دراسات هامة

 

سيناريوهات التسوية على الساحة الفلسطينية

خالد وليد



الثلاثاء، 30 تموز، 2002
دخلت مرحلة الصراع الفلسطيني_الإسرائيلي مرحلة حرجة جدا أعيد فيها خلط أوراق اللعبة السياسية من جديد، لا لاسيما أن ما نجم من آثار ترتبت على عملية "السور الواقي" التي قام بها الجيش الإسرائيلي في مناطق الضفة الغربية في نيسان /2002 أوصلت مراحل النزاع حالة من الأزمة التي ما زالت إرهاصاتها تلقي بظلالها على المنطقة الفلسطينية والمنطقة ككل.
هذه العملية التي أسماها (شارون) "السور الواقي" التي هي مرحلة من مراحل قد بدأها منذ اليوم الأول من اعتلائه سدة الحكم في "إسرائيل" فاتحة الباب أمام مختلف الاحتمالات لمسار التسوية السياسية على الأرض والسيناريوهات المتوقعة التي يمكن أن يشهدها الوضع بين الطرفين الفلسطيني الإسرائيلي، أثيرت خلالها مسالة ضرورة إصلاح السلطة وقضايا الفساد ومسالة تصفية عرفات ومن يأتي بعد عرفات كمطروحات إسرائيلية وأمريكية وهذا ما سأتطرق له كسيناريو أمريكي _ إسرائيلي.
لا لاسيما أن المبادرات ومساعي السلام التي سارعت لوضع حد لحالة التدهور بين طرفي النزاع بدءا من المبعوثين إلى منطقة الشرق الأوسط والمؤتمرات التي عقدت بدءا من مبادرة الأمير عبد الله في بيروت /القمة العربية مرورا بخطاب (بوش) حتى المبادرة المصرية إلي اللجنة الرباعية التي ما زالت طروحاتها تتناقلها
الصحف.
مما لا شك فيه أن قضية إصلاح السلطة الفلسطينية والمطالبة بتغيير حقيقي في أجهزة السلطة وإعادة هيكلتها نداءات تتعإلى على جميع الأصعدة استعدادا لدخول مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
فلماذا الإصلاح؟ وما رأي الفلسطيني في ذلك؟
هذا ما سأتناوله في المبحث الأول.

** الفلسطينيون وضرورة الإصلاح

يكثر الحديث الآن عن إصرار متزايد لإصلاح نظام السلطة الفلسطينية والمطالبة بأخرى أكثر فعالية وأقل فسادا. فمنذ اللحظات الأولى لتشكيل السلطة الفلسطينية واستلامها مقاليد الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أحس الناس أن المعيار الموجه لهذه التشكيلات إما لإرضاء قادة وكوادر المنظمة أو بعض الوجوه العشائرية؛ فبدلا من تأسيس مجتمع القانون والمؤسسات أصبحت السلطة وقياداتها تستحوذ على كل الصلاحيات الكبيرة أو الصغيرة وصارت الوصولية والمحسوبية تقف على رأس النظام، فتفاقم الفساد في السلطة، الشيء الذي تكونت فيه قناعة الشارع الفلسطيني بضرورة الإصلاح والإسراع فيه، وأصبحت القناعة
لدى الرأي العام الفلسطيني أن مواجهة الاحتلال تستدعي بإصرار متزايد إصلاح السلطة ونظامها وإعادة هيكلتها والمطالبة بسلطة اكثر فعالية وأقل فسادا.
بمعنى أن المطلب الشعبي الفلسطيني غير راض عن الداء مؤسسات السلطة ويطالب بإصلاحها.

المستوى الرسمي للسلطة الفلسطينية وموقفها من ادعاءات الإصلاح:

فبسبب ارتفاع الأصوات المطالبة بضرورة الإصلاح وإعادة هيكلة السلطة استعدادا لدخول مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد عملت السلطة الفلسطينية باقتراح خطة شاملة للإصلاح الداخلي فقام الرئيس عرفات بتغيير وإقالة عدد من الوزراء والمسؤولين وبسبب الضغوطات الكبيرة على رئيس السلطة الفلسطينية لأحداث تغيرات في السلطة حاول عرفات التخلص من منها بالمناورة على أحداث التغيرات التي وعد بها بعد رفع الحصار عنه في المرة الأولى على المستوى السياسي وترتيب البنية الأمنية للسلطة من خلال تعيينه لوزير الداخلية.
في البداية كانت رهانات الرئيس عرفات على حدوث تغيرات في المشهد السياسي في المنطقة وتغيير بعض التوازنات الأمر الذي سيساعده على الإفلات من الضغوط الممارسة عليه إلا أن خطاب بوش جاء ليشعر عرفات بقوة الموقف المتخذ بشأن إقصاءه وعدم التعامل معه لالاسيما أن الموقف الإسرائيلي الرافض باعتبار عرفات شخص يمكن التعامل والتفاوض معه وهذا ما جاء على لسان رئيس الحكومة الإسرائيلية (إرئيل شارون).
هذا الأمر الذي دفع عرفات إلى الإسراع ودون إبطاء منه لاحتواء القرار بعزله والاحتفاظ بدور سياسي له فدفع بإلقاء آخر أوراقه وهي الأجهزة الأمنية وأحداث تغييرات فيها مع العلم أن عرفات كان غير راضي عن إجراء تغييرات لولا الضغوط التي أخذ يتلقاها، فعمل على تغيير بعض قادة الأجهزة الأمنية أمثال محمود أبو مرزوق مسؤول الدفاع المدني وغازي الجبال قائد الشرطة الفلسطينية وجبريل الرجوب الذي أثيرت ضجة عالية نتيجة عزله بأمر من عرفات...
إلا أن هذا التغيير من وجهة نظر أمريكية المطابقة للإسرائيلية غير كافية مستمرة في شن حملة قاسية على الرئيس عرفات متهمة القيادة الفلسطينية بالفساد، فمتى برزت هذه الحملة التي تشن على ياسر عرفات ولماذا تستخدمها إسرائيل وأمريكا؟!
لا شك أن عملية السور الواقي التي بدأت فيها إسرائيل في مناطق الضفة الغربية في نيسان الماضي خلطت الأوراق لتبرز قضية اتهام السلطة بالفساد والمناورة بضرورة إصلاحها فالسياسة الإسرائيلية كانت تحاول في ذات التوقيت بالذات أن تفتعل حججا واهية وأساليب ملتوية الشيء الذي يجعلها تماطل بدفع الاستحقاقات السياسية المترتبة عليها.
وسأتناول ذلك في الموقف الإسرائيلي، فاقتراح خطة شاملة للإصلاحات الداخلية في السلطة الفلسطينية بسبب الضغوطات على الأخيرة كجزء من السيناريو القادم فيما يتعلق بالتسوية على الساحة الفلسطينية، وطرحت اقتراحات عملية للبدء بمرحلة جديدة فتم حل الحكومة الحالية وتشكيل أخرى والدعوة لانتخابات جديدة وتم الإعلان عن موعد لإعلان إجراء الانتخابات في الشتاء القادم بمراقبة دولية تتم بصورة ديمقراطية، وكطرح من
محاولة إقصاء عرفات عن الحكم أصبح الحديث حول تعديل الدستور الفلسطيني ليتم استحداث منصب رئيس وزراء من أجل امتصاص صلاحيات عرفات وهذا ما يتم الحديث عنه في أوساط سياسية عديدة لالاسيما أن الولايات المتحدة تعتبر عرفات شخصا غير مرغوب فيه تمشيا والتطلعات الإسرائيلية؛ فأحداث إصلاحات في السلطة لاقت الآذان الصاغية لها في الجناح المعتدل في السلطة أيضاً فبعد الحديث عن النية في إيجاد منصب رئيس وزراء هذا المنصب الذي نص عليه في اتفاقات أوسلو إلا أن الرئيس عرفات غطى عليه/ الهلال، العدد 87، 23/7/2002 فبرزت أسماء عديدة على سطح التنافس الخفي وبدت النخبة الفلسطينية في الدعوة لوقف
العمليات التي تحدث في إسرائيل والإسراع في إصلاح السلطة انطلاقا من حقيقة أن الموقف من العمليات الاستشهادية هو المعيار الوحيد لقبول هذه الشخصية أو تلك على المستوى الدولي لا لاسيما من منظور أمريكي. ومن هؤلاء الأشخاص الذين تداولتهم الصحف ووسائل الإعلان كأشخاص متوقع ترشحهم لانتخابات:
نبيل عمرو ،محمد دحلان، فاروق القدومي، نبيل شعث، أبو مازن، قريع "أبو العلاء"، سري نسيبة...وآخرون.

وثيقة الإصلاحات الفلسطينية تتضمن ثلاثة محاور:

- دستور مؤقت
- منصب رئيس الحكومة.
- توحيد أجهزة الأمن.
وتجدر الإشارة إلى أن عرفات رفض مصطلح نائب رئيس مع التحفظ على منصب رئيس الوزراء مع العلم أنه يريد خوض الانتخابات القادمة /السبيل 23/7/202.

موقف الفصائل الفلسطينية المعارضة:

على صعيد الفصائل الفلسطينية المعارضة لسياسة السلطة الفلسطينية ومنها الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فقد رفضتا المشاركة في الانتخابات الفلسطينية الجديدة قبل تبني برنامج شامل للإصلاح على الصعيد السياسي والوطني بما يضمن المشاركة الفاعلة لمختلف الأطراف في صنع القرار فيما يبرز تغيير في موقف الشعبية كما أكد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية "عبد الرحيم ملوح" لصحيفة الحياة أن الجبهة الشعبية أوضحت لعرفات استعدادها المشاركة في حكومة جديدة بشرط أن يكون هناك إصلاح حقيقي وليس من خلال
استبدال "نبيل بعبد الرحيم" وأن يكون هناك حوار تشارك فيه القوى الوطنية والإسلامية لتقويم المرحلة الحالية وإصلاح النظام السياسي والبنى السياسية، جوهر انتخابات ديمقراطية حقيقية، وفيما يتعلق بالعقبة الخاصة بالشعبية فتتمثل باستمرار اعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية "أحمد سعدات" لدى السلطة الفلسطينية، وكانت قد دعت الشعبية السلطة الفلسطينية إلى اتباع نظام انتخابي جديد يضمن حرية كاملة للمقترعين على أساس القانون التمثيل النسبي الذي يكفل حق كل القوى المشاركة بالتمثيل وفقا لوزنها السياسي في الشارع.
أما الجبهة الديمقراطية فقد وضعت ثلاثة شروط قالت إنها يجب أن تشكل أساسا لإجراء الانتخابات التشريعية المقبلة.
أولها: إعادة النظر بقانون الانتخاب واقتراح مبدأ التمثيل النسبي أو مزيجا مع قانون الدوائر.
ثانيهما: تشكيل لجنة انتخابات من أطراف نزيهة وبمشاركة كل الأطياف السياسية.
ثالثا: مواجهة المجتمع المدني خصوصا الولايات المتحدة بتحديد موعد ملزم للانتخابات وضمان سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية وضمان حرية حركة المواصلات بين المدن والقرى والمخيمات قبل فترة زمنية كافية لبدء الحملة الانتخابية وهذا ما تطالب به المواقف الشعبية والعربية والدولية فيما يتعلق بالانتخابات القادمة الشيء الذي تماطل به إسرائيل.
وفيما يتعلق بحماس والجهاد الإسلامي فهناك ثوابت تنطلق منها وهي الإصرار على خيار المقاومة والجهاد لتحرير فلسطين لالاسيما أن العمليات التي تقوم بها في إسرائيل تؤخذ بالحسبان في التأثير على عملية السلام وتعثرها وتجري الآن جهود بين دول عربية ومساعي لتحجيم دور حماس والجهاد الإسلامي كمحاولة لوضعهما بصورة في تهدئة الوضع وجزء من تسوية الوضع في الوصول لحل النزاع الفلسطيني _ الإسرائيلي.
فهناك إجماع من المعارضة بخيار المقاومة لكنها * منظور شعبي تستجيب لفترات التهدئة كما لوحظ من إعلان حماس قبل شهرين موقف العمليات مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد عملية السور الواقي
التي قام بها (شارون) في الضفة الغربية وعادت لاستئناف عملياتها لالاسيما أن هناك تصعيدا إسرائيليا في عمليات اغتيال رجالات وقادة حماس وهناك ردة فعل تؤدي في النهاية إلى تأزم الوضع وخلط الأوراق.
حتى أن عرفات وفي تصريح له قال "إن حماس يقف وراءها جهات خارجية".
والآن تبذل جهود مصرية أردنية سعودية مشتركة في التفاوض مع حماس من أجل إيجاد صيغة تفاوضية لتسوية الأوضاع والأمر يبقى مرتبطا مع الجانب الإسرائيلي ومدى تصعيد العنف من جانبها.
إقليميا متمثلا بالموقف العربي تجاه السيناريو المحتمل في تسوية الأوضاع في المنطقة الفلسطينية. فهناك إجماع عربي على تسوية الوضع ولكن ليس على حساب الفلسطينيين. كنتيجة للوضع المتأزم الذي تمثل في إعادة احتلال الضفة الغربية والعمليات الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني من اجتياحات واغتيالات واعتقالات فمرحلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد دخلت مرحلة سياسية جديدة في ظل حكومة (شارون) حيث كانت هناك سباق محتدم نحو الجهود الدبلوماسية والمبادرات في إيجاد وسيلة للتهدئة وتسوية الوضع ومن هذه المبادرات:
- المبادرة السعودية / مبادرة الأمير عبد الله التي طرحت في بيروت في القمة العربية وكانت تمثل رغبة صريحة في تطلع العرب للسلام العادل والشامل الذي يضمن الحقوق لأصحابها وكانت تمثل "تطبيع كامل مع إسرائيل مقابل سلام شامل" وكانت مرتكزة على الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن في مسعى لإنهاء حالة
الصراع الطويل بين الفلسطينيين والإسرائيليين...
أثارت المبادرة عاصفة ردود اختلف أصحابها بين مؤيد بحماس ومنهم بتحفظ وآخرون تريثوا للمزيد من الدراسة والتحميص؛ فإسرائيل التي حاولت أن تأخذ من المبادرة السعودية شقها الخاص بالتطبيع وإهمال شق الانسحاب من الأراضي المحتلة حتى خطوط 4 حزيران 1967 وفق جدول زمني فعملت على تطويق المبادرة في المربع الأول الذي لم تتحرك منه مبادرات السلام السابقة خطوة أولى إلى الأمام بسبب وضع القدس التي تضعها إسرائيل في مرحلة تفاوضية في المرحلة الأخيرة التي لم يصلها قطار السلام حتى الآن.
فرحبت الدول العربية بهذه المبادرة كطرح جديد لإيجاد حل لأصعب معادلة في منطقة الشرق الأوسط قوبلت بترحيب من الرئيس بوش والاتحاد الأوروبي وعندما سئل الأمير عبد الله عن الجهة التي ستمارس الضغط على إسرائيل قال إن الولايات المتحدة إذا قامت بالدور الرئيس فإنها ستعطي مصداقية وفعالية.
- إسرائيل أرادت توضيحات وتفصيلات عن المبادرة وبسبب الإحراج الذي وجدت فيه نفسها، نظرا لأن المبادرة جنبت العرب محنة الإحراج الدائم من القمة الأميركية في دعمهم للإرهاب في تدمير إسرائيل ومنح اليسار الإسرائيلي فرصة القيادة الشعبية على لسان صحيفة النهار 25 تموز 2002.
الأمر الذي دفع (شارون) من أجل إعطاء شخصه نوع من المصداقية اقترح عقد مؤتمر إقليمي للسلام تستثنى سوريا ولبنان، أما عن الجانب الإسرائيلي فهو لا يريد عرفات الذي يريده خارج إطار اللعبة السياسية.
فهذه المبادرة تضع إسرائيل على المحك وتضعها أمام اختبار العالم اجمع، قد واعتبرت السلطة الفلسطينية هذه الأفكار فرصة تاريخية للتسوية يجب على الولايات المتحدة أن لا تفوتها وذلك من أجل إعادة عملية السلام إلى مسارها الطبيعي.
وأشار "صائب عريقات" إلى أن المبادرة السعودية هي من أهم ما طرح في العالم العربي منذ انعقاد مؤتمر مدريد سنة 1991. لاسيما أن الموقف الأوروبي كان قد بارك هذه المبادرة.
ولكن بقيت هذه المبادرة محفوظة في ذاكرة الزمان وما إن يخرج الوضع في أزمة حتى يلج في أخرى وجاءت المبادرة المصرية التي تبنت وجهات نظر وطروحات أمريكية وإسرائيلية وكانت التسويات ليست مرهونة بتحديد موعد زمني وإقامة دولة فلسطينية على 42% من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 67 فالثغرة فيها هو عدم تحديد موعد زمني، الأمر الذي لم يلاقي قبولا على المستوى الفلسطيني وبعض الأوساط الأخرى.
وكانت هذه المبادرة قد جاءت بعد خطاب بوش ورؤيته للسلام وهذا ما سأتطرق إليه في الموقف الأمريكي.
إلا أن الرؤية العربية فيها إجماع على ضرورة إيجاد حل في تسوية الوضع وإيجاد مخرج لهذه الأزمة وضرورة الإصلاح في السلطة الفلسطينية كجزء للخروج من هذه الأزمة فكان الضغط العربي الذي مورس ويمارس على الرئيس عرفات من قبل التحرك المصري والأردني والسعودي بتنسيق مع الولايات المتحدة والدول المعنية يسعى لتحقيق هدفين:-
1- إحداث تغييرات جذرية في السلطة الفلسطينية التي يترأسها عرفات خاصة في أوساط المؤسسة الأمنية.
2- منع العمليات الاستشهادية بأي شكل من الأشكال، لاسيما أن الموقف العربي تجاه شخص ياسر عرفات فهناك إجماع على أنه زعيم ورمز للشعب الفلسطيني وهناك رفض عربي بشأن استبعاده أو إقصاءه كونهم لا
يرون بديلا له إلا أنهم مع إجراء انتخابات ديمقراطية وإصلاحات في السلطة..
ولكن سؤالا يطرح: هل عدم بث كلمة الرئيس عرفات في مؤتمر القمة في بيروت تلميح لإبعاده عن الحكم تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية؟!

الموقف الإسرائيلي والسيناريو الإسرائيلي للحل:-

فالموقف الإسرائيلي يتداخل مع الرؤية الأمريكية في تسوية الوضع على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية فقد لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى العمل باتجاهين متوازيين:
الأول: إيجاد خلفية أو بديل لعرفات مع التلويح له بهذه الورقة.
ثانيا: تقويض السلطة الفلسطينية بضرب بناها التحتية وإزالتها؛ فالموقف من ياسر عرفات، إسرائيل لا تريده مفاوضا وترغب في إخراجه من الحكم، فالبرغم من أن أمريكا كانت لا ترى بديلا له إلا أنها استجابت للمطالب الإسرائيلية وأصبحت تلوح له بضغوطات لإيجاد خليفة له.

أولا: موقف إسرائيل من عرفات وسيناريو من يأتي بعده:-
أحد السيناريوهات التي تم تداولها بقوة لمرحلة ما بعد عرفات هي تولي أحمد قريع أو "أبو مازن" قيادة الشعب الفلسطيني بقيادة الجانب السياسي في السلطة الفلسطينية وتولي جانب عملية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي وهذان الشخصان تريد إسرائيل أن يأتي وأحد منهم بعد عرفات لاسيما أنهما يتمتعان بعلاقات متميزة مع الجانب الإسرائيلي وهو موضع ترحيب أمريكي. وحاليا يجري العمل دوليا لبحث هذا السيناريو قبل الانتخابات المقبلة للرئاسة الفلسطينية، أبو علاء وأبو مازن لا يتمتعان بقبول كبير في الأوساط الرسمية الفلسطينية وفي الشارع
الفلسطيني وهناك مساع عربية وأوروبية في التأكيد على رفض فرض قيادة على الشعب الفلسطيني. ويبقى الموقف الإسرائيلي غير راضيا عن عرفات والبحث عن بديل له هو مطلب إسرائيلي. لذلك لم يكن لدى الإسرائيليين بد من تغيير بنية السلطة وقيادتها ومع تزايد وقع الانتفاضة ضد الاحتلال وتأزم الموقف ودفع
قيادات فلسطينية خصوصا عرفات الذي وجد نفسه محاصرا إلى تبني خطاب سياسي متشدد في وجه القمع الإسرائيلي تزايدت الحاجة الإسرائيلية إلى البحث عن بدائل لخلافة عرفات لاسيما أن هناك خلافات تاريخية بين عرفات وشارون وهي ما تسمى "تصفية حسابات".

السيناريو الإسرائيلي في اقامة الدولة الفلسطينية
حسب السيناريو الإسرائيلي فان الدولة الفلسطينية يجب أن تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية وتكون منزوعة السلاح ويقوم الجيش الإسرائيلي بمراقبة حدودها كما انه لن يكون بمقدور تلك الدولة إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول المناوئة لإسرائيل وبإمكان إسرائيل استخدام مجالها الجوي لتلك الدولة، فالدولة الفلسطينية من منظور إسرائيلي ما هي إلا خدمة لمنظور إسرائيل الأمني.

السيناريو الأمريكي:
الموقف الأمريكي قائم على ضرورة أن يغير الفلسطينيون قيادتهم واعتبار أن ذلك التغيير هو الشرط الأساسي للدعم الأمريكي السياسي والاقتصادي للدولة الفلسطينية الوليدة، فالموقف الأمريكي متمثلا بموقف الرئيس بوش طرح خطة للسلام الشيء الذي كان محبطا لتوقعات الكثير ومبهجا للإسرائيليين أو متجاوزا حتى كثير من توقعاتهم. على الرغم أن جورج بوش لم يركز على قضايا كانت جوهرية في الأساس وهي ضرورة الإنهاء السريع لاحتلال الأراضي الفلسطينية والانسحاب الفوري بينما وضع إزالة السلطة الفلسطينية وإعادة ترتيبها ومكافحة الفساد على هرم أولوياته متمشيا مع رغبات إسرائيل في حماية نظرية أمنها حتى أن كثير من المعلقين اعتبر خطاب بوش وموقفه من القضية الفلسطينية هو انتصار لشارون. أما الجانب المتوازن في خطابه هو تأييده لإقامة الدولة الفلسطينية جنبا إلى جنب مع إسرائيل ودعوته إلى إنهاء الاحتلال وإيقاف الاستيطان وتحدثه
بإسهاب عن ضرورة رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني ودعم الاقتصاد الفلسطيني المتدهور.
فالولايات المتحدة لغاية الآن ما زالت تشن حملة قاسية ضد عرفات وتبحث بمشاورات مع أطراف فلسطينية وعربية ودولية إمكانية طرح قيادة جديدة أو استحداث منصب رئيس وزراء بمعنى إيجاد خليفة لعرفات بأبعاد الأخير عن الحكم وامتصاص صلاحياته وفي تقرير صحفي "للحياة الجديدة" 22/7/2002 صرح مسؤولون
فلسطينيون أن عرفات طلب من أمريكا بأنه يريد خوض الانتخابات المقبلة وانه سيستقيل في حالة فوزه بعد ثلاثة اشهر من إعلان النتائج.
وفي تقرير لصحيفة (يديعوت أحرنوت) كبرنامج تفصيلي للسلام في الشرق الأوسط يدعو إلى قيام دولة فلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران 1967 مع التنازل عن حق عودة اللاجئين وقالت الصحيفة أن مجموعة من السياسيين من جميع أنحاء العالم قاموا بإعداد هذا التقرير الذي أصدره معهد مجموعة الأزمات
الدولية"International Crisis group" في (بروكسل) استنادا إلى خطاب الرئيس (جورج دبليو بوش) وهذا ما نقلت الصحيفة عن كاتبي التقرير "إن المطلوب هو تدخل عالمي من أجل المضي قدما في اتفاقية السلام والجهات الفعالة الآن هي الرباعية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا) والثلاثي العربي وزراء خارجية مصر والأردن والسعودية.
ويقول الباحثون في تقريرهم يجب أن يكون هناك وقف تام للعنف يلي ذلك إدخال إصلاحات في السلطة من أجل التوصل إلى نظام حكم ديمقراطي ولهذا يجب على القيادة الفلسطينية الحالية التنحي جانبا ويعرض التقرير إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 مع ضم أربعة بالمائة من الأراضي الموجودة وبالمقابل تتنازل إسرائيل عن مساحة متساوية من الأراضي يتم ضمها للدولة الفلسطينية عندما تقام وبالنسبة للقدس يدعو التقرير إلى إبقائها عاصمة لدولتين حيث تسيطر إسرائيل على الأماكن اليهودية وفلسطين على الأقسام العربية.
وهناك اقتراح لحل مشكلة اللاجئين تقوم على تنازل الفلسطينيين عن حق العودة إلى إسرائيل مقابل حصولهم على تعويضات مالية وإعادة إسكانهم في الدولة الفلسطينية وفي الأراضي الإسرائيلية التي ستنتقل إلى سيادتها أو تسكينهم في دول أخرى أو بقاؤهم في الدول المتواجدين فيها / السفير 20/تموز/2002 فالخطة والرؤية الأمريكية العازمة واشنطن تنفيذها إزاء العملية السلمية والتسوية في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لا بد وأن تواجه عقبات دولية وإقليمية حيث يبقى الرهان على قدرة الولايات المتحدة في تذليل المحافظة العربية والأوروبية من جهة في مسالة من يأتي بعد عرفات ومسالة فرض شخصية بديلة التي تلاقي رفض من الشارع الفلسطيني والعربي والأوروبي، الأمر الذي يطرح سؤالا خصوصا أن الانتخابات الفلسطينية قادمة: ماذا لو تمت إعادة انتخاب عرفات في انتخابات ديمقراطية مراقبة دوليا، فهل ستضطر أمريكا وحليفتها إسرائيل في معاقبة الشعب الفلسطيني بأكمله؟!
وماذا لو أن أمريكا استبعدت خيار الشعب في الانتخابات وفرضت خليفة لعرفات بضغوطات معينة على الساحة الفلسطينية والدول العربية؟!
مسألة عرفات ومن يأتي بعده ومسالة الأمن مطلبان أمريكيان وبما أن الدول العربية والدول ككل تراهن على الولايات المتحدة في حسم قضية التسوية على الوضع الفلسطيني فكيف سيلبي الفلسطينيون الرغبة الأمريكية؟ سؤال يبقى مطروحا على مر الأيام القادمات فهي كفيلة بتولي الإجابة عنه.
اللجنة الرباعية المكونة من (الأوروبيون والروس والأمم المتحدة والولايات المتحدة) ابتعدوا في مواقفهم عن الموقف الأمريكي حول مسالة الدور المستقبلي لياسر عرفات حيث عبر الجانبان عن وجهات نظر ومواقف مغايرة تماما بالنسبة لهذه المسألة.
فالمسألة الأمنية من وجهة النظر الأمريكية تأخذ الأولوية في عملية الإصلاحات التي تريد فرضها على السلطة الفلسطينية والقيادة بزعامة عرفات.
الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة يريدان أن يتم بحث القضايا الأمنية في مناطق السلطة في خطوة أمامية للتطور الاقتصادي والسياسي في الجانب الفلسطيني وبشكل يخدم الإصلاحات. وأنيط الدور الأمني بمصر في أعادة هيكلة بنية الأجهزة الأمنية في غزة والأردن يعمل على إعادة هيكلة المؤسسات المدنية.
- اللجنة الرباعية أعربت عن تأييد مطلق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية قابلة للعيش في غضون ثلاث سنوات.
وقال (أنان) في تأييد للأمم المتحدة لياسر عرفات كزعيم للشعب الفلسطيني "نحن سنظل نتفاوض مع عرفات إلى أن يقرر الفلسطينيون عكس ذلك.
وطالبت اللجنة الرباعية إسرائيل القيام بخطوات واضحة ومحددة وفورية إلى تسهيل إقامة الدولة الفلسطينية وهذه الدعوة تتضمن تحقيق إجراءات انسحاب القوات الإسرائيلية إلى مناطقها التي كانت ترابط بها قبل الثامن عشر من ايلول 2000 لاسيما أن الأردن ومصر والسعودية باركا هذه المبادرة /مايكل شتاين/الدستور 25/7/2002.
لا لاسيما أن الموقف الأمريكي قد تراجع من مسالة فرض قيادة على الشعب الفلسطيني في اللجنة الرباعية وأخيرا في الوقت الذي تطلق فيه يد شارون في الأراضي الفلسطينية تحت شعار "الدفاع عن النفس" يمكن أن يكون إشارة البدء لمرحلة جديدة ليس لتحقيق السلام رغم مساعي السلام الذي طال انتظاره وإنما لتفجر موجة أخرى من العنف والدماء في المنطقة ننتظر على إثرها مبادرة أمريكية جديدة ربما تكون أكثر توازنا!
والآن.. مماطلة شارون تجاه المفاوضات الفلسطينية في ظروف باتت تهدد بانفجار المنطقة كلها أرجئت إلى موعد مستقبلي بعيد وهذا يسمح له بالاستفادة من التحالف الحكومي القائم وتسهيل بقاءه بالحكم بدون أن يطالبه أحد بتقديم أي شيء للفلسطينيين في الظروف الراهنة.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home