دراسات هامة

 

علم الدلالة العربي والسيمياء الحديثة

نعيمة فرطاس



علم الدلالة العربي والسيمياء الحديثة

الأستاذة نعيمة فرطاس*


مقدمة:
     السيمياء حقل معرفي واسع, حيث إنها اصطلاحا "كلمة منقولة عن الانجليزية, يعبر عنها بمصطلحين اثنين هما:(semiotics)  و (Semiology), وهذان المصطلحان منقولان عن المصطلح اليوناني (Simion) أي الإشارة"(1).
     وتعرف على أنها"علم الإشارة الدالة مهما كان نوعها وأصلها, وهذا يعني أن النظام الكوني بل  ما فيه من إشارات ورموز هو نظام ذو دلالة"(2).
     وكان أول من قدم مصطلح (سيميولوجيا) هو الفيلسوف ج.لوك J.LACKE (1632-1704)      في إطار الفلسفة النظرية للغة, في حين أن الميلاد الرسمي كان على يد الفيلسوف والمنطقي الأمريكي تشارلز سندرس بيرس Charles Sanders Peirce  (1839-1914), الذي رفع من قيمة هذا العلم     وجعله "ذلك العلم الذي بإمكانه أن يدرس ويستوعب مختلف العلوم بما أن لبعض الدلائل مؤولات نهائية ذات طبيعة معرفية وعقلية"(3), إيمانا منه أنه بإمكان السيمياء أن توحد بين مختلف العلوم, شأنها شأن الفلسفة في أوج تألقها.
     وقد حاول ش.س.بيرس أن يجعل من السيمياء علما مستقلا بذاته, لكن تنوع موضوعاتها وتشعبه حال دون ذلك, فاتخذ هذا العلم منحى آخر بظهور كتاب "دروس في اللسانيات العامة Cours de linguistique générale" للساني السويسري فرديناند دو سوسير Ferdinand De Saussure (1857-1914), الذي روج له بمنظار لساني لا فلسفي مثلما فعل بيرس, ومع ذلك فإن جميع المنشغلين بهذا العلم يتفقون على أن السيمياء بمفهومها الواسع تهتم بالعلامة signe بمختلف أنواعها,  وسنركز على تصنيفات بيرس للعلامة, كونها انتشرت انتشارا واسعا, وأثرت في الأبحاث التي جاءت من بعده, كما أنها من ناحية أخرى على صلة وثيقة بعلم الدلالة sémantique كما طرحه العرب,    و بخاصة تقسيمه الثلاثي للعلامة, الذي سيأتي ذكره:

تصنيفات بيرس للعلامة:
     يقسم بيرس العلامة إلى ثلاث ثلاثيات:
أ- وفقا لعلاقة العلامة بموضوعها Object ( المرجع, المشار اليه référent):
     يمكن أن نطلق على أقسام المجموعة الأولى هذه المصطلحات (الرمزsymbole, المؤشر index, الأيقونة icône)(4).
     أما الرمز فكما يقول بيرس "هو إشارة تقود إلى الشيء الذي تدل عليه بفعل قانون يتكون عادة من تداع عام للأفكار وتحدد ترجمة الرمز بالرجوع إلى هذا الشيء"(5).
    والعلامة /الرمز هي علامة مجازية' لشيء هو في الواقع لا ارتباط له بالشيء المرموز اليه, فمثلا: العلامة المجازية للميزان تدل على  الفكرة المجردة للعدالة.
     والأيقونة في نظره "إشارة تحتفظ بخصائصها المعنوية, حتى لو لم يكن مرجعها موجودا,      في حين إن الرمز يفقد صفته الدلالية إذا فقد تفسيره, كما هو الحال في الجملة العادية التي إن كانت تحمل معنى, فلأننا نعطيها هذا المعنى"(6).
     والمؤشر هو"علامة تحيل إلى الشيء الذي تشير اليه بفضل وقوع فعل هذا الشيء عليها        في الواقع"(7). ومن الأمثلة التي يعطيها بيرس عن العلامة/المؤشر خطوة البحار المتأرجحة التي تدل  على مهنته, والغيوم الكثيفة التي تدل على المطر, وارتفاع درجة حرارة الجسم التي تدل           على المرض,...
ب- وفقا لماهية العلامة:
     نطلق على أقسام المجموعة الثانية هذه المصطلحات (العلامة المفردة sinsigne, العلامة الحرفية légisigne, العلامة النوعية qualisigne)(8).
     إن العلامة/المفردة هي "الشيء الموجود أو الواقعة الفعلية التي تشكل علامة. و لا يمكنه أن تكون علامة إلا عبر نوعيتها, ولهذا فهي تتضمن علامة عرفية. أو بالأحرى علامة عرفية متعددة. وتتميز هذه العلامات العرفية بخصوصيتها فهي لا تشكل علامة إلا عندما تتجسد فعليا"(9).
     يمكن أن نمثل ذلك "بالنصب التذكاري والصورة الشمسية وعرض مرض معين"(10).
     أما العلامة/العرفية (قانون النمط), ف "هي عرف Law يشكل علامة, وينشئ البشر هذا العرف على العموم, وكل علامة متواضع عليها فهي علامة عرفية (وليس العكس), وليست العلامة العرفية موضوعا واحدا, بل نمطا عاما قد تواضع الناس على اعتباره دالا"(11), فحينما نقول عن صفحة كتاب ما, إنها تحتوي على 250 كلمة. تكون (Le) عشرين منها, فإن الكلمة دليل مفرد. أما باعتبار الطريقة التي تستعمل بها في أغلب الأحيان لفظة (كلمة), فإننا حين نقول إن (Le) كلمة و(Un) كلمة أخرى, فان الكلمة دليل/قانون.(12)
     والعلامة/النوعية (الصفة) هي"نوعية Quality تشكل علامة. ولا يمكنها أن تتصرف كعلامة حتى تتجسد, ولكن التجسيد لا يرتبط إطلاقا بطبيعتها من حيث كونها علامة"(13).
ج- وفقا لتصوير المفسرة interprétant (المدلول, الفكرة):
     في المجموعة الثالثة نجد المصطلحات الآتية (حجة argument, مقول disent, خبر rehma)(14).
     الحجة عملية عقلية. قد نقر أو ننفي بها شيئا بين أمرين, و "العلاقة الحجية علاقة عقلية, فهي إما صادقة وإما كاذبة, إلا أنها لا تترك المجال لفحص أسباب صدقها أو كذبها"(15). كأن نستنتج على أن هناك نارا من رؤية الدخان المتصاعد.
     أما المقول إخبار يتصل بموضوع الدليل, ويشتمل بالضرورة على خبر باعتباره جزء لا يتجزأ منه(16), والدليل/المقول دليل إجباري, يمكن أن يكون صادقا أو كاذبا, فإذا قلنا: (الحديد معدن (()الحديد يتمدد), فان هذه القضية صادقة, أما إذا قلنا: (الجو غائمنزول المطر), فيحتمل أن تكون هذه القضية صادقة أم كاذبة.
     والخبر "دليل بسيط أو معوض و هو ليس لا صادقا و لا كاذبا"(17). ويقابل تقريبا الحد المنطقي بمنظور كلاسيكي, وللتمثيل نأخذ هذه القضية (كل جزائري إفريقي), فكلمة (إفريقي) في هذه القضية عبارة عن خبر أو حد terme.
     مما سبق ذكره, يمكن أن نضع هذا الرسم المبسط, لتصنيفات بيرس للعلامة:


* كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية
                                                                       قسم الأدب العربي
                                                                  جامعة محمد خيضر -بسكرة- الجزائر

 

 

                                                

 

 

 

 

 

 

 


     أو نضمنها هذا الجدول:

مفسرة
موضوع
مصورة
^ (**)
خبر
إيقونة
علامة/نوعية
مصورة
مقول
مؤشر
علامة/مفردة
موضوع
حجة
رمز
علامة/عرفية
مفسرة


علاقة السيمياء بعلم الدلالة العربي:
     لقد شدت السيمياء انتباه الباحثين أول أمرها عن طريق علم الدلالة sémantique, فبمجرد إجراء مقارنة بسيطة بين تعريف الدلالة عند العرب و السيمياء عند بيرس, لا نجد اختلافا كبيرا, وبخاصة تعريفه للعلامة, حيث يقول: "العلامة أو المصورة representamen هي شيء ما ينوب لشخص ما عن شيء بصفة ما. أي إنها تخلق في ذهن ذلك الشخص علامة معادلة أو ربما علامة أكثر تطورا, وهذه العلامة التي تخلقها أسميها مفسرةinterprétant  للعلامة الأولى. إن العلامة تنوب عن شيء ما وهذا الشيء هو موضوعها وهي لا تنوب عن هذا الموضوع من كل الوجهات بل بالرجوع إلى نوع من الفكرة سميتها سابقا ركيزة ground المصورة"(18).
     أما الدلالة عند السيد الشريف الجرجاني -على سبيل المثال لا الحصر- فهي "كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر, والشيء الأول هو الدال, والثاني هو المدلول"(19), بمعنى أنها تقوم على علاقة ازدواجية بين الدال و المدلول, ثم الملتقى الذي يقوم بتفسيرها, وكذلك السيمياء عند بيرس تنطلق من التركيب الثلاثي للعلامة (موضوع, مفسرة, مصورة).
 

   ويذهب العرب إلى تقسيم الدلالة إلى قسمين متمايزين, وفقا لهذا التخطيط المبسط:(20)

  

 

 

 

 

 


     الدلالة الوضعية هي "الدلالة الاتفاقية المتعارف عليها, بمعنى جعل شيء بإزاء شيء آخر, بحيث إذا فهم الأول فهم الثاني"(21), وهو ما يتطابق مع دلالة الرمز عند بيرس.
     أما الدلالة العقلية "دلالة يجد العقل بين الدال والمدلول علاقة ذاتية ينتقل لأجلها منه إليه"(22). أي أن يستلزم أحد المعلومين وجود الآخر, مما يتيح لها أن تتساوى مع دلالة المؤشر.
     والدلالة الطبيعية دلالة "يجد العقل بين الدال و المدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه"(23), كدلالة الحمرة على الخجل, فتتفق بذلك مع الأيقونة القائمة على وجود تشارك بين الدال والمدلول.
     مما سبق, يمكن أن نضع هذا الجدول:
 
أقسام الدلالة
بيرس

الرمز
الأيقونة
المؤشر

وضعية
طبيعية
عقلية
العرب
 
     بحيث إن الرمز () يشير إلى المساواة بالتقريب.
      إذن فالعرب وبخاصة المناطقة, لم يكونوا بعيدين عن بيرس في تحديدهم للدلالة, وان اختلفت المصطلحات, وتباينت المنطلقات, إلا أنه "رغم الوضع التطوري الذي عرفته نظرية الدلالة عبر تاريخها الطويل, كان العرب أول من وضع تصورا تكمن فيه أولى الأسس لنظرية الدلالة"(24), كما تشهد على ذلك مؤلفاتهم.

هوامش:
(1)- بيير جيرو: علم الإشارة السيميولوجيا. تر: منذر عياشي, طلاس للدراسات والترجمة والنشر, دمشق, ط1,
                  1988, ص09.
(2)- المرجع نفسه.
(3)- حنون مبارك: دروس في السيميائيات, دار توبقال, الدار البيضاء, 1987, ص80.
(4)- ينظر: كير ايلام: "العلامات في المسرح", تر: سيزا قاسم, في كتاب أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة                        
 (مدخل إلى السيميوطيقا), دار الياس العصرية, القاهرة, 1986, ص142.
(5)- بسام بركة: "الإشارة (الجذور الفلسفية والنظرية اللسانية)", مجلة الفكر العربي المعاصر, مركز الإنماء القومي,
 بيروت, ع30/31, س1984, ص51.
(6)- المرجع نفسه.
(7)- كير ايلام: مرجع سابق, ص252.
(8)- ينظر: المرجع نفسه ص141.
(9)- المرجع نفسه.
(10)- حنون مبارك: مرجع سابق, ص54.
(11)- شكري عياد: "مراجعات: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة", مجلة فصول, الهيئة المصرية العامة
                    للكتاب, القاهرة, ع04, س1986, ص169.
(12)- حنون مبارك: مرجع سابق, ص55.
(13)  شكري عياد: مرجع سابق, ص169.
(14)- ينظر: كير يلام: مرجع سابق, ص143.
(15)- حنون مبارك: مرجع سابق, ص58.
(16)- المرجع نفسه. ص58.
(*)- يشير هذا الرمزإلى دلالة الاستلزام.
(17)- المرجع نفسه, ص57.
(**)- يحمل هذا الرمز (^) دلالة الوصل La conjonction.
(18) - سيزا قاسم: "السيميوطيقا: حول بعض المفاهيم والأبعاد", في كتاب أنظمة العلامات في اللغة والدب
    والثقافة, ص26.
(19)- فايز الداية: علو الدلالة العربي, ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر, ص08.
(20)- ينظر: عادل فاحوزي: علم الدلالة عند العرب (دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة), دار الطليعة للطباعة والنشر,
             بيروت, لبنان, ط1, 1985, ص15.
(21)- المرجع نفسه.
(22)- المرجع نفسه, ص23.
(23)- المرجع نفسه, ص24.
(24)- عاطف القاضي: "علم الدلالة عند العرب (السيمياء)", مجلة العربي المعاصر, مركز الإنماء القومي, بيروت, 
 ع17/18, س1982, ص133.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home