مقال

 

حوار مع المسرحي المغربي أحمد بلخيري

أحمد طايل



 
قضايا مسرحية

حوار مع المسرحى المغربى....( أحمد بلخيرى).......

حوار أجراه (أحمد طايل) .....كاتب مصرى

* المسرح هو المرأة الحقيقة للتعرف على الشعوب ولفهم الشخصيةالتى يقع المسرح بدائرتها ...المسرح ملف به الكثير والكثير من القضايا التى طرحنا البعض منها مع الكاتب والناقد المسرحى  المغربى (أحمد بلخيرى)....محاولة بسيطة للابحار بعالم المسرح الرحب والواسع والممتد بلا نهاية.......................
===========================================================

*. حدثنا عن البدايات... كيف كانت..*من كان وراء موهبتك .. *والظروف الحياتية التي ساعدت على بلورة وتأصيل هذه الموهبة وأهم المحطات بها.

كانت بداية اهتمامي وارتباطي بالمسرح في الجامعة لما كنت طالبا جامعيا، ثم تعمق هذا الاهتمام والارتباط خلال مراحل التعليم الجامعي. لقد وجدت في المسرح ذاتي، فهو فن يمتزج فيه الفن والفكر، ولذلك يحقق متعة مزدوجة: متعة فنية ومتعة فكرية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مسرحية "الصفقة" لتوفيق الحكيم كانت ضمن المقرر الدراسي في المرحلة الجامعية الأولى، وبالنظر إلى القضية الاجتماعية التي تتطرق إليها المسرحية وأسلوب المعالجة الدرامية، فقد عمقت في نفسي هذه المسرحية حب المسرح. هذا علاوة على توجيهات وشخصية أستاذي الدكتور محمد السرغيني الباحث المدقق وأحد رواد الشعر الحر بالمغرب. أضف إلى ذلك قراءاتي للمسرحيات والكتب المتعلقة بالثقافة المسرحية التي استمرت من تلك الفترة إلى يومنا هذا، فضلا عن مشاهداتي للمسرحيات التي بدأت مع جمعيات مسرح الهواة بمدينة فاس، المدينة التي تابعت فيها دراستي الجامعية (كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس). قادني هذا الحب وهذا العشق إلى إنجاز عدة بحوث كلها تتعلق بالمسرح.

أما عن الظروف الحياتية التي ساعدت في ذلك فيمكن تقسيمها إلى قسمين: ظروف حياتية خاصة وظروف حياتية عامة. بالنسبة للظروف الحياتية الخاصة، فقد وجدت أن المسرح يحلل ويناقش بأدوات فنية أوضاع الفئات والشرائح الاجتماعية الدنيا، التي أنا منحدر منها، ويرى أن أوضاعها المزرية ليست قدرا وإنما نتيجة لعلاقة اجتماعية مختلة ونتيجة لسياسات معينة متبعة. في الواقع، لقد وجدت أن المسرح مرآة تعكس الواقع بعد تحليله وإعادة تركيبه من جديد وفق رؤية فنية وفكرية، تسلط الأضواء على جوانب خفية تتعلق بالأوضاع الاجتماعية والسياسية، فتؤدي إلى إعادة فهم الواقع من جديد.

هذا فيما يتعلق بالظروف الحياتية الخاصة. أما عن الظروف الحياتية العامة فكل دارس للمسرح يدرك بأن المسرح وثيق الصلة بالظروف الاجتماعية و السياسية العامة، إذ بإمكانه أن يتطرق حتى إلى مواضيع قد يكون من غير المسموح التطرق إليها في الواقع. يكون ذلك بأسلوب فني درامي ومسرحي لماح (أي يقوم على التلميح).

تضافرت إذن هذه الظروف الحياتية الخاصة والظروف الحياتية العامة، فضلا عن التعليم الجامعي، في بلورة اهتمامي وارتباطي بالمسرح قراءة ومشاهدة. لم ينقطع هذا الاهتمام وهذا الارتباط منذ البداية (الثمانينيات من القرن العشرين) إلى الآن، إلى درجة يمكن أن أقول معها إن المسرح غدا بالنسبة لي "خبزا يوميا"، فكلاهما ضروري.

*. ماذا يعني المسرح بالنسبة إليك؟

إن المسرح هو فن الخطاب وليس فن الخطبة. ولأنه كذلك، فهو قائم على دعامتين: دعامة فنية تجتهد في ابتكار الأدوات الفنية اللازمة والتنسيق فيما بينها بغية تحقيق متعة فنية بالنسبة للمتلقي (القارئ/المشاهد) دفعا للملل وتربية للذوق والإحساس بالجمال الجمال الفني. ودعامة فكرية تنويرية تساهم في تقدم الوعي الإنساني. ذلك أنه لاتقدم بدون وعي، الوعي بالذات وبالمحيط العام. وهما دعامتان أساسيتان لاينبغي التفريط في أي منهما من لدن الكاتب الدرامي والمخرج المسرحي. إن التفريط في أي منهما يؤدي إما إلى نزعة جمالية شكلية، وإما إلى السقوط في التقريرية والمباشرة. والمسرح، كما سبق القول، هو فن الخطاب وليس فن الخطبة. في الخطاب تمتزج وتتكامل الدعامتان معا الفنية والفكرية.

*. حدثنا عن المسرح المغربي .. البدايات.. وأهم مراحله.. ورموز كل مرحلة.. والمسرحيات التي توجد ضمن تاريخ المسرح المغربي.

هناك مشكلة تتعلق بتحديد السنة بالضبط التي عرف فيها المغرب المسرح، هل تعود هذه البداية إلى الفترة التي قدم فيها الإسبان مسرحيات بعد احتلال مدينة تطوان الذي كان سنة 1860؟ علما بأن هذا النوع من المسرح ليس مغربيا لأن القائمين عليه كانوا إسبانا، وكان هذا المسرح موجها أساسا إلى الإسبانيين الموجودين بالمغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وأنا هنا لا أتحدث عن المسرح المغربي ولكن عن وجود المسرح في المغرب، أم تعود البداية إلى سنة 1923 حسب بعض مؤرخي المسرح المغربي. والأمر هنا لا يتعلق بمسرح في المغرب وإنما بمسرح مغربي.

يمكن القول بأن المشكلة المشار إليها في بداية هذا الجواب تصبح غير ذات موضوع إذا حددنا المقصود المطلوب، هل المطلوب هو تحديد بداية وجود المسرح في المغرب، وهنا لابد من الإشارة إلى تشييد مسرح سرفانتيس بطنجة سنة 1911 (كان التدشين سنة 1913) الذي مازالت بنايته إلى يومنا هذا، أم بداية المسرح المغربي؟ والجواب يتوقف على اختيار إحدى الصيغتين منطلقا للجواب.

بناء على التمييز السابق، يمكن اعتبار سنة 1923 بداية للمسرح المغربي. انطلاقا من هذه السنة بدأت تزور المغرب فرق مسرحية مصرية من بينها فرقة الفنانة فاطمة رشدي التي تحدثت في كتابها1 عن هذه الزيارة. ثم ظهرت جمعيات وفرق مسرحية في مدن مغربية عديدة مثل فاس والرباط ومكناس ومراكش وتطوان... ولما كانت المرحلة مرحلة استعمارية فقد كان المضمون الوطني حاضرا بقوة في مضامين المسرحيات ، وإن كان على حساب جماليات التعبير الدرامي والمسرحي. وهذا هو الحكم الذي استقر في أذهان الباحثين المغاربة. كان هذا المسرح إذن مسرحا نضاليا وطنيا. لذلك ليس من المستغرب أن يهتم رواد الحركة الوطنية المغربية زمن الاستعمار بالمسرح ومنهم على سبيل المثال عبد الخالق الطريس. من مسرحيي هذا المرحلة الشهيد محمد القري الذي استشهد سنة 1937.

ولما حصل المغرب على الاستقلال كان هناك مسرح الهواة الذي كان بحق بمثابة مدرسة أو معهد مسرحي للتكوين المسرحي. وإليه يرحع الفضل في ظهور أسماء مسرحية عديدة منها على سبيل المثال المرحوم محمد مسكين، وعبد الكريم برشيد، والمسكيني الصغير، وحوري حسين...

والآن هناك أسماء مسرحية أبانت عن امتلاكها لمقومات الكتابة الدرامية مثل الزبير بن بوشتى ... هذا دون نسيان مسرحيين كان لهما حضورهما المسرحي، ومايزال، الذي استمر طيلة عقود من الزمن، وهما الطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج.

*. هل هناك أزمة نصوص مسرحية أو أن لأزمة المسرح أسبابا أخرى؟

أنا لا أظن أن هناك أزمة نصوص مسرحية. ذلك أنه بالإمكان إعداد أي نص إعدادا دراميا. وهنا لابد من الإشارة إلى إقدام الطيب الصديقي على مسرحة المقامات، كما مسرح أيضا أشعار سيدي عبد الرحمن المجذوب. وقد حصلت فرقة مراكشية هذه السنة (2006)، هي "ورشة الإبداع دراما"، على جائزة مهرجان مدينة مكناس الذي يعقد سنويا، وهو مهرجان وطني. رجع المؤلف عبد اللطيف فردوس إلى شكل تراثي مغربي يدعى "البساط". ومن خلاله كتب نصا دراميا "عنوانه "البسايطية". هذا النص الدرامي وكذلك العرض المسرحي يجمع بين الفرجة ونقد الواقع.

لاتكمن الأزمة إذن في النصوص الدرامية أو القابلة للأدرمة La dramatisation بما في ذلك الروايات. إن الأمر يتطلب خيالا فنيا خلاقا ومعرفة بأصول ومقومات الكتابة الدراماتورجية.

*. ماذا أضاف المشهد المسرحي الحالي من جديد إلى مسرح الحكيم وسعد الله ونوس وسعد الدين وهبة وغيرهم من كبار كتاب المسرح؟

إن هذه الأسماء المسرحية المذكورة، أي توفيق الحكيم وسعد الله ونوس وسعد الدين وهبة، قد أغنت بدون شك الثقافة العربية والثقافة المسرحية العربية خصوصا بنصوص درامية تشهد على إتقانها لأسرار الكتابة الدرامية. وستظل نصوصهم الدرامية تشكل جزءا مهما من ربرتوار Repertoire الثقافة العربية في القرن العشرين.

ونهر الإبداع الدرامي والمسرحي ليس متوقفا الآن ولكنه متحرك. وقد يسرت الوسائل التكنولوجية سبل الإطلاع على الجديد في كل البلاد العربية، خلافا لما كان عليه الأمر في السابق، إذ تكفي العودة إلى الإنترنيت للإطلاع على كم هائل من النصوص الدرامية. داخل هذا الكم هناك الجيد والأقل جودة. وهنا تستحسن الإشارة إلى موقع "مسرحيون" الذي يشرف عليه قاسم مطرود، الكاتب المسرحي العراقي المقيم بهولندا، حيث تنشر نصوص درامية باستمرار. ومع مرور الأيام قد تظهر أسماء في مستوى توفيق الحكيم وسعد الله ونوس.

*- بصفتكم المتخصصة أين تكمن علة المسرح هل في النصوص المطروحة؟

إن العلة لا تكمن في النصوص المطروحة بالدرجة الأولى، ولكن العلة تعود إلى الاختيارات الفنية والفكرية للذي يتولى تقديم هذه النصوص على خشبة المسرح. فإذا كانت هذه الاختيارات مرتكزة على تصور ثقافي وفني متين وعلى بحث جمالي ينشد الجودة وليس مجرد الحضور، فسينعكس هذا على كيفية انتقاء النصوص الدرامية من أجل تقديمها على خشبة المسرح.

-*المسرح للعرض وليس للنشر مقولة تتردد دائما.. هل ترى أن النصوص الحقيقية تجد فرصتها إلى الطريقين؟

بالنسبة للشق الأول من السؤال، أرى أن المسرح للعرض وللنشر معا. إنه للعرض، وتلك هي الغاية من كتابة النص الدرامي أصلا. إن كلمة تياترون الإغريقية " يحدد معناها المكان الذي منه تتم مشاهدة الحفل أو الفرجة، إنها تعني فضاء المتفرجين حيث يجلسون"2. لكن العرض محدود في الزمان والمكان. هذه المحدودية تهدده بالاندثار والزوال، رغم وجود وسائل التسجيل التكنولوجية. وهنا تكمن أهمية النشر. إن نشر النصوص الدرامية يجعلها غير محدودة لا في الزمان ولا في المكان. ولذلك تحافظ على مكانتها في التاريخ. ثم إنها لا تتغير مثل العروض المسرحية التي تخضع لظروف الزمان والمكان.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فيبدو لي أن النصوص الحقيقية تجد طريقها إلى العرض والنشر معا. ومثال ذلك النصوص الدرامية التي أبدعها سعد الله ونوس على سبيل المثال. لكن قد تكون هناك نصوص درامية حقيقية يحول بينها وبين العرض أوالنشر أو هما معا سبب من الأسباب. بالمقابل، ليس كل ما يعرض أو ينشر يتوفر على المقومات الجمالية الدرامية والمسرحية.

*. هل الإتكاء على التراث أصبح سمة هذا الزمن المسرحي؟

إن التعامل مع التراث ليس وليد اليوم، بل بدأ مع مارون النقاش نفسه في منتصف القرن التاسع عشر. لقد كان عنوان مسرحية مارون النقاش الثانية هو "أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد". إن المشكلة ليست في التعامل أو الإتكاء على التراث في حد ذاته. ولكن في كيفية استخدامه ولأي هدف؟ لقد تعامل كبار كتاب المسرح في العالم مع التراث لأهداف متعددة. يكفي أن نذكر في هذا السياق شكسبير و بريشت وسواهما. إن أسطور أوديب مثلا تندرج في إطار التراث، و هناك كتاب عديد ون وظفوا هذه الأسطورة ومنهم توفيق الحكيم ووليد إخلاصي3 على الصعيد العربي.

*. إلى أي مدى يمكن الاستفادة من التراث لدفع عملية التطوير إلى الأفضل.. ولماذا يهرب المسرح في اتجاه التراث ولايواجه الواقع المعاش كما في الرواية مثلا؟

سبقت الإشارة في الجواب السابق إلى استفادة المسرح العربي من التراث منذ بداية المسرح العربي في القرن التاسع عشر. ويبدو لي أن البحث في التراث ،ومنه التراث الشعبي، وحسن استخدامه يؤدي إلى شيئين. أولهما استعمال أدوات عربية في البنية الدرامية والبنية المسرحية. ومن شأن هذا الاستخدام أن يؤصل المسرح في التربة العربية والثقافة العربية. وثانيهما أنه بواسطة استخدام التراث يمكن أن يكون التلقي الدرامي والمسرحي جيدا. هذا دون أن يعني استخدام التراث العربي انغلاقا على الذات، إذ يستحب استخدام كل التراث الإنساني ومنه الأسطورة اليونانية التي استفاد منها في المغرب محمد الكغاط في عدد من مسرحياته. ولم تكن عنده هذه الأسطورة إلا قالبا فنيا للتطرق إلى قضايا هي من صميم حياتنا الراهنة.

وعلى هذا الأساس، فليس استخدام التراث العربي أو غير العربي في المسرح العربي هروبا من الواقع وعدم مواجهته. إن متطلبات جمالية التعبير وجماليات الخطاب الدرامي والمسرحي هي التي تدعو إلى استخدام التراث، الذي لايكون مقصودا لذاته، بل يكون نافذة جمالية أو قالبا فنيا لمناقشة قضايا معاصرة. وحتى الراوية فهي تناقش قضايا الواقع ولكن انطلاقا من شخصيات قد يبتكرها الروائي انطلاقا من الواقع. لكن لابد من تأثيث جمالي حتى في الرواية وإلا تحولت هذا الأخير إلى تقرير أو منشور. وبذلك تفقد أدبيتها.

*. كيف ترى الفجوة بين المسرح وجمهوره؟

نعم هناك فجوة بين المسرح والجمهور. والمقياس في ذلك هو قلة الإقبال على المسرح. مع الأسف إن الجمهور الذي يتردد على المسرح اليوم قليل جدا. هذا شيء ملحوظ ومعروف. ولحد الآن لاتوجد دراسة ميدانية، حسب علمي، تبين أسباب هذا العزوف. لكن يبدو أن الصورة والتكنولوجيا قد أخذت من المسرح جمهوره. يكفي أن يزور الإنسان إحدى مقاهي الإنترنيت، التي بدأت تتكاثر اليوم، ليلاحظ بأم عينيه إقبال الشباب عليها.

*. كان الشعر قديما فن المواجهة وجاء المسرح ليقوم بهذا الدور في مراحل زمنية مختلفة.. التعليق.. وهل يقوم بنفس الدور الآن... وهل هو قادر بالفعل على هذا الدور في ظل الظروف الراهنة؟

كان الشعر قديما ديوان العرب، وكان الشاعر في الجاهلية لسان قبيلته. وقد عبر المسرح العربي في العصر الحديث عن أهم المشاكل والإشكاليات والقضايا التي عرفها ويعرفها العالم العربي اليوم. يمكن لقارئ النصوص الدرامية العربية ولمشاهد العروض المسرحية العربية أن يقف بالملموس، عن طريق الإبداع الفني، على إحباطات وتطلعات العرب في العصر الحديث. ولأن المسرح مشاكس بطبعه، ويعقد لقاء مباشرا مع جمهوره، فإن الرقابة بمختلف أشكالها تترصده. ومع ذلك، لم يرفع ولن يرفع الراية البيضاء رغم صعوبة الظروف أحيانا على الصعيد العربي.

*. هل يوجد مسرح عربي الآن بعد تلك السنوات الطويلة من بدايته في مصر وسوريا ولبنان ثم انتشاره في كل البلدان العربية؟

بالتأكيد هناك مسرح عربي، والدليل هو العدد الكبير من النصوص الدرامية العربية المطبوعة والمنشورة في كل البلاد العربية. وهي نصوص درامية مرتبطة بهموم وقضايا العرب. فضلا عن ذلك، الكتب والدراسات التي نشرها باحثون ونقاد عرب وغير عرب عن المسرح العربي.

*. ماهي السمات التي تجدها مختلفة في المسرح العربي عن المسرح العالمي أم أننا نكرر نفس المشهد ولكن بلسان عربي؟

من بين السمات التي أجدها في المسرح العربي، والتي يختلف فيها عن المسرح العالمي، هو أن هناك أدوات فنية، كالشخصية المسرحية مثلا، تستوحى إما من الواقع العربي أو من الثراث العربي، وحتى إذا تم استيحاء غيرهما فإن زاوية النظر أو الرؤية تبقى عربية معبرة عن القضايا العربية. لكن الأسس البنيوية الفنية التي يقوم عليها المسرح تظل متشابهة، لأن لهذا الأخير مقومات فنية بدونها لايكون مسرحا. إنها خصوصياته البنيوية الثابتة كالحوار على سبيل المثال.

*. هل تصلح مدرسة العبث الآن كمدرسة آنية تعبر بجلاء عن أحوال العالم العربي الراهنة والمشهد العبثي العربي؟

إن لمسرح العبث سياقا تاريخيا معينا ، فهو وليد الحرب العالمية الثانية في أوروبا. لذلك جاء معبرا عن ذلك السياق واستجابة فنية مسرحية لظروف شاملة كانت قائمة هناك، حيث عرفت النفس البشرية هناك أزمة نفسية عميقة جعلتها تفقد التواصل، كما جعلتها تنتظر "غودو" بعد فراغ روحي.

ولما كان "المشهد العربي عبثيا" كما جاء في السؤال، علما بأن المجال الذي تنمي إليه كلمة العبث في عبارة "مسرح العبث" يختلف عن المجال الذي تنتمي إليه صفة "العبثي" الواردة في السؤال، فإنني أرى أن مهمة المسرح هي تسليط الضوء على أسباب هذه العبثية والكشف عن الأسباب الداعية إليها. بطبيعة الحال يكون ذلك بأسلوب فني درامي ومسرحي. إن السياق العربي الراهن ليس هو سياق أوروبا، فهناك اختلاف كبير جدا بين السياقين. وإذا اقتصر المسرح العربي على استنساخ تجربة مسرح العبث فسيكون ذلك دليلا على التقليد وليس على الإبداع.

*. تعاني الحركة النقدية للمسرح من حالة قصور شديدة لأن نقاد المسرح صاروا كتابه،16. ومخرجيه أصبحوا معديه.. التعليق.. وهل توجد أزمة نقد مسرحي بالفعل؟

نعم هناك بعض النقاد الذين تحولوا إلى الكتابة المسرحية، ومنهم على سبيل المثال، الكاتب المسرحي العراقي المقيم بهولندا قاسم مطرود. وفي المغرب هناك نقاد وباحثون جربوا الكتابة المسرحية مثل مصطفى رمضاني. لكن ذلك لايعني أن الحركة النقدية تعاني قصورا. بل يمكن القول بأن إقدام هؤلاء على الكتابة المسرحية إغناء لتجربتهم بعد أن امتلك بعضهم ثقافة مسرحية جامعية. ويبقى تقييم عطاءاتهم الفنية من اختصاص البحث والنقد المسرحيين.

أما عن وجود أو عدم وجود أزمة نقد مسرحي، فرغم كل الملاحظات السلبية، وقد أبديت بعضا من هذه الملاحظات في مقدمة كتابي "الوجه والقناع في المسرح"4 وكذلك في الفصل الأول من كتابي "نحو تحليل دراماتورجي"5، يمكن القول بأن هناك اجتهادا نقديا وبحثيا غير مسبوق. لقد كانت الساحة النقدية النقدية المغربية مثلا في السبعينيات من القرن العشرين شبه خالية من النقد والبحث المسرحي المتخصص، أما قبلها فلم يكن  لهذا الأخير وجود. وكان السائد هو النقد الصحفي بعلاته. أما الآن فهناك باحثون ونقاد أثروا الخزانة المغربية والعربية بكتبهم. لكن من واجب نقد النقد أن يقول كلمته في الموضوع دون تحيز. وحتى على الصعيد العربي هناك كتب مهمة في هذا المجال، أنجزها باحثون متخصصون. ويبدو أن هناك سعيا نحو تطوير البحث والنقد الدراميين والمسرحيين العربيين، وذلك باستعمال مناهج مثل المنهج السيميولوجي في التحليل.

*. لماذا ينصرف الجمهور الآن عن المسرح رغم أنه يجد ممثليه الذين يحبهم أمامه وجها لوجه.. هل العرض هو السبب.. أم الدعاية أم آلية التسويق؟

سبقت الإشارة في جواب سابق إلى عزوف الجمهور عن المسرح. ولا اظن أن العرض هو السبب. لقد شاهدت شخصيا عروضا مسرحية جيدة تقريبا بدون جمهور رغم الدعاية. إن هناك وسائل أخرى تنافس المسرح منافسة قوية.

*. متى يصبح المسرح كالسينما ...واسع الانتشار؟

أنا لا أستطيع أن أقدم هنا جوابا مدققا لأن الأمر يتعلق بالاحتمالات. لكن يبقى من الضروري أن يبحث المسرح عن الوسائل والطرق التي تؤدي به إلى استرجاع جماهريته وانتشاره. إن المسرح هو أصلا للجمهور.

*. عرض مسرحي خاص بك يمثل لك نقطة تحول كبيرة في حياتك المسرحية؟

من بين العروض المسرحية التي أثرت في بعمق، وزادت من حبي للمسرح بل وأدهشتني يوم شاهدتها، أذكر عرضين مسرحيين لما كنت طالبا جامعيا. لقد كان في مدينة فاس في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين مسرح يدعى "المسرح الجامعي"، يتولى أمره الطلبة وليس إدارة الكلية. في إطار هذا المسرح، شاهدت العرض المسرحي الممتاز "نيرون السفير المتجول" الذي قدمته جمعية "المسرح العمالي" من وجدة. وكان الراحل محمد مسكين هو كاتب هذا النص الدرامي الذي طبع لاحقا.

والعرض الثاني الذي شاهدته أيضا في مدينة فاس خلال الحقبة المذكورة وأثر في بعمق، لكن خارج "المسرح الجامعي"، هو مسرحية "مجنون المدينة" للراحل حوري حسين التي قدمت في إطار مسرح الهواة بفاس، وبالضبط في "دار الشباب القدس" بمدينة فاس.

*. هل يوجد لدينا مسرح سياسي قادر على تجسيد واقعنا بكل أمانة .. وما علاقة المسرح بالسياسة من وجهة نظرك؟

يوجد مسرح سياسي عربي. إن النصوص المسرحية التي أبدعها على سبيل المثال سعد الله ونوس، ولا أقصد هنا ماسماه مسرح التسييس، ومحمد مسكين والمسكيني الصغير، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمود دياب، وممدوح عدوان، ومحمود ثيمور، وعزالدين المدني، وقاسم مطرود، ومسرحيات لتوفيق الحكيم مثل "السلطان الحائر"، و"إيزيس"، و"الصفقة"، وكذلك ألفريد فرج وسواهم، يمكن أن تدرس في إطار المسرح السياسي.

وتجدر الإشارة إلى أنه"يمكن استخراج المضمون السياسي من مسرحية تبدو للوهلة الأولى كما لو أنها خالية من المغزى السياسي، خصوصا لدى المشاهد أوالقارئ العادي (...) أكثر من هذا، إن المسرحية التي يكون هدفها الإمتاع الجمالي فقط يمكن نعتها بكونها سياسية، لأنها تسعى إلى صرف الجمهور عن التفكير في قضاياه الحياتية اليومية، وهذه أيضا سياسة"6. في إطار هذا المسرح السياسي أشير إلى أنني ترجمت سابق مقالا للناقد الفرنسي برنار دور Bernard Dort عنوانه بالضبط "المسرح و السياسة".

إن المسرح والسياسة توأمان منذ العصر الإغريقي. ذلك أن الكاتب المسرحي يقدم تصورا وقراءة للواقع اعتمادا على وسائل فنية مسرحية. هذا التصور وهذه القراءة تنطلق من رؤية معينة للواقع. وفي الحقيقة لاتوجد رؤية واحدة بل هناك رؤى مختلفة متصارعة.

*. من يشدك من كتاب المسرح عربيا وعالميا؟

يشدني من كتاب المسرح عربيا سعد الله ونوس. لقد أتقن المرحوم صياغة الحوار الدرامي بفنية عالية دون حشو أو كلام زائد. أما عالميا فيشدني عالم شكسبير. لقد تغلغل شكسبير في أعماق النفس البشرية وعبر عنها بأسلوب مسرحي أخاذ وشاعري.

*. مسرح الطفل من وجهة نظري هام جدا وأساسي في تنشئة أجيال قادرة على استيعاب ما يمر عليها وما يدور حولها من أحداث.. رأيك في هذه المسألة؟

أنا أتفق تماما مع وجهة نظرك. لكن تبقى الإشارة إلى أن مسرح الطفل ليس سهلا كما قد يتبادر إلى الذهن. ذلك أنه يتطلب معرفة بالعالم النفسي للطفل. كما يتطلب صياغة المسرحية بأسلوب يقوم على التشويق وبساطة الحوار والحكاية، مع تضمين هذه الأخيرة القيم الخالدة: الحب، الجمال، العدل، الخير..

*. جيل مسرحي تمنيت أن تكون من أبنائه؟

أنا لا أتمنى الإنتماء إلا لجيلي هذا. فهذا الجيل الحالي، على الأقل في المغرب، زود الساحة المسرحية بممثلين مكونين في المعهد، وبتقنيي خشبة ومخرجين درسوا تقنيات الإخراج في الغالب؛ كما زودها بباحثين ونقاد رغم الشوائب التي تعتري هذا البحث وهذا النقد.

*. كلمة توجهها للمسرحيين العرب.

إن الكلمة التي أود توجيهها إلى المسرحيين العرب، هي أن يجعلوا من المسرح وسيلة للنهضة والتقدم والحداثة والتنوير، وأن يكونوا أوفياء لضمائرهم وأن لا يتاجروا بهذا الفن النبيل: المسرح.

*. قضية مسرحية تشغل حيزا كبيرا من تفكيرك هذه الأيام.

لقد وضعت في كتابي "نحو تحليل دراماتورجي" إطارا منهجيا للتحليل الدراماتورجي. وأنا الآن أفكر في إنجاز التحليل في كتاب لاحق.

*. ما هي أهم سمات الفنان المسرحي؟

أهم سمات الفنان المسرحي عديدة من وجهة نظري. منها أن يكون شديد الإطلاع، ليس فقط في ميدانه بل وفي ميادين أخرى، لأنها تغذي ميدانه الأصلي. وأن يكون متواضعا فالسنابل المليئة هي التي تنحني. إضافة إلى الإخلاص لرسالة المسرح التاريخية. إن المسرح فضاء للحرية




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home