دراسات هامة

 

الأمثال في الأدب الجاهلي

محمد سلطان



أبدع وأكثر العرب في ضرب الأمثال في مختلف المواقف والأحداث فلا يخلو موقف من حياتنا العامة الا ونجد مثل ضرب علية وأيضا لا تخلو خطبة مشهورة ولا قصيدة سائرة من مثل رائع مؤثر في حياتنا .

فالأمثال أصدق شئ يتحدث عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليتها , و تقاليدها وعاداتها , ويصور المجتمع وحياته وشعوره أتم تصوير فهي مرآة للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية والدينية واللغوية , وهي أقوي دلالة من الشعر في ذلك لأنه لغة طائفة ممتازة , أما هي فلغة جميع الطبقات .

ولقيت هذه الأمثال شيوعا لخفتها وعمق ما فيها من حكمة وإصابتها للغرض المنشودة منها , وصدق تمثيلها للحياة العامة ولأخلاق الشعوب , قال النظام  : يجتمع في المثل أربعة لا يجتمع في غيره من الكلام إيجاز اللفظ وإصابة المعني وحسن التشبية وجودة الكتابة فهو نهاية البلاغة (1) .

والأمثال في الغالب أصلها قصة أي الموقف الأصلي الذي ضرب فيه المثل يكون قصة أدت في النهاية إلي ضرب المثل , والفروق الزمنية التي تمتد لعدة قرون بين ظهور الأمثال ومحاولة شرحها أدت إلي احتفاظ الناس بالمثل لسهولتة وخفته وتركوا القصص التي أدت إلي ضربها .

وفي الغالب تغلب روح الأسطورة علي الأمثال التي تدور في القصص الجاهلية مثل الأمثال الواردة في قصة الزباء ومنها " لا يطاع لقصير أمر , ولأمر ما جمع قصير أنفه – بيدي لا بيد عمرو " .

وكذلك الأمثال الواردة في قصة ثأر امرئ القيس لأبية ومنها : " طيعني صغيرا وحملني ثأره كبيرا – لا صحو اليوم ولا سكر غدا – اليوم خمر وغدا أمر " .

وربما يستطيع المحققون بجهد أن يردوا بعض هذه الأمثال لأصحابها و مبدعيها فمن حكماء العرب عدد كبير اشتهر بابتكاره  وإبداعه الأمثال بما فيها من عمق , وإيجاز , وسلاسة , يقول الجاحظ : " ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي وربيعة بن حذار وهرم بن قطيعة وعامر بن الظرب ولبيدبن ربيعة " (2) وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي وعامر بن الظرب العدواني , فأما أكثم فكان من المعمرين (3) , ويقال انه لحق الإسلام وحاول أن يعلن إسلامه فركب متوجها إلي الرسول صلي الله علية وسلم , غير أنه مات في الطريق , وتدور علي لسانه حكم وأمثال كثيرة , وقد ساق السيوطي في المزهر طائفة منها نقلا عن بن دريد في أماليه , وهي تجري علي هذا النسق (4) :

" رب عجلة تهب ريثا  . ادرعوا الليل فان الليل أخفي للويل . المرء يعجز لا محالة . لا جماعة لمن اختلف . لكل امرئ سلطان علي أخيه حتى يأخذ السلاح , فانه كفي بالمشرفية واعظا . أسرع العقوبات عقوبة البغي " .

وعامر مثل أكثم يدخل في المعمرين (5) , ويقال انه " لما أسن واعتراه النسيان أمر ابنته ان تقرع بالعصا إذا هو فه (فه : حاد وجار وانحرف ) عن الحكم وجار عن القصد و بنته كانت من حكيمات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان وهند بنت الخس وقال المتلمس في ذلك :

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا               وما علم الإنسان إلا ليعلما "

ولكن أمثال العرب لم تأتي علي مثل هذه الدرجة من الرقي والانضباط الأسلوبي , مثل التي جاء بها أكثم وعامر , بل ان كثيرا من الأمثال الجاهلية تخلو من التفنن التصويري , وهذا بطبيعة الأمثال فأنها ترد علي الألسنة عفوا وتأتي علي ألسنة العامة لا محترفي الأدب , فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها علي القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل أعط القوس باريها ( بتسكين الياء في باريها والأصل فتحها ) , وأيضا ( أجناؤها أبناؤها ) جمع جان وبان والقياس الصرفي جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع علي أفعال وهذا يثبت أن المثل لا يتغير بل يجري كما جاء علي الألسنة وأن خالف النحو وقواعد التصريف (6) .

وبعض الأمثال يغلب عليها الغموض ويدل تركيبتها علي معني محدد لا تؤدي إليه الكلمات المفردة ومن ذلك قول العرب ( بعين ما أرينك ) أي أسرع . ولم يكن هذا النوع من الأمثال هو الوحيد بل هناك أمثال صدرت عن شعراء مبدعين وخطباء مرموقين فجاءت راغبة الأسلوب متألقة بما فيها من جماليات الفن والتصوير مثل أي الرجال المهذب فهذا المثل جزء من بيت للنابغة يضرب مثلا لاستحالة الكمال البشري والبت :

ولست بمستبق أخا لا تلمه                 علي شعث أي الرجال المهذب 

والأمثال في الأدب الجاهلي يصعب تميزيها عن الإسلامي . لاختلاطهما ببعض عند الرواة والمؤلفين , ولكن ما يشير إليه من حادث أو قصة أو خبر مما يتصل بالجاهلية يساعد علي معرفه الجاهلي وتمييزه من الإسلامي مثل : ما يوم حليمة سر ( وحليمة بنت ملك غسان ويضرب هذا المثل للأمر المشهور الذي لا يكاد يجهل ) وقد يدل علي جاهلية المثل أن يكون مخالفا لتعاليم الإسلام ومبادئه مثل : انصر أخاك ظالما أو مظلوما  , واليوم خمر وغدا أمر .

 والأمثال إما حقيقية أو فرضية فالحقيقة : لها أصل وقائلها معروف غالبا والفرضية ما كانت من تخيل أديب ووضعها عل لسان طائر أو حيوان أو جماد أو نبات أو ما شاكل ذلك والفرضية تساعد علي النقد والتهكم والسخرية وخاصة في عصور الاستبداد وهي وسيلة ناجحة للوعظ والتهذيب والفكاهة والتسلية مثل كليلة ودمنة وسلوان المطاع , وفاكهة الخلفاء (7) .

 

* بعض القصص الحقيقية التي أدت في النهاية إلي ضرب مثل :

 

- ( رجع بخفي حنين ) كان حنين اسكافا فساومة أعرابي علي خفين فاختلفا , فأراد حنين أن يغيظ الأعرابي , فأخذ أحد الخفين وطرحه في الطريق , ثم ألقي الآخر في مكان آخر , فلما مر الأعرابي بأحدهما قال ما أشبه بخف حنين ولو كان معه الآخر لأخذته , ثم مشي فوجد الآخر , فترك راحلته وعاد ليأتي بالخف الأول , وكان حنين يكمن له فسرق راحلته ومتاعه . وعاد الأعرابي إلي قومه يقول لهم جئتكم بخفي حنين . ويضرب هذا المثل لمن خاب مسعاه .

- ( الصيف ضيعت اللبن ) قاله عمرو بن عمرو بن عدس وكان شيخا كبيرا تزوج بامرأة فضاقت به فطلقها فتزوجت فتي جميلا وأجدبت . فبعت تطلب من عمرو حلوبة أو لبنا , فقال ذلك المثل ,ويضرب هذا المثل لمن يطلب شيئا فوته علي نفسه .

- (علي أهلها تجني براقش ) وبراقش كلبه لقوم من العرب اختبأت مع أصحابها من غزاة , فلما عادوا خائبين لم يعثروا عليهم نبحت براقش فاستدلوا بنباحها علي مكان أهلها فاستباحوهم .

- ( وافق شن طبقة ) وشن رجل من العرب خرج ليبحث عن امرأة مثله يتزوجها , فرافقه رجل في الطريق إلي القرية التي يقصدها , ولم يكن يعرفه من قبل . قال شن : أتحملني أم أحملك ؟ فقال الرجل ياجاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف تحملني أو أحملك ؟ فسكت شن حتى قابلتهما جنازة , فقال شن : أصاحب هذا النعش حي أم ميت ؟ فقال الرجل ما رأيت أجهل منك , تري جنازة وتسأل عن صاحبها أميت أم حي , فسكت شن , ثم أراد مفارقته , فأبي الرجل وأخذه إلي منزله , وكانت له بنت تسمي طبقة . فسألت أباها عن الضيف فأخبرها بما حدث منه , فقالت يا أبت ما هذا بجاهل انه أراد بقوله أتحملني أم أحملك : أتحدثني أم أحدثك . وأما قوله في الجنازة فانه أراد : هل ترك عقبا يحيا به ذكره ؟ فخرج الرجل وجلس مع شن وفسر له كلامه , فقال شن : ما هذا بكلامك , فصارحه بأنه قول ابنته طبقة , فتزوجها شن ويضرب مثلا للمتوافقين (8).

 

·       قصص خرافية علي ألسنة الحيوانات :

 

هناك بعض القصص الخرافية علي ألسنة الحيوانات صارت أمثال , وبهذا لم يكن المثل كإبداع سريع كما سبق أن رأينا وإنما يكون جزءا من شكل إبداعي أوسع والصق بعمل الخيال الخلاق , ومن هذه القصص :

-        قصة الغراب والديك :

" في الكثير من الروايات من أحاديث العرب أن الديك كان نديما للغراب , وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا , وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب , ورهن الديك فخاس به فبقي محبوسا " (9) .

وربما لهذا الغدر تشاءمت العرب من الغراب ورأته نذيرا بالفرقة والخراب ربما لأنه تسبب في فقدان الديك حريته , واستئثاره لدي البشر حتى اليوم .

-        الاحتكام إلي الضب :

أما القصة التي أبدعها  العرب لتبرير عدد كبير من الأمثال فهي قصة احتكام الأرنب والثعلب إلي الضب , وتكاد كل جمل الحوار فيها تكون أمثالا وتميزت بالحيوية , ومرح الموقف , وقصر العبارة , وسلاستها , ودقة وعمق ما فيها من أمثال , إلي جانب تعدد شخوصها وصدق التعبير عن سماتها النفسية " هذا مما زعمت العرب علي السن البهائم , قالوا إن الأرنب التقط ثمره فاختلسها الثعلب فأكلها , فانطلقا يتخصمان إلي الضب .

فقال الأرنب : يا أبا الحسل ( كنية الضب)

فقال الضب : سميعا دعوت , فقال أتيناك لنختصم اليك .

قال : عادلا حكمتما .

قالت : فاخرج إلينا

قال : في بيته يؤتي الحكم .

قالت : إني وجدت ثمره .

قال : حلوة فكليها .

قالت : فاختلسها الثعلب .

قال : لنفسه بغي الخير .

قالت : فلطمته .

قال : بحقك أخذت .

قال : فلطمني .

قال : حر انتصف ( أي اقتص لنفسه )

قالت : فاقض بيننا .

قال : قد قضيت .

فذهبت أقواله كلها أمثالا ( 10 )

وهذه كانت نظرة سريعة للأمثال في الأدب الجاهلي , فرأينا كيف كانت الأمثال في ذلك العصر , وبما تميزت به الأمثال من خفه ودقة وسلاسة وإيجاز وعمق ما فيها من حكمه وصواب رأي  , وكيف أبدعوا العرب قبل الإسلام في الأمثال , فحياتنا الآن لا تخلو من أمثالهم وحكمهم .

 

 

 

هوامش :

 

1- الأدب الجاهلي د/ محمد عبد المنعم خفاجي – دار الكتاب ص 145.

2- البيان والتبيان 1/365 .

3- المعمرين للسجستاني ص 10 والأغاني ( طبعة الساسي ) 15/70 ومجمع الأمثال 2/145.  وجمهرة الأمثال للعسكري علي هامشه 1/120.

4- المزهر للسيوطي – طبعة الحلبي .

5- العصر الجاهلي – د/ شوقي ضيف – دار المعارف مصر ص 407  .

6- من تيارات الأدب الجاهلي د/  زينب فؤاد – ص 196 جامعة أسيوط .

7- الأدب الجاهلي د/ محمد عبد النعيم خفاجي – دار الكتاب - ص 146 .

8- راجع في هذه الأمثال مجمع الأمثال للميداني و الأدب الجاهلي د/ محمد عبد النعيم – مرجع سابق – ص 150  .

9- الجاحظ : الحيوان – ج2 – ص 125, 126 ( ط الحلبي – القاهرة .

10- الميداني – مجمع الأمثال – ج 2 – ص 72 – ط السنة المحمدية – القاهرة .

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home