القلم الفكري

 

ايران في نيوورك .........لعبة الزمن

رابح فيلالي




ايران في نيويورك ...لعبة الزمن
 
 رابح فيلالي


عندما أقر مجلس الأمن  الدولي قرارا بالاجماع يقضي بفرض عقوبات ضد الجمهورية الاسلامية في إيران لم تكن  الصورة النهائية للمحصلة الايرانية سلبية في التعاطي مع التوازنات الدولية تجاه ملفها النووي .
 
لقد كان واضحا ومنذ بداية الأزمة النووية الايرانية أن حكومة طهران تتعامل مع الحدث من خلال استراتيجية متمركزة حول طبيعة الأهداف التي تريد التمكين لها في المرحلة القادمة بتوصيفها المتوسط المدى والبعيد المدي في نفس الوقت.
 
عندما أطلقت ايران مشروعها كان الاعتقادالأساسي لدى سادتها هو الرهان على أمرين أولهما توسيع مساحة الزمن قدر المستطاع عن طريق تدوير المفاوضات في نقاط زمنية محددة ولابد من اتقان وبالامتياز المطلوب هنا لعبة التصريحات والتصريحات المضادة للديبلوماسيين الايرانيين في مواجهة الديبلوماسية الغربية المتعددة الأدوات والأوجه والأساليب وأما الأمر الاخر الذي راهن عليه الايرانيون هو استغلال جميع حالات التفكك التي يمكن أن تحدث في الموقف الغربي من المسألة الايرانية خاصة بين عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وهو الأمر الذي نجح الملالي في طهران في الاستفادة منه عبر كافة مراحل التفاوض المختلفة التي شهدها الملف الايراني .
 
لقد ظل الأوروبيون يراهنون على قناعة القدرة في التوصل إلى اتفاق ملموس مع الايرانيين طالما استمر الاستعداد للتفاوض من الجانبين مع تركيزهم على مسألتي التفاوض بالنيابة عن الولايات المتحدة الأميركية وثانيا التحدث إلى ايران كمجموعة أوروبية متداخلة المصالح وموحدة الرؤية تجاه هذه القضية التي يمكن اءعتبارها انها قضية السنة الديبلوماسية بامتياز.
 
نجاح الطرف الأوروبي في تحييد المواجهة الايرانية والأميركية المباشرة لم يعمر اكثر مما أتيح له من الناحية الزمنية عندما ابتعدت ايران عن القبول بكافة الصيغ التوفيقية الأوروبية والتمسك بخندقها من خلال التعامل الى معطيات مفادها أن الطرف الأوروبي في المحصلة  طرف من الدرجة الثانية إضافة الى الاعتقاد الايراني أن المواجهة الحقيقية سوف لن تكون مع الوكلاء بل يجب أن تكون مع الطرف المعني مباشرة .
 
لكن الرؤية الايرانية  لا تقتصر فقط على شكل المواجهة واجبار الخصم الأميركي على الانخراط المباشر في الأزمة بل العمل في الوقت ذاته على  إحاطة الرؤية الأميركية بالكثير من العناصر الضاغطة التي من شأنها أن تجعل مسألة التفاوض النووية تضع الأطراف المعنية على خط واحد على الأقل من حيث الحاجة إلى تحقيق المكاسب وتفا دي الخسائر.
 
الايرانيون عمدوا الى ذلك عن طرق توسيع الحركة الديبلوماسية النشطة في بقية العالم من خلال البحث عن أصدقاء جدد في  بقية العالم وهؤلاء الأصدقاء هم أولئك الذين يختلفون في الرؤية والتصور والمصالح عن الولايات المتحدة ولذلك وجد الايرانيون ضالتهم مثلا في الرئيس الفنزويلي "هيجو شافيز" الذي زار ايران مكررا انتقاداته القاسية للجيران الأميركيين من على منابر العاصمة طهران .
 
الأمر الاخر الذي اتبعه الايرانيون تمثل أيضا في إرسال المزيد من التطمينات إلى الأصدقاء في القارة الأسيوية  عن طريق تنويع وتكثيف الزيارات الى العاصمة الروسية موسكو والرهان على مسالة قدرة الطرف الروسي على إبداء المزيد من الفهم للطموحات الايرانية مع محاوالاستفادة دائما من اية نية روسية في سبيل اتخاد أية خطوة إلى الوراء في الموقف الروسي للتمايز عن الموقف الأميركي إلى الدرجة التي بدا معها في أكثر من مناسبة أن الطرف الروسي أقرب إلى الحديث باللسان الايراني المتزن في غياب الاتزان بالجملة في الموقف الرسمي الايراني .
 
أما الأمر الثالث الذي راهن عليه الايرانيون هو إبداء المزيد من التفتح تجاه الجوار الخليجي ومحاولة إسقاط كافة المخاوف التي تحيط بالمسألة من خلال الزيارات  العالية المستوى إلى كل من الكويت وقطر والتواصل مع القيادات السعودية.
 
الايرانيون فضلوا هذه المناورة الديبلوماسية على اعتبار أن منطقة الخليج العربي بالنسبة للاستتراتيجية الاميركية مسالة في غاية الحساسية بالنظر الى الطبيعة النفطية الممتازة للمنطقة وبالنظر أيضا الى أنها منطقة مصالح ونفود تقليدي لايقبل النقاش بالنسبة للسياسة الاميركية .
 
ولكن هذه المحاولة الايرانية الجادة لم تلغ الكثير من المخاوف الخليجية القوية من المساعي الايرانية ولذلك ظلت دول الخليج في حالة ترقب دائم وقريب من جميع تفاصيل الأزمة النووية الايرانية خاصة في العاصمة واشنطن .
 
في اثناء ذلك أيضا لم يغفل الايرانيون ممارسة المزيد من عناصر التشويش على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية من خلال  مواصلة العمل في بغداد بالطريقة التي تجعل الطرف الأميركي سيحتاج حتما في حالة البحث عن تسوية هناك اءلى مساعدة الطرف الايراني وبالمناسبة هو نفس الاعتقاد الذي يحرك دمشق وهذه خلفية محورية في التقارب السوري الايراني هذا بالاضافة الى التشويش المتواصل عل الاميركيين في لبنان وبدرجة اقل في الأراضي الفلسطينية .
 
 
من الناحية العملية يعتمد الايرانيون على ترسيخ الاعتقاد بأن حسم المسائل في  الشرق الاوسط يستحيل أن يكون في غيابهم بل ويعتقدون أكثر من ذلك أن الظرف الحالي  تاريخي بامتياز في سبيل إعادة تكريس دورهم كلاعب إقليمي لايمكن إسقاطه من حسابات الخاضر والمستقبل .
 
أما في الطرف الاخر فالمسألة على الأقل من الناحية الاستراتيجية منتهية من حيث أن الولايات المتحدة الاميركية تنظر إلى المسالة على أنها تهديد مباشر  لمنطقة الخليج العربي خزانها النفطي الخلفي وهي مسألة لايمكن أن تقبل القسمة على اثنين من وجهة النظر الأميركية إضافة إلى أن المسألة على صلة مباشرة بأمن اسرائيل والتوازن العسكري الاقليمي والموقف في غاية الوضوخ عندما يقول الاميركيون أن الأمن الاستراتيجي لاسرائيل مسألة فوق النقاش وهذه مسألة تتجاوز كل الانقسامات السياسية الداخلية أمريكيا .
 
إضافة إلى أن الأميركيين سعوا إلى تقديم المسألة الايرانية من زاوية أن  تحول إيران الى قوة نووية هي مسألة فيها تهديد مباشر للأمن العالمي من حيث التوازن وانتقال موازين القوة إلى ضفة خارج المراقية والرضا الغربي بصورة عامة .
 
هذه الحقائق المتصلة بالملف لا تلغي حقيقة أن الايرانيين ساعون وماضون في مشروعهم النووي وهو الأمر الذي أعلنوه رغم إعلان المجموعة الدولية فرض عقوبات على طهران ولكنه اعلان قوبل بإعلان اخر من الايرانيين  هؤلاء لايريدون فيما يبدو إعطاء فرصة الاحساس بالانتصار الديبلوماسي للطرف الاميركي في المعادلة الدولية في عناصرها المعلنة على الأقل ولكن في كل الحالات الايرانيون راهنوا على  الزمن وهو الرهان الذي حقق الكثير من الأهداف حتى الساعة على الأقل أما بشأن المرحلة المقبلة فالأكيد أن كلا الطرفين سيبحث في أدوات المرحلة بالتفاصيل والعناوين التي ستكون هي أيضا مختلفة بكل تأكيد حينها فقط سيكون لنا حديث اخر .
                                                
                                      




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home