تورث، ولا مقاعد تقتعد، أو جاه يلحق، المسالة مسالة شعب وأمة يقومان بفكر مستنير، وعلى فكر حضاري متميز، ويتحركان لإيجاده والحفاظ عليه بكل غال ونفيس.

لا يقلق الغرب اليوم بزعامة أمريكا إلا إذا ’نصّب حاكم، أو نَصّب نفسه في بعد عن التبعية والعمالة، لا يقبل بذلك ولن يسمح به، يقوم بأعمال تمكنه من القضاء عليه كما هو الحال في أفغانستان والمحاكم الشرعية بالصومال اليوم ــ تتلقى المحاكم الإسلامية الصومالية في هذه اللحظات ضربات موجعة بيد الإثيوبيين، وقد تكون مميتة بعدما تراجعت أو أرغمت على التراجع، ويبدو لي أنها كحركة بذوات معلومة إلى زوال قريبا جدا، ولكنها بفكرتها قائمة، وقد تجد متكتلين جددا ينهضون بها مرة أخرى باسم آخر ــ ، أو ربطه بدولة تابعة أو حاكم عميل يضمن سيره في الخط المرسوم كما كان من انقلاب سوريا الذي لم يهدأ للغرب بال حتى تم ربطه بمصر عبد الناصر تحت مسمى الوحدة العربية، عندها اطمئن مادامت سوريا تسير في نفس اتجاه مصر العميلة بحكامها للولايات المتحدة الأمريكية منذ ارتباطها بها عن طريق الزعيم المزوَّر جمال عبد الناصر.

يظهر في رسالة بوش إمكانية الخروج من قبضة العمالة والتبعية، ويظهر فيها أيضا سيناريو المصير،لأن قوى ضعيفة وبإمكانيات بسيطة استطاعت هزم أمريكا في العراق، وهذا بات واضحا بحيث وصل الأفراد والجماعات إلى مستوى من القدرة على الوقوف في وجه مخططات الكبار وإفشالها، والنماذج ليست من العراق وحده، بل من خارجه أيضا؛ في لبنان والصومال التي بدأت الاستعانة بإثيوبيا للقضاء على  المحاكم الإسلامية التي لم ترتبط بعد بأية جهة خلافا لحزب الله المرتبط بإيران وسوريا، وهذان الأخيران يسيران وهما على وشك الدوران في دولاب العجلة الأمريكية.

كان يمكن أن يتم ربط المنفلتين بعملية سياسية تتقنها بريطانيا وليس أمريكا. أمريكا تعتمد على الغطرسة، مغرورة بقوتها، بينما بريطانيا كشعب صغير لا بد له من المناورة واللعب على التوازن وخلق الأوضاع الشاذة والسليمة والجديدة من أجل أخرى غيرها؛ يتم استهدافها، فمثلا ماذا يضير السياسيين الغربيين بزعامة أمريكا أن يتركوا حماس لشأنها مادامت ترتمي في أحضان دول معروفة بعمالتها لأمريكا ؟ ماذا يضير لو ترك لحماس قولها أن المفاوضات شأن السلطة الفلسطينية وليس شأن حماس ؟ ماذا يضير لو أن ممارسة الضغط وقفت عند حد يبدو منه أن حماس ستتحول إلى قوة سياسية لا تملك من المقاومة شيئا؛ هذا إذا تم إدراك ذلك ؟

ولا يعني هذا أنني أدعو إلى أن يتم التعاطي مع حماس بهذا المنظور، كلا، ما كنت منافقا، ولن أكون أبدا، فحماس يجب أن ترمي بالحكومة الفلسطينية، وقد دعوتها إلى ذلك منذ تقلدها المنصب في مقالات لي منشورة لحرقتي على ضياع المقاومة وتدجينها بيد أناس سقطوا، ولا زلت أدعوها إلى العودة إلى خيار المقاومة.

الرسالة موجهة إلى الحكام العرب بوجه خاص. وليست أمريكا في عجلة من أمرها، فما يوجد في العالم العربي من حكام سواء كانوا مورِّثين للحكم أم لم يكونوا لا يعرقل سير أمريكا، بل يساعدها بالضغط عليهم لملاحقة المعارضين للهيمنة الأمريكية بحجة الإرهاب أو ما شابه، ولكن مع ذلك تحذرهم وتنبههم وكأنها تريد أن تقول لهم : لا يغرنكم هزيمتي في العراق من طرف أفراد وجماعات لا يملكون مثل ما أملك من أسلحة الدمار الشامل، فلا تتخذوا ذلك ذريعة تنقلبون بها علي وتتحرروا من تبعيتي.

لقد أعدمت أمريكا جميع الحكام العرب بإعدامها لصدام حسين، أعدمتهم وتركتهم يتحركون حركة المذبوح في يوم الذبح لأضحية العيد، وهو توقيت لافت.

 

ب ــ وأما الجانب الروحي الصليبي فهو أمر عَقَدي يعقد عليه قلب بوش المتدين. فلا يخفى على أي متتبع تطرف بوش في تدينه، فهو رجل مهووس بقراءة العهدين القديم والجديد، يتحمس لنبوءات التوراة  والإنجيل بقراءة تجعله يعيش أحلام اليقظة، ولكنها لا تقتصر على أحلام مجرد أحلام، كان يمكن اقتصارها على ذلك لو كان الرجل بعيدا عن تحمل المسؤولية، ولكنه في مركز هام جدا يتربع به على كرسي الدولة الأولى في العالم فصارت دولة متجبرة بتجبره، طاغية بطغيانه، إرهابية بإرهابه.. فهو يقرأ الإنجيل يوميا، لا تفته صلاة ولو على متن طائرة مدنية، أو مروحية عسكرية، ضعيف العقل في التعاطي مع الأساطير التي تؤثر عليه فينهض لتمثيلها.

وما قام به من إعدام لصدام حسين بتوقيت ليس فيه ما يشير من قريب أو بعيد إلى جانب سياسي يرجو ركوبه لغاية ما كالتي توخاها من إرسال مسئول الأمن القومي قبيل الانتخابات النصفية لإملاء حكم الإعدام على صدام حسين لاستثماره لصالح الحزب الجمهوري فتم النطق بالحكم ولم ينفد في تغيير الناخب الأمريكي ولم يعدم صدام، حينها كان هناك ما يبرر تلك التمثيلية، ولكن اليوم لا يبدو في الساحة حاجة إلى استثمار حكم الإعدام، فلماذا أعدم صدام إذن ؟

أعدم صدام ليكون رسالة صامتة متحركة موجهة إلى كل المسلمين في العالم، كتبت بمداد من الحقد الصليبي طفح على جبين بوش ولم تكن لديه نية في التستر عليه، لأن الرجل عقائدي، فبرافو Bravo ويستحق الغبطة عليه، ولكن ليس كلية لوقوفه الصلب من منطلق عقيدته، يحاسب غيره إن هو سلك مثله في الاتجاه المعاكس. وحين كان من الغباء ركوب غباء أغبى منه ومركب كالذي ركبه وكان رسالة ناطقة سنة 2001 بإعلانه الحرب الحضارية والصليبية على الإسلام والمسلمين وكان لا بد من تحاشي مثل تلك التصريحات وتجنبها ليس تلقائيا، بل استجابة تحت ضغط يرجح كفة المصالح الأمريكية ويرفعها على كل العقائد، فاستجاب حينها وتراجع قولا وليس فعلا رغم غطرسته المعروف بها، وعناده الصلف، فجاء إعدام صدام حسين رسالة مقيتة يدل بها على نفس مريضة تختار عيدا للمسلمين فتزف إليهم نبأ إعدام ليس هذا ظرفه، وليست هذه مناسبته، وذلك بعد وقت قصير جدا من محاكمته، وتسليم الأمريكيين له إلى أيد كشف الإعلام أنها طائفية.

حصل الإعدام وهو بشرى صليبية كان من اللباقة أن تحصل بعد أسبوع واحد على الأقل ، هذا بالنسبة لمن لا يتعامل سياسيا بعقلية صليبية، أما وقد حصل من بوش ذلك، فقد ركب غروره وبلاهته، وساعده على ذلك حكام سلبيون، وشجعه إحساسه الفوقي الظاهر، وتطرفه الديني الصليبي النتن فأبى إلا أن يبعث بالإعدام رسالة يجعل عيد رأس السنة الميلادية عيدا لافتا ومتميزا لن ينساه ولن تنساه له الصليبية والصليبيون، لأنه قد يغيظ به المسلمين في يوم ذبح الأضحية وكأنه يريد أن يقول لهم : أنتم الجويم، فمن لا يطيعنا نذبحه ونختار موعد نحره أن يكون يوم الزينة، وأن ’يحشر الناس ضحى، يريد تذكيرنا بما جرى لأهل العهد القديم.

 

   ثالثا : ركوب الطائفية.

 

ت ــ وأما ركوب الطائفية العنصرية فقد ظهرت منسجمة مع الحقد الصليبي، ذلك أن الذين أعدموه كانوا من الطائفة الصدرية، أعلنوا عن طائفيتهم زمن تنفيذ الإعدام بشيء من الحقارة، فعدوّك وقد تمكَّنتَ منه واستحق القتل في نظرك ’يقتل وكفى، أما أن ’يلحق ذلك بطقوس فهي شبيهة بطقوس ذبح المسلمين في الأندلس قديما، وشبيهة بذبحهم على يد الصرب بمباركة النيتو، فَـ (( أواخر القرن العشرين يشهد لنفس العنصريين الصرب، ولنفس المنظمات الدولية نفس السيناريو ولكن في جهة أخرى، جهة الألبان، نفس الشيء يحصل ولا مغيث ولا مجير حتى يتحقق ما يراد، وإلى 24 ــ 03 ــ 1999 م لم تشهد كوسوفو تدخلا عسكريا لمساعدة المدنيين العزّل من ألبان كوسوفو من مذابح الصرب ومجازرهم، بحيث استمر الأطلسي طول الفترة يندد ويتوعد، استمر يعقد اللقاءات ويقيم الاجتماعات موازاة مع مشاهدته المذابح والمجازر.

وحين بدأ القصف الجوي بالتاريخ المذكور أعلاه، واستمر أحد عشر أسبوعا لم يكن إلا لرفع إيقاع المذابح والمجازر وتسريع مستويات الذبح والتقتيل والتنكيل والتهجير.. وكذلك كان حيث تم العثور على مقابر جماعية لمدنيين مسلمين بمجرد بدء انسحاب القوات الصربية. تَمّ ذبح مسلمي ألبان كوسوفو بمباركة أطلسية غير معلنة، لم يكن تدخلهم إنسانيا كما يزعمون، فالقيمة الإنسانية والقيمة الروحية والقيمة الخلقية لا قيمة لها من وجهة النظر الغربية، كان تدخلهم لاحتلال كوسوفو وإرغام الصرب على القبول باتفاق فبراير 1999م ( اتفاق رامبوي )، ويبدو أن هناك أهداف غير معلنة لعل أبرزها الوصول إلى احتواء روسيا خصوصا حين قبلت على مضض أن تكون تحت قيادة الأطلسي، وكذلك رغبة هذا الأخير الوقوف على تخوم الصين على امتداد حدودها سواء عن طريق كشمير أو غيرها.. )) ــ 2 ــ 

طقوسهم تتشابه في العراق وغيره، وفي كثير من السجون العربية، كل ذلك يدل على خسة نفس وجنون عقل. فقد جلس الرهبان في ساحة باب الرملة في غرناطة سنة 1529 ليحضروا تنفيذ حكم الإعدام في مسلمَيْن خالفا قانون حظر الختان والاغتسال والاستحمام.. وحين جاءوا بهم إلى الساحة وقد كانت مليئة وكان يومهم مهرجانيا ضاحكا منتشيا.. هيئوا لهما نارا مستعرة رهيبة في الوسط ورموا بهما في قلبها وكأنهم يعيدون سيناريو إحراق إبراهيم في مملكة بابل، يتلذذون بسادية أبت إلا أن تظهر على هذه الطائفية الصدرية، وسؤالي : لماذا تم تسليم صدام لمقتدى الصدر لينفذ فيه حكم الإعدام ؟

معلوم أن مقتدى الصدر طائفي متعصب دموي كالوطواط، وهو عدو لأمريكا حقيقة، ولا مستقبل له في المشهد السياسي العراقي، ولكن مصالحه قضت أن يسير معها ليس اختياريا، بل مرغما، فقد قاتل أمريكا ولم يزل، وقاتلته أمريكا ولم تزل، فهو صعب المراس، كثير التعقيد، بعقلية سلطوية إلهية، ولكن القوة هي التي تكفل إدخاله شرنقته، وله عداء عائلي مع المرجع الشيعي البارز في العراق السيد: السيستاني، ومع ذلك يسير معه، وعليه فهو مع السيستاني وعليه، ومع بوش وعليه، وفي الطرف المقابل يفور حقدا وكراهية للبعثيين ولغير طائفته، ولذلك يمارس أنواعا من التعذيب لم يمارسها أحد من قبله. ولما كان بهذه الشراهة للدم، وبهذه الشراسة للقتل فقد اختاره بوش على عداوته له ليشفي غليله في عدوه هو أيضا وعدو أسرته دون أن يكون لذلك ظرف سياسي يحقق مكسبا لأمريكا.

جاء إعدام صدام حسين صليبيا عنصريا لإشباع روحي مرغوب فيه في قلب بوش .

جاء الإعدام بقرار أمريكي خالص لا قيمة أمامه للدعايات، فلا القضاء العراقي كان نزيها، ولا المحاكمة كانت نزيهة، ولا أمريكا اختارت مرة أخرى الحديث مع  صدام واستمالته  للعب دور ما في المستقبل، فجاء إعدامه للتفرج على ردود الفعل داخل العراق وخارجه والتي من خلالها يمكن فتح باب للولوج إلى الحل، أو على الأقل اختيار باب غيره للمرور منه إلى شرق أوسط جديد بعدما سد عنها باب لبنان، أو عجن الدمى العراقية لعلها تصيغ دمى أكثر نضارة يقبل بها الشعب العراقي.

شرب بوش نخب أعياد الميلاد ومعها نخب قتله لصدام.

رقص فرحا بأعياد الميلاد التي جاءت؛ وعناية معبوده ترعاه، ووحيه له يوجهه فبات فرحا.

فهنيئا لك يا أنقى رجل في العالم، ويا أشرف كائن وأرحم إنسان على وجه الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 1 ـ كتاب: الإعلام والطبيعة. تأليف : محمد محمد البقاش. الطبعة الأولى: 2001 م. منشورات الجيرة. السحب: مطبعة المجاهد طنجة. صفحة: 70 .

ــ 2 ــ كتاب : وجه العالم في القرن الحادي والعشرين ( دراسة مستقبلية للمؤسسات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية ) تأليف : محمد محمد البقاش. الطبعة: الأولى 1999م. منشورات الجيرة. السحب: مطبعة مصلحة الطباعة طنجة. صفحة:59.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home