مقال

 

الخروج من التيه الثقافي

خالد جوده



الأدب رافد رئيس من روافد الثقافة ، ومكون أصيل من مكونات الحضارة ، ولا ترقي أمة من الأمم إلا إذا ارتقت آدابها ، كما أن الرقي الحضاري يعني في الوقت ذاته رقي آداب هذه الأمة ، فالأدب هنا سبب ونتيجة في الوقت ذاته ، وإذا نظرنا إلي الأدب في الوطن العربي نجده انعكاسا لهذا المنظور ، فانحدار الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تبعه بلا شك انحدار النواحي الثقافية ( وفي جملتها الأدب )
وإذا كانت الثقافة تعاني ركودا شديدا ، فإن الأدب يعاني ركودا أشد ، فنادرا ما تقرأ أعمال الأدباء علي مجال واسع ، ونادرا ما توزع كتب الأدب والمجلات الأدبية أكثر من نسخ قليلة ، وجوانب مخازن الكتب تضج بالآف النسخ من تلك الإصدارات المهملة ، والحياة الأدبية أصبحت مجالا للشللية ولفئات  واحدة مسيطرة لا تترك مجالا لغيرها ، وأصبحت الأحقاد وحجب المنابر عن الأدباء الآخرين هي السمة الغالبة

،  ولعل تعبير القاصة ( نعمات البحيري ) يوافق الحقيقة عندما قال : " منتجي الأدب هم مستهلكوه " ، أحيانا احضر ندوات أدبية ممتازة لمناقشة أعمال أدبية جادة فلا أجد إلا بضع أفراد لا يزيدون عن عشرة أفراد بالكثير ، واتصال جوانب الحياة يؤكد أنها حلقة واحدة ، لذلك كان الأدب ضرورة لا ترفا ،

ويكفي للتدليل علي ذلك أن الأدب يدخل في نطاق التنمية البشرية وبناء كينونة الإنسانية في الإنسان ،

يقول الأستاذ / عباس خضر : " لو نظرنا إلي مكونات المواطن الصالح لرأيناها جميعا تخضع للأدب ، ولا يتم تمامها إلا بالأدب ، ونقصد بالأدب الحي المنشود الذي هو غير متوفر تماما كما يلزم في هذه الظروف مع شدة الحاجة إليه "

وفي ثنايا القضية المشار إليها  إلماحا إلي طرفي المعادلة المؤثرة في الأدب من حيث من يقوم بإنتاج الأدب ومن يقوم بتلقي هذه الآثار الأدبية ويتفاعل معها ،سواء علي مستوي النقاد بالكشف وتحقيق التواصل المنشود بين المبدع والمتلقي ، أو علي مستوي القراء بأصنافهم المختلفة الإيجابي منهم والمتلقي السلبي ،  وقد ذكرنا كيف انصرف الناس عن القراءة والفاعليات الثقافية والفكرية بوجه عام ، وكيف طحنتهم  شواغل الأيام ومتطلبات المعاش ، اضافه لما تضمه النظم التعليمية والتربوية في المجتمعات العربية من قصور شديد لا ينجم عنه إلا شخوصا يعانون من الأمية الثقافية ، وتباعد بينهم وبين الملكات الأدبية ، ويجعل النفور قائما بينهم وبين الابتكار وحب البحث والمعرفة ، وطبعا لن نتحدث عن أثر الأمية بصفة عامة وندرة وجود المكتبة في المنزل ، وضعف أداء المكتبات العامة والمؤسسات الثقافية ، والفساد الذي يضرب أعطاف الثقافة من كل جانب فهو واقع لا شك فيه .

والطرف الآخر من المعادلة هو ضعف ثقتنا في أنفسنا ، وانبهار طائفة من النقاد والأدباء بأضواء الثقافة الغربية ، فنجد أنهم انصرفوا بوجوههم وقلوبهم إليها ، ينهلون من معينها ، وينقلون نقلا حرفيا بلا تفاعل أو تحقيق ما يناسب بيئتنا وأحوالنا ، ولن اتحدث حول غرائب ما ينتجونه من أعمال مبهمة بدعوى التطوير والتحديث ، والغارقة في الغموض ، وتعاني من أسقام الوجدان ، وضلال الأفكار ، ولست هنا جلادا يحاكم ويصدر أحكامه ،

بل أكتفي بنقل ما قاله د . عبد العزيز حموده في كتابه الرائع ( المرايا المحدبة من البنيوية إلي التفكيك ) بتصرف :
"  وقفت منذ السنوات الأولي ، منذ الثمانينيات علي وجه التحديد أمام كتابات البنيويين العرب ، أو الحداثيين العرب ، بإحساس ظل حتى وقت قريب مزيجا من الانبهار والشعور بالعجز .... العجز عن التعامل مع هذه الدراسات البنيوية ، وفهم أهدافها ، بل فهم وظيفة النقد ذاته في ظل المصطلحات النقدية المترجمة والمنقولة والمنحوته والمحرفة التي أغرقونا فيها لسنوات ... والتي كانت تبعدني – وما زالت حتى اليوم – عن الأعمال الأدبية موضوع المناقشة ، بدلا من أن تقربني منها ، فقد كنت أقف أمامها في عجز كامل عن فك طلاسمها أو " شفرتها " " ويمضي الكاتب في توضيحه ونقضه لتلك المزاعم وأثبت أنها لا تنتسب إلينا ولا تعانق ثقافتنا وهويتنا ، وهذا اللون من الكتابة يمكن ان نسميه " الضحك كالبكاء " فما أن تقرأ تلك الطلاسم والألغاز حتى تصاب بنوبة ضحك مر ،

أذكر مرة أني حضرت ندوة لشاعر كبير وظللنا نستمع إليه قرابة الثلاث ساعات ، وكانت قصائده طويلة جدا تستغرق القصيدة الواحدة حوالي النصف ساعة ، ولم أفهم شيئا ، والفقرة الوحيدة التي قالت شيئا قريبا مما يستوعبه ذهني كانت بلا معني ، الأغرب أن هذه الفقرة بالذات هي التي انبعثت بعدها أهات الإعجاب والتصفيق الحاد ( ولا أعرف حتى الآن لماذا ؟!! )
بالتالي عندما يتباعد الأديب عن اللغة السهلة ويرنو إلي التعقيد والغموض واستغراقه الكامل في ذاتيته وتهويماته يصاب العمل الأدبي بالقصور في الإيصال ، رغم أن مهمة اللغة الإيصال ، فينشأ حينها تلك الأسوار العالية بين الأدباء وجمهورهم ، مما يفقد الأدب ركنا أساسيا له بل هو الماء الذي فيه يتنفس ، وهو تفاعل الناس مع هذا الأدب ، فيحيا في عزلة تؤدي إلي اندثار معناه .

وأخيرا لا أود أن أكون ممن يجلدون ذواتهم ويروجون ( لثقافة القهر ) علي حد تعبير الروائي والناقد / فؤاد مرسي ، لكن عمدت لذلك لتشريح هذا الواقع الصعب ، ويبقي دائما الدور الأهم للناقد والأديب والقارئ المثقف ، نريد فعلا أن نخرج من تلك الوهدة بمزيد من الإنتاج والعمل وتأكيد الأصالة والدفاع عنها ، وفي ذات الوقت نقبل الآخر الثقافي ونتعامل معه ونستفيد منه ونتحاور معه ، وننقل الأدب من أبراجه القاسية إلي أذهان وقلوب الناس ليؤدي دوره المنشود دائما في الإمتاع والإنتفاع ، وينقلهم إلي مواقف جديدة وأفكار جديدة وعوالم جديدة تسكنها البهجة ، كما تسكنها الأوجاع ، ويحركهم نحو الأداء المتميز والمثمر  في الحياة .

 


 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home