دراسات هامة

 

عناصر القص عند زكريا تامر بين التشكل والإيحاء

معاذ نصار



 ولد زكريا تامر في دمشق عام 1931.
تلقى تعليمه الابتدائي في دمشق ، ثم ترك التعليم ومارس مهناً عدة بينها الصحافة، كما عمل رئيساً لتحرير مجلة المعرفة، و عمل في مديرية التأليف والترجمة في وزارة الثقافة بدمشق، ورئيساً لتحرير مجلة الموقف الأدبي، ، ونائباً لرئيس اتحاد الكتاب العرب.
صدر له:
1- صهيل الجواد الأبيض - قصص قصيرة - بيروت 1960.
2- ربيع في الرماد -قصص قصيرة - دمشق 1963.
3- الرعد -قصص قصيرة - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1970.
4- دمشق الحرائق -قصص قصيرة - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1973. و 1978 ط2.
5- لماذا سكت النهر - قصص للأطفال - دمشق 1973.
6- البيت - قصة للأطفال - بيروت 1975.
7- قالت الوردة للسنونو-قصص لأطفال - اتحاد الكتاب العرب- دمشق .1977
8- النمور في اليوم العاشر - بيروت 1978.
9- نداء نوح - قصص - لندن 1994.

عناصر القص عند زكريا تامر بين التشكل والإيحاء الذي أحرق السفن )أنموذجا
القصة :
1 الاعتقال
الأشجار الخضر في الشارع كفت عن الغناء لحظة تحلق عدد من رجال الشرطة متجهمي الوجوه حول رجل يمشي على الرصيف سيفًا هرمًا، رمحًا متعبًا، آن له أن يخلد إلى الراحة بعد انتصاره في آلاف المعارك. وابتدره واحد منهم قائلاً له بلهجة فظة: (أعطنا هويتك).
فتقبّل الرجل لهجة الشرطي باستنكار، وأوشك أن يستسلم لحنق عارم، لكنه اكتفى بالابتسام باستعلاء. ومدّ يده إلى جيبه، وأخرج هويته، وقدمها للشرطي الذي ألقى عليها نظرة سريعة ثم قال متسائلاً: (أنت إذن طارق بن زياد?).
فأجاب الرجل باعتزاز: (نعم أنا طارق بن زياد).
عندئذ قال الشرطي ساخرًا: (هلا تفضلت بمرافقتنا?).
- (إلى أين?).
-(إلى المخفر).
-(المخفر! ولماذا).
-(مطلوب للتحقيق).
-(أنا أنا طارق بن زياد!).
-(لا يهمّنا من تكون. أنت الآن شخص تقضي الأوامر باعتقالك حيا أو ميتًا).
فقطّب طارق بن زياد جبينه بينما كان الدم المتدفق في شرايينه رعدًا شرسًا، غير أنه لم يكد يهمّ باستئناف سيره حتى طوّقه رجال الشرطة وأمسكوا به. فحاول الإفلات من أيديهم، فبادروا يضربونه بقسوة وتشفٍّ، حتى أرغموه على الكف عن المقاومة، وتهاوى أرضًا يغمره الخجل والدم.
2 الاستجواب
في اليوم الأول خلق الجوع في اليوم الثاني خلقت الموسيقى في اليوم الثالث خلقت الكتب والقطط في اليوم الرابع خلقت السجائر في اليوم الخامس خلقت المقاهي في اليوم السادس خلق الغضب في اليوم السابع خلقت العصافير وأعشاشها المخبأة في الأشجار.
وفي اليوم الثامن خلق المحققون، فانحدروا توّا إلى المدن، وبرفقتهم رجال الشرطة والسجون والقيود الحديدية.
(طارق بن زياد.. أنت متهم بتبديد أموال الدولة).
-(مخطئون. أنا لم أبدد أي أموال).
(ألست أنت الذي أحرق السفن).
-(حرق السفن كان لا بد منه لكسب النصر).
(لا نريد سماع أعذار. أجب عن سؤالنا فقط. هل أحرقت السفن أم لم تحرقها).
-(أنا أحرقت السفن..).
(وأحرقتها دونما إذن! لماذا لا تجيب هل حصلت على إذن من رؤسائك بحرق السفن).
-( إذن?! الحرب تختلف عن الكلام في المقاهي والشوارع).
وتأمّل طارق بن زياد بعينين مفعمتين بالازدراء والنقمة وجوه المحققين المحيطين به، ثم سألهم بهدوء: (أين كنتم وقت الحرب).
(كنا نؤدي واجبنا).
(نحن أيضًا حملنا السلاح).
فصاح طارق بن زياد بصوت نزق: (حملتم السلاح وجلستم وراء المكاتب تحتسون الشاي والقهوة وتتحدثون عن الوطن والنساء!).
فضحك المحققون، ثم تعالت أصواتهم جوفاء صارمة باردة:
(أنت خائن).
(حرق السفن كان ضربة لقوة الوطن).
(من الذي استفاد من حرق السفن لا أحد سوى العدو).
(تكلم. السكوت لن ينفعك).
(لدينا الوثائق التي تثبت خيانتك وتعاونك مع العدو).
(الشعب يعرف كيف يعاقب الخونة).
وهجم البحر والأعداء، وامتزجا بصرخة رجل: (البحر من ورائكم والعدو أمامكم).
فصاح طارق بن زياد بصوت متهدج: (ولكني أنا الذي هزم الأعداء).
فقيل له إن ما يقوله لا علاقة له بالتهمة الموجهة إليه.
(...)
3 الإعدام
هربت النجوم، فها هم أولاء قد أتوا، وفتحوا باب الزنزانة، ودلفوا إلى داخلها جرادًا جائعًا، ولم يدهشوا عندما ألفوا طارق بن زياد جثة هامدة، إنما سارعوا ينقلونه إلى ساحة المدينة، وهناك تلوا الحكم بإعدامه شنقًا، ثم سألوه عن رغباته الأخيرة، فلم يفه بكلمة، فعَدُّوا صمته دليلاً على عدم وجود ما يرغب فيه، وبعدئذ تدلى مشنوقًا.
من مواطن مثالي إلى السيد مدير الشرطة: خضوعًا لأوامركم، أرجو السماح لي بأن أموت .
التحليل :
في سعيه الدائم لبلورة رؤيةجمالية ومعرفية تتجاذبها تشكلات البنية وخصوصية الدلالة ، يحاول النص القصصي عند زكريا تامر أن يجهر بفنيته العالية عبر التفجير الموضوعي للحواجز التي تفصل بين الوظائف المعيارية والوظائف الإبداعية لعناصر القص وفقا لحضورها بهذه الكيفية في مجمل اعماله الكثيرة .
ومهما يكن , فإن الدلالة الزئبقية التي توفّرت على عناصر القص عند زكريا تامر ( الشخصية, الزمن , المكان , الحدث) جعلتنا أقرب الى تمثل الفضاء من الاستئثار بحتمية المعنى الذي لا تسوّغه إلا القراءة الأفقية بمنأى عن ربط البنية القصصية بموازيها الدلالي.
وكما العينة من ماء البحر تصلح للتدليل على ماء البحر كله , فقد كانت قصة " الذي احرق السفن" من مجموعة الرعد التي صدرت في دمشق 1970
ممثلة على نحو كبير تقنية الكتابة القصصية في معظم اعمال زكريا تامر .
لقد تجلى الحدث في هذه القصة عبر حيّز اللامعقول الفعلي جراء التفاعلات الغريبة بين الشخصيات في إطارها المكاني الذي استوعب تداخلات الزمن بأبعاده الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل .
وهذا بطبيعة الحال أسهم بخلق حالة من ميتافيزيقية السرد لصالح الموضوعية المفترضة على مستوى الدلالة .
لقد تبنت شخصية البطل دورها في هذه القصة ,ليست كصانعة فعل بل كمستقبل لأفعال الآخرين مبدية بذلك مفارقة مريرة على محور السرد قوامها التباين المأساوي بين الفعل الإيجابي للبطل التاريخي " طارق بن زياد" والفعل السلبي لرجل يمشي على الرصيف ويمارس فعله بوجوده الذي يفتقر صفة التغيير ، مما يجعله مؤهلا لحمل راية البطولة المهزومة لصالح الشرطي الذي يستفسر عن هويته ويقتاده للتحقيق بتهمة احراق السفن .
وهنا يستولي الشرطي على الفعل الإيجابي المنتظر للمتهم ويحوّله لصالحه في سياق الدلالة السلبية على الدفاع المشبوه عن هيبة الدولة التي يحرسها الشرطي بعد أن خانها "المتهم" طارق بن زياد.
والحقيقة ان الإطار الزمني لشخصية طارق بن زياد في فضاء النص تسهم في إلباسها ثوب البطولة السلبية لأن الزمن الماضي وهو الزمن الفعلي لشخصية المتهم تم استدعاؤه ليكون طارئا تحت سقف الزمن الحاضر مما يجعله بعيدا عن سياقه الموضوعي الذي يكسبه تألق الفاعلية في إطارها الإيجابي .
الزمن الماضي : إحراق السفن = فعل بطولي .
الزمن الحاضر : احراق السفن = تهمة خيانة الدولة وتخريب ممتلكاتها.
إن استخدام زكريا تامر لتقنية الهدم الزمني على مستوى القص , انطوى على مفارقة التميز بين الزمنين في ظل الخصومة الشديدة بطرفيها : الشرطي ممثل الزمن الحاضر والمتهم ممثل الزمن الماضي.
ورغم ذلك فإن اجتماع الزمنين على هذا المحور تشي باللعقلانية في هذا الحاضر وتدينها .إذ إن همزة الوصل بين الزمنين القمعُ وما يترتب عليه من انتهاك لحصانة القيم الإيجابية التي يحاكمها الشرطي بقسوة .
وليس ثمة شك أن زكريا تامر لم يستدعِ الشخصية التاريخية لطارق بن زياد بمواصفاتها التاريخية , حيث إن ذلك يتعارض مع معاينتنا لدلالة الشرطي التي سنتعرض لها لاحقا , لكنه يستدعيها بصفتها ممثلة لحالة إشراق حضاري يخدم تميز الإنسانية في مرحلة من مراحلها .
في المشهد الثاني من القصة تتبلور الدلالة التي توفرها شخصية الشرطي على نحو اوضح :
في اليوم الأول حلق الجوع !
في اليوم الثاني خلقت الموسيقى .
في اليوم الثالث خلقت الكتب والقطط ..
في اليوم الرابع خلقت السجائر .
في اليوم الخامس خلقت المقاهي .
في اليوم االسادس خلق الغضب .
في اليوم السابع خلقت العصافير وأعشاشها المخبأة في الأشجار .
وفي اليوم الثامن خلق المحققون , فانحدروا توا إلى المدن وبرفقتهم رجال الشرطة والقيود الحديدية .
" السلطة تتنتظر الخنوع والتسليم المطلق من الآخر .. ولذا كان الغضب , قبل مجيء المحققين والشرطة.. والفضب سيكون رد فعل عكسي تجاه رغبة السلطة في إخضاع الآخر .وهذا ما استدعى حضور المحقيقين والشرطة .
لقد جاء هذا المشهد ممثلا لحالة القمع التي تستهدف دائرة الاكتمال الجمالي بالتقويض والهدم , وهذا ما يؤشر عليه نصيا، خلق المحققين بعد خلق العصافير وأعشاشها "المخبأة في الأشجار " مباشرة,خوفا من تخريبها والانقضاض عليها بعد اكتمالها . إن في ذلك موازاة فعلية لخلق الكون واكتماله في سبعة أيام ، وإذا كان زكريا تامر يريد إقامة هذه المعادلة بالفعل - فإن شخصية الشرطي تمارس حضورها الفعلي بتقنية الهدم لما خلقه الله مكتملا .
ومن هنا ، فإن الإنسان يكون الضحية الوحيدة وهو يتشظى بين حقيقة الولاء لله وحقيقة الخوف من سلطة الشرطي والمحققين .. عندئذ يسقط خاسرا للاثنين معا , وعلى هذا النحو .. يتشارك في السلطة على الإنسان اللهُ والشرطي .
في هذا السياق يصبح الحكم على المتهم بالموت قتلا مفيدا لحالة إشراق حضارية بالنسبة للشرطي ، لأن هذه الحالة لم تتحصل بفعله ولكن بفعل السلطة الاخرى.
واخيرا فإن تزامن اللحظة الماضية مع اللحظة الحاضرة على هذه الخلفية العدائية سيؤدي بالضرورة الى إطفاء بريق الامل في الزمن المستقبلي ليصبح الحاضر بقسوته وسوداويته منطلقا إلى الأمام الزمني الذي تنتحر فيه المثالية ، حيث المتسع أضيق من الاعتراف بحضورها ، وهذا ما يشي به المقطع الخامس من القصة الذي يأتي كرسالة من مواطن مثالي إلى مدير الشرطة :
" خضوعا لأوامركم ، ارج السماح لي أن اموت "
وهكذا تبلور الخاتمة قناعة زكريا تامر بالموت مقابل التخلص من سلطة الإله الأرضي .
 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home