مقال

 

أنا مسلم

برفسور عبد الستار قاسم



أنا مسلم
 
بروفيسور عبد الستار قاسم
 
هناك رجال دين وسياسة يستغلون ما يجري في العراق من سفك دماء لتفعيل الاستقطاب المذهبي المقيت الذي لن يعود على الأمة بخير. رجال سياسة لا نعرف عنهم التدين إطلاقا، ولا نعرف عنهم الدفاع عن قضايا المسلمين ورفعة الدين الإسلامي يتحدثون الآن عن ضرورة دعم هذا الطرف السني أو ذاك الشيعي، وكأنهم أصبحوا الغيورين على مصالح المسلمين. هؤلاء الذين يعيثون في الأرض الفساد وينهبون أموال شعوبهم ولا تأخذهم رحمة بمعارضيهم، ويعرضون أمن الأمة للخطر يطلبون من جموع الناس الآن التحشد والاستقطاب في مواجهة الآخر. ورجال دين لم نسمع لهم كلمة في مواجهة الغزو الأجنبي للبلدان العربية، ولم يرفعوا إصبعا للجهاد في فلسطين وغيرها من بلدان العرب والمسلمين ينصبون أنفسهم الآن حراسا على الإسلام وكأنهم حصلوا على تفويض إلهي.
من أين أتت نخوة هؤلاء والغيرة على السنة أو على الشيعة؟ إنها تأتي من الرغبة بالفساد والإفساد وإضعاف المسلمين واستنزاف طاقاتهم. هناك الآن خطر كبير على المشروع الصهيوني في المنطقة، وعلى فكرة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ولا يجد أعداء الأمة وسيلة لقلب الموازين إلا إشعال الفتنة بين المسلمين ليقتتلوا ويضعفوا وتذهب ريحهم. لماذا لم نر هذه النخوة الجهادية المتأججة في مواجهة الأمريكيين الذين يحتلون العراق، ولماذا لم نلمسها في فلسطين التي ينخرها الاحتلال؟
هناك سنة وشيعة لا يؤمنون بالجهاد ولم يمارسونه بمختلف أشكاله في حياتهم، ويأتون الآن ليسوقوا لنا أفكارهم السوداء البغيضة اللعينة التي تنذر بخطر  داهم مرعب  يأكل الأخضر واليابس ويضع الأخ ضد أخيه. شيعة يكفرون سنة، وسنة يكفرون شيعة وكأنهم قد نصبوا أنفسهم آلهة يوزعون شهادات إيمانية ومقاعد في جنان الفردوس. إنهم لا يتقون الله ولا يراعون ظروف الأمة ويسيرون على غيّ بهيمي وكأنهم الأنعام بل أضل سبيلا.
جماهير الأمة من سنة وشيعة لا تعرف أصلا ما هو الفرق بين السنة والشيعة، ولا يوجد في عقلها سوى انطباعات بدائية ذات أصول تاريخية قد عفا عليها الزمن. جماهير الأمة طيبة وبسيطة ولا تتردد أبدا في مد يدها للمحبة والتعاون، وتعرف أن مصالحها لا تقوم على الخلاف والاختلاف والاقتتال. مأساتها فقط في أولئك الذين يحاولون طرد الدفء من قلوبها لصالح البغضاء والكراهية، والذين ينبشون التاريخ بما صح منه وما خضع للتزوير والتجني والمغالاة ليؤلبوا النفوس ويوتروا الأعصاب ويثيروا الرغبة في القتل وسفك الدماء.
أنا مسلم، ولا أريد من أحد أن يقول لي كلمة باطل، أو ليحفر تحتي في ظلمات التاريخ ليجعل مني خصما لسني أو لشيعي. نحن نعبد الله الواحد الأحد، ونؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا نريد أن نعبد التاريخ أو أن نضل السبيل. اقتتل المسلمون قديما وقتل المسلم أخاه المسلم، وأثروا سلبا على مسيرة الأمة الإسلامية؛ حسابهم عند الله، وهو العالم بالغيب والشهادة والعليم بما في النفوس.
ماذا يفيدني الآن أنا كمسلم إذا كان هناك من يقول أن أبا بكر قد استولى على حق علي في الخلافة بعد رسول الله عليه السلام، وماذا يعنيني إذا لم يحصل علي أول مقعد للخلافة؟ أنا مسلم بالعقيدة وليس بالأحداث التاريخية التي فرقت ولم توحد، ولا أريد من أحد أن يستثير مشاعري العصبوية فأتصرف عكس ما أراد الإسلام. جاء الإسلام لينقلنا من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، أما أصحاب الفتنة فيريدون منا أن نعبد تفسيرهم الخاص بالتاريخ ليقف الشيعي ضد السني، والسني ضد الشيعي.
نحن أبناء الأمة نعاني على مدى قرون من الهوان والإذلال، والأعداء يسفكون دماءنا ويستبيحون نساءنا وينهبون ثرواتنا، ويسخروننا عبيدا لإشباع شهواتهم، وبالتأكيد غمرت حياتنا المشاكل والأحزان والآلام والدموع. نحن لسنا بحاجة للاقتتال الداخلي وقد جربناه في حرب طاحنة ضروس حقيرة بين العراق وإيران، ولم نحصد سوى قتل الملايين من المسلمين واستنزاف إيران والعراق والسعودية والكويت والإمارات وقطر وغيرها. كان الواحد منا يذبح الآخر، وقادة أمريكا يزودون الأطراف بمفاتيح الإيقاع بالآخر.
ألا يكفينا ما يجري الآن في العراق لنقرأ الدرس جيدا ونعي بأن المذهبية المقيتة الغبية لن تجر علينا إلا الويلات؟ ألا تستفز المناظر البشعة في العراق عقولنا فنفكر بأن المستفيد الأول والوحيد مما يجري هم أعداء العرب والإيرانيين والأتراك والأفغان؟ فليخجل المحرضون الذين يصرون على انتمائهم للإسلام من أنفسهم وليتوقفوا عن تحريضهم ويثوبوا إلى رشدهم. معارك صفين وكربلاء لن تعود، وسيخسأ كل من يحاول إشعال الفتنة من جديد.
أنا مسلم متمسك بكتاب الله، وأعي تماما أن خزعبلات كثيرة قد دخلت على ممارسات المسلمين في تناقض مع التشريع الإلهي والفكر الإسلامي القويم، ولا أستثني هنا أيا من المذاهب. كتاب الله يوحد جميع المسلمين، والقناعات المذهبية الفئوية تمزق الصفوف، وما على الذين يقولون إنهم يدافعون عن الإسلام إلا أن يتخلوا عن خزعبلاتهم لصالح التعاليم الإسلامية الثابتة.
يشكل التحريض الطائفي المذهبي الفئوي التعصبي الآن الخطر الأكبر على أمة المسلمين. إنه خطر يهدد مصادر عيشنا وأمننا في بيوتنا وشارعنا ومؤسساتنا. وأدعو كل المحرضين لأن يتقوا الله.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home