القلم النقدي

 

من قضى على من؟

عامر المخزومي



مَنْ قضى على من ؟


عامر المخزومي/ أكاديمي عراقي

 

في المحنة العظيمة التي يرزح تحتها العراق، يتهم بعض العراقيين، عاديين أو مثقفين أمريكا في المصائب التي حلت به، ويلعنونها، ويسبونها، ويعلقون كافة الأخطاء على شماعتها. بينما يتهم البعض الآخر الطابور الخامس \"العراقي\" لأنه فتح أبواب العراق لها، ومكنها من السيطرة على العراق، وأخذ يساعدها على تدمير البنية الأساسية وإبادة العراقين، أطفالاً ونساءً ورجالاً، وتعذيبهم، واغتصاب فتياتهم، وتشريدهم، وإخلاء البلد منهم.

فمن المجرم من هذين العدوين؟ وإن اشتركا بالجريمة فمن يتحمل الوزر الأكبر؟
لا أدافع عن أمريكا قط. فقد ارتكبت قواتها في العراق وفي كل مكان دخلته ما لم يمكن الدفاع عنه، لكني أرى أن قصر اللوم عليها خطأ شديداً. لا بل أكثر من ذلك فأنا أتفهم موقفها. كلنا نعلم أن أمريكا دولة استعمارية، رأسمالية. والرأسمالي لا يشبع من الربح قط. ولذا فهي تريد استعمار الأجزاء الغنية من العالم كله، وتريد نهب الثروات أينما وجدت، والعراق بلد نفطي غني، ويهم أمريكا السيطرة عليه ونهبه.

لكن أمريكا لا تستطيع تنفيذ ذلك من دون عملاء تشتريهم، من دون جواسيس يقدمون لها الأخبار، من دون طابور خامس يمهد لها الطريق. من دون ودون ودون الخ. أمريكا تعتمد على المعلومات وتزنها بالدولار وهي مستعدة لحشو فم أكبر حوت في العالم بالدولارات إن رأته يقدم لها ما تريد من خدمات.

وهنا تقفز إلى الذهن عملية أزلية موجودة في كل مكان وزمان، هي عملية البغاء، فطالب المتعة الحرام لا يستطيع أن يجد ضالته من دون ديوث يقوده إلى المتعة! فهل نلوم طالب المتعة أم الديوث؟

في هذه النقطة يصبح الجدل بيزنطياً. قسم يقول إن أمريكا \"طالب المتعة الحرام\" بريئة والطابور الخامس \"الديوث\" هو المسؤول، فلولاه لما استطاعت أمريكا تدمير
العراق. وقسم يقول إن الطابور الخامس بريء ولو لم يتعاون معها لغزت العراق بالرغم منه. أنا مع الذين يلومون الديوث والطابور الخامس فكلاهما وجهان لعملة واحدة.

لنرجع إلى أخبار الأمس وإعدام صدام.

جاء في الأخبار أن المالكي أخذ رأي السيستاني في توقيت إعدام صدام، وتلك نقطة محيرة جداً، فما علاقة السيستاني في أمر يبدو للإنسان العادي بعيداً عنه غاية البعد! السيستاني إيراني ورجل دين، وإعدام صدام أريد له ظاهرياً من قبل الطرفين المسيطرين على العراق \"أمريكا والطابور الخامس\" أن يبدو شأناً عراقياً، وإعدامه لا علاقة له بإيران ولا بالدين. فلماذااستشار المالكي السيستاني؟
ولماذا أعلن المالكي عن هذه الاستشارة وتعمد أن يعرف بها الجميع؟

لنرجع قليلاً إلى الوراء ولننظر في المقدمات. نشر أحد الكتاب المجهولين \"أحمد الخفاف\" قبل الغزو الأمريكي للعراق بأيام بضع مقالات في غير موقع ألكتروني يكاد يلخصها القارئ باقتضاب مفادها أن ما سيجري في العراق شبيه بما جرى أثناء سقوط بغداد على يد هولاكو. ذلك السقوط المدوي الذي لم تقم بعده قائمة للعراق والعراقيين والحضارة العربية الإسلامية منذ فجر التاريخ حتى الآن. كان عدد سكان العراق كما يذكره المؤرخون نحو ثلاثين مليوناً قضى معظمهم بسيوف التتار والطابور الخامس. وتكدست الجثث في البيوت والشوارع، ونتن الجو، وتلوث الماء وغادر من اختفى وبقي حياً بغداد إلى مدن أخرى. ثم بدأت المرحلة الثانية في التدمير فقد أخذ الطابور الخامس على عاتقه نقل ملايين الكتب ورميها بالترع المحيطة ببغداد كي تمحى الحضارة العربية الإسلامية إلى الأبد.

أشاد الخفاف بنصر هولاكو على العراقيين، ودافع عنه دفاع النعجة عن جزارها، وبشّر فرحاً العراقيين بما سيحصل لهم من ويلات ومصائب، ولم ينسَ الخفاف تبرئة سيده القديم ومثله الأعلى، ابن العلقمي نافياً عنه صفة الخيانة والعمالة ورئاسة الطابور الخامس، وتقديمه بغداد والحضارة العربية هدية لهولاكو، وحاول أن يرمي اللوم كل اللوم على آخر الخلفاء العباسيين، مذكراً الجميع بأن هناك فتوى من المرجعية الشيعية التي يقف على رأسها ابن طاؤوس الحسني. تقول الفتوى بأن الكافر العادل \"هولاكو\" أفضل من الحاكم المسلم\" المستعصم لدين الله.

ولأن الكاتب \"أحمد الخفاف\" مغمور ولم يسمع به أحد فلم يتنبه الكثير له، لكنه كشف عن موقعه بعد الغزو وأعلن أنه الناطق الصحفي لـلمرجعية الشيعية\"آية الله السيستاني\"، وهذا يعني أنه لم يكن ينطق عن الهوى، وأنه يمهد لاستباحة وإفناء العراق بيد الإحتلال الأمريكي تحت مظلة مرجعية \"آية الله العظمى\" السيستاني، كما مهد له رأس الشيعة ابن عصفور حينما أفتى فتواه الشهيرة باستباحة العراق لهولاكو وجنده.

ومن مجرى الأحداث بدا أنه هناك رمزان قويان للحكم في عراق ما بعد صدام. الأول هو السلطة الأمريكية ممثلة ببرايمر، زاد، الجنرال أبي زيد، القوات الأمريكية، أما الثاني فهو السيستاني وطابوره الخامس. وعندما طلب المالكي منه رأيه في توقيت إعدام صدام أراد أن يعلن للجميع انه \"أي المالكي\" لا يد له في الإعدام، فحتى توقيت الإعدام يجري بأمر من له الأمر، وما هو إلا بيدق صغير يمكن استبداله بغيره ولا يفعل إلا ما يؤمر.

إذن فعلينا أن نزن الأمر بميزان صحيح. لا شيء يحدث في العراق من دون تخطيط السيستاني أو أمره أو توجيهه. لو أراد السيستاني إيقاف القتل العشوائي للأبرياء، لتوقف القتل. لو لم يخطط السيستاني لفرق الموت لما وجدت، لو لم يخطط السيستاني لإفراغ بغداد من سكانها لما هرب أي إنسان. لو لم يأمر السيستاني بجلب الملايين من إيران لما جاؤوا، لو لم يخطط لتزييف الانتخابات لما حدثت.

وهنا علينا أن نقارن بين بعض الحقائق التي رأيناها ونراها الآن، بين صدام المعدوم الذي كان حاكماً للعراق، والسيستاني الذي خلفه في حكم العراق من وراء ستارة سوداء.

صدام: ديكاتور عراقي. فردي. طاغية. جعل من العراق سجناً كبيراً، لكنه يؤمن بشيء اسمه العراق، ويحبه ويدافع عنه، وكان مستعداً للموت في سبيله. وهو عراقي أصلاً، ولادة وحسباً ونسباً ولغة وعادات.

السيستاني: رأس المرجعية الشيعية. إيراني. يكره العراق والعراقيين ويحقد عليهم وعلى تاريخهم الذي لم تر الحضارة الإنسانية مثيلاً له زمن الدولة العباسية. وهو يخطط لإزالة العراق من الوجود، و إلحاقه بإيران. قتل السيستاني في نحو أربع سنوات ضعف ما قتل صدام في ثلاثين سنة. سكت على اغتصاب العراقيات من قبل جنود الاحتلال وكان بإمكانه إيقاف ذلك. أباح القتل على الهوية، أباح تهجير العرب من فلسطينين ومصريين ومغاربة وسوريين وسودانيين من العراق وقتلهم واغتصاب نسائهم وفتياتهم أينما وجدوا، أباح نهب بيوت العراق، أباح، وسكت عن الكثير، الكثير، الكثير. فمن منهما أكثر إجراماً؟ ومن يستحق المحاكمة والشنق بعد صدام؟

صدام: صريح، يقول ما يعنّ بذهنه. لا يخشى أحداً.

السيستاني: غير صريح. يؤمن بالتقية. لو أن فتواه المتقدمة تلك باستباحة العراق صدرت منه وليس من احمد الخفاف الموجود خارج العراق، لانتقم منه آلاف العراقيين قبل صدام. لكنه رضع التقية وقول ما لا يؤمن به منذ القماط أباً عن جد حتى آدم.

إذن فالأمور تجري في العراق وفق الخطة التي رسمها عدو العراق الأكبر السيستاني، والتنفيذ يجري في أتم ما يكون، ولقد صدق الخفاف فيما طرحه، بأن ما سيحدث في العراق شبيه بما حدث بعد هجوم المغول، لأننا نراه أمامنا، ففي كل ساعة يقتل عراقي بريء، وتغتصب عذراء، ويموت تحت التعذيب رب عائلة لا يد له فيما يحدث، وتهجر عائلة من بيتها. ولذا لم أفاجأ أنا أو غيري، عند إعدام صدام قط. صدام فرد، والفرد يزول عاجلاً أو آجلاً. ولم يكن صدام بجيد أو بريء قط، لكن السيستاني وبيادقه أسوأ منه وأكثر إجراماً بحق الشعب العراقي فمتى يحاكمون؟

لقد وقع السيستاني بأخطاء جلى لا مثيل لها، ستنقلب إلى نيران تأكل الشعب
العراقي:

1- لم يوفر محكمة عادلة لصدام. لو فعل ذلك لما أسف أحد على صدام، ولما حكم عليه العراقي البسيط بأنه أسوأ من صدام. تولد في سنوات الخراب هذه أن محاكم صدام على سوئها أكثر عدالة من محاكم السيستاني. فلم يقتل صدام أي محام دافع عن متهم، بينما قتل السيستاني خمسة محامين دافعوا عن صدام. ولن يستطيع أحد بعد الآن أن يصف السيستاني بالورع والتقوى والصدق والعدالة وعدم الانحياز، فهو بعيد عنها بعد الأرض عن السماء.

2- لم يستفد بيادق السيستاني وجنوده وأعوانه: المالكي، الجعفري، صولاغ،
العامري، البولاني، الصدر، العسكري الخ، من مصير صدام. فهم ماضون في تنفيذ خطته في الذبح والقتل العشوائي، والاغتصاب، والسرقة، والتهجير، وتدمير البيوت على رؤوس أهلها، ونهب ثروات العراق، واقتسامها مع إيران، تاركين الشعب العراقي يقتله الجوع والبرد وانعدام الوقود.

3- الوحشية والقسوة التي ظهر بها بيادق السيستاني وأعوانه ومريدوه. كيف تمكن خمسة عشر رجلاً منهم حضور الإعدام؟ أي سادية لئيمة! هذا يعني أن الانتقام والوحشية والحقد ضارب في أعماقهم حتى العظام. في وقت ينادي فيه مثقفوا العالم وأحراره بمنع تنفيذ أحكام الإعدام.

4- أثبت السيستاني أنه بعيد عن الإسلام، وروحه وتعاليمه، فنحن في الأشهر الحرم، وفي بداية العيد الإسلامي الأكبر. لقد صدق من قال إن المتعاونين مع المغول لا دين ولا إسلام ولا ضمير لهم ولا إنسانية.

5- هل يشرف السيستاني وبيادقه أن الذين أعلنوا عن فرحتهم هم الصهاينة وبوش ومجموعة من المجرمين لا يتجاوزون أصابع اليد؟

لم أحزن على صدام قط، لأني رأيت مئات الأبرياء يقتلون تحت التعذيب وعلى أيدي مرتزقة صولاغ وغيره من البيادق الصغيرة، لكني حزين على رؤية العراق يحترق شيئاً شيئاً، ولا أستطيع أنا أو غيري إطفاء شيء من الحريق. وأخشى ما أخشاه أن أفتح يوماً عيني فلا أرى شيئاً اسمه عراق، لا أرى غير عمامة السيستاني السوداء تظلل العراق أجمعه، فيا لبؤس العراق من الحاقدين على العراق!




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home